fbpx
الأولى

الاتحاد الأوربي والمغرب… شراكة مُربحة للطرفين

سيظل الاتحاد جهة مانحة قارة لا تتغير بتغير الأولويات السياسية الراهنة

بصفتي المفوض المسؤول عن سياسة الجوار الأوربية، أود في البدء أن أعبر عن إعجابي بالمسار المتميز الذي قطعه المغرب. فمنذ وقت طويل، كانت لديه رؤية إستراتيجية للعلاقات التي يريد إقامتها مع أوربا، حيث كان قوة اقتراحية وشريكا مستعدا لتطوير مبادرات جديدة ومتبصرة ولجعل البلدان الأخرى تستفيد من تجربته

.  عندما منح الاتحاد الأوربي وضعا متقدما للمغرب سنة 2008، لم يكن الأمر مجرد تسمية سياسية، وإنما كان تعبيرا عن إرادة متبادلة من أجل استكشاف مجالات للتعاون أكثر طموحا. وهنا، أذكر على سبيل المثال، إحداث اللجنة البرلمانية المشتركة بين الاتحاد الأوربي والمغرب، وعلاقة المغرب الرائدة مع مجلس أوربا. ومن خلال الوضع المتقدم، تم تطوير مبدأ التقارب مع التشريع الأوربي. وللمغرب قصب السبق في هذا المجال، إذ فهم منذ وقت طويل الرهان الذي ينطوي عليه هذا التقارب. وقد ساهمت كل هذه المجالات في تعزيز علاقة الاتحاد الأوربي مع الشركاء الآخرين في المنطقة.
إن التغيرات السياسية التي شهدتها السنوات الثلاث الأخيرة في منطقة الجوار دفعت الاتحاد الأوربي إلى إعادة صياغة عرضه الاقتصادي والسياسي، مما ساهم في فتح آفاق جديدة أمام شراكتنا مع المغرب. فقد تم فتح العديد من الأوراش التي يجب تنفيذها على أرض الواقع.
وأستهل زيارتي هذه، وأنا واع بأن العلاقة بين الاتحاد الأوربي والمغرب يجب أن يُحركها طموح متجدد. وستكون لي فرصة مناقشة قضايا الساعة من قبيل الإصلاح الزراعي في أوربا والمفاوضات المتعلقة باتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة، لكن أود التركيز هنا على مجموعة من المحاور الواعدة التي يمكن تلخيصها كما يلي:
– مُصاحبة مُسلسل الإصلاح أولوية بالنسبة إلى الاتحاد الأوربي. فمن مصلحة هذا الأخير أن يكون المغرب بلداً نشيطا وديمقراطيا. وفي هذا الاتجاه، سيظل الاتحاد الأوربي جهة مانحة قارة لا تتغير بتغير الأولويات السياسية الراهنة. وعلى سبيل المثال، فإن دعم السياسات الاجتماعية في مجال الصحة والتربية ومحو الأمية ليس وليد اليوم، وهو دعم قوي ستواصل بشكل مستدام. والاتحاد الأوربي قادر كذلك على الاستجابة بسرعة للطموحات الجديدة للبلد، وهذا ما قمنا به مثلا عندما قدمنا دعمنا للخطة الحكومية من أجل المساواة بين الرجل والمرأة. فخلال الشهور الأخيرة مثلا، عرضنا مباشرة دعمنا للمشروع الجديد المتعلق بإصلاح القضاء ولسياسة المغرب الجديدة في مجال الهجرة. وسأستغل هذه الزيارة لتوقيع برنامج مع البرلمان من أجل تعزيز قدراته وخبراته. وآمل بحث سبل جديدة من أجل دعم أوربي طموح للإصلاحات التي توجد في طور التحضير.

 

–  اختيار المغرب للتفاوض بشأن اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمُعمقة. ويدل هذا الاختيار على الأهمية التي يوليها الاتحاد الأوربي للدور الاقتصادي النشيط الذي تقوم به المملكة في المنطقة. قد يثير هذا الجيل الجديد من الاتفاقيات العديد من التساؤلات بالنظر إلى مسألة عجز الميزان التجاري، إلا أن الاتحاد الأوربي يشجع هذا النقاش، لأن الشريك التجاري الواعي بإمكانياته وبتحدياته شريك قوي. وبالنسبة إلى المغرب الذي يرغب في تعزيز قدرته التنافسية، فإن اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة إطار للإصلاح من شأنه أن ينهض بمناخ الأعمال ويجلب المزيد من الاستثمارات. وأنا واثق أن هذه الفرصة سيتم استغلالها على أكمل وجه.
– تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع، هذا التعاون جارٍ من خلال التفاوض بشأن اتفاقية المشاركة في مهمات الاتحاد الأوربي لحفظ السلام. وأتمنى أن يتم تفعيل هذا التعاون الأمني الفريد من نوعه في المنطقة في أقرب الآجال لتأمين الاستقرار في إفريقيا ومناطق أخرى.
– ضرورة تدبير حدودنا المشتركة انطلاقا من روح المسؤولية المشتركة. وفي هذا السياق، يمنح اتفاق التنقل الموقع بين الاتحاد الأوربي والمغرب إمكانيات هائلة للسياسة المغربية الجديدة في مجال الهجرة ويرفع حركية تنقل المغاربة. ورغم أن مسألة الهجرة تثير الكثير من النقاشات في المغرب كما في أوربا، فإن الاتحاد الأوربي سيتحمل مسؤولياته في هذا الباب، وسيواصل النهج الذي بدأه من خلال دعم العمل التشريعي الذي شرعت فيه الحكومة ودعم إستراتيجية تسوية وضعية المهاجرين، والاستجابة للحاجيات الإنسانية الآنية للمهاجرين في وضعية هشة والشروع في المفاوضات بشأن اتفاقية تسهيل إجراءات منح التأشيرة و”إعادة القبول”.
– وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن البعد الإنساني لشراكتنا يندرج في صميم أولوياتنا. وفي هذا الصدد، أولي أهمية كبرى لتكوين الشباب وتشغيلهم ، ومن ثم، فإننا نرغب في تخصيص جزء كبير من دعمنا المالي للتربية والتكوين المهني ورفع عدد منح  “إيراسموس”.
إن زيارتي إلى المغرب تروم مناقشة كيفية مواءمة كل هذه الأوراش مع الطموحات الإصلاحية للمغرب. ومن الأساسي أن يستطيع المغرب تجسيد هذه الإصلاحات، في إطار من التشاور بين كافة الفاعلين المعنيين، وهي الإصلاحات التي عبر عنها وصاغها في مجالات مختلفة من قبيل استقلال القضاء والمزيد من المساواة داخل المجتمع والحكامة العمومية الحديثة.
وفي هذا السياق، أود أن أشيد بوجود مجتمع مدني متنوع ونشيط في المغرب. فالاتحاد الأوربي يعتبر أن للمجتمع المدني دورا بالغا الأهمية في إنجاح مسلسل الإصلاحات، وكذا في تحضير وتنفيذ السياسات العمومية. ففي الاتحاد الأوربي، نعمل، منذ عدة سنوات، على تطوير هذه السياسة، كما نعمل على إشراك المجتمع المدني المغربي في تنفيذ وتقييم برامجنا وسياساتنا. وسنواصل إشراكه في التفكير والحوار المتعلق بالشراكة الأوربية-المغربية.
إن اختيارنا الإستراتيجي للمغرب من أجل الاقتراب من أوربا يقوم على القيم المشتركة والقرب الجغرافي والتحديات المشتركة والمرافقة المستدامة للإصلاحات. ومن نافلة القول إن الشراكة ليست أمرا بديهياً أومُسَلّمًا به، إذ لكل طرف طموحاته وإكراهاته ولذا يجب أن تكون الاستفادة متبادلة. ولي اليقين أن شراكتنا ستظل مُربحة لكلا الطرفين. ونحن على أبواب الانتخابات الأوربية التي ستُجرى في الأيام المقبلة، والتي ستأتي بتغييرات على مستوى المسؤولين السياسيين والأولويات، أتمنى أن يحتفظ المغرب مستقبلا بمكانته الفريدة في سياسة الجوار الأوربية وعلى قدرته الريادية.
بقلم: ستيفان فول, المفوض المسؤول عن سياسة الجوار الأوربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى