fbpx
وطنية

شباب المخيمات… الوجه الآخر للظلام الجزائري!

بات معينا لا ينضب وشريانا حيا لتغذية التطرف بشمال إفريقيا

بقلم: الفاضل الرقيبي

تعقد هذه الأيام بمخيمات تندوف الجزائرية ندوة ثالثة لما سمي “سياسات الشباب”، تمولها جنوب إفريقيا والجزائر، لأجل تقديم صورة مغلوطة عن واقع الشباب داخل معسكرات تندوف.
هذه الندوة شهدت العديد من الجدالات والنقاشات بين الصحراويين لأنها جاءت في وقت يتعرض فيه شباب المخيمات إلى حملة مسعورة، من قبل الأجهزة الأمنية الجزائرية. فخلال ثلاث سنوات الأخيرة، اغتالت جحافل الجيش الجزائري عشرات الشباب الصحراوي حرقا، ورميا بالرصاص، ودهسا بالسيارات في الفيافي، دون أن يحرك ذلك ساكنا، سواء بالرابوني أو قطاع العمليات الجزائري بتندوف، ناهيك عن صمت الأجهزة القضائية الجزائرية، و”المدافعين” عن حقوق الإنسان في الخارج أو الداخل، ليتبين أن قتل الشباب الصحراوي لا يعتبر حدثا.
هذه الندوة، التي عرفت مقاطعة واسعة من قبل شباب المخيمات، ناقشت كل شيء، عدا الواقع المزري لهذه الشريحة، الذي يزداد سوءا، يوما بعد يوم، ولم تجد قيادة قطاع العمليات بتندوف بدا من القيام بإنزال مكثف لفرض إصدار اللجنة لبيان يشيد بالاهتمام الجزائري بسكان المخيمات، وخصوصا فئة الشباب.
لكن، ما غاب عن هذه الندوة، حسب عبيدة مزينة، نجلة رئيس المجلس الاستشاري لـ “بوليساريو”، التي انسحبت من اللجنة المنظمة، هو أنها (اللجنة) لا تعني شباب المخيمات، وأنها جاءت، بدعم مادي من بعض الجهات الجنوب إفريقية والجزائرية، لتلميع صورة قيادة الرابوني. فمعظم الحضور هم أبناء قيادات أو أبناء الحظوة ممن تربطهم علاقات أسرية أو اجتماعية بقيادات في الجيش الجزائري. فهؤلاء الذين حضروا إلى هذه الندوة، وتم الاستماع إلى مقترحاتهم ووجهات نظرهم حول ترقية واقع الشباب المخيمات، لا يعيشون في المخيمات، وإنما جاؤوا على متن طائرات جزائرية. فهم لم يأتوا من المخيم ولا علاقة لهم بواقع شبابه، الذي يموت يوميا في سبيل تأمين لقمة عيشه تحت سيادة دولة يفترض أنها بترولية. هؤلاء الغرباء عن المخيمات يشكلون المجموعة نفسها التي يتم تقديمها للمبعوثين الدوليين وبعض المتعاونين في المجال الإنساني، على أنهم عينة حقيقية من شباب المخيمات الخمسة التي تقبع تحت أحزمة رملية يحيط بها الجيش الجزائري من كل الجوانب.
الشباب في المخيمات يغلب عليه اليأس، وهو مشتت بين تاجر مخدرات ومهرب محروقات وعضو في تنظيمات جهادية، في منطقة الساحل والصحراء، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. فمعظم التقارير الإعلامية والاستخباراتية القادمة من مناطق شمال مالي والنيجر وغربي تشاد، تؤكد وجود أطر مهمة تدربت في مخيمات تندوف ثم التحقت بتلك الجماعات، وقد يكون العذر موجودا لمجموعات الشباب تلك، التي اختارت جحيم الجماعات المتطرفة على “نعيم الجزائر في تندوف”، الذي يتجسد، يوميا، في حرق الشباب في حفر التنقيب عن الذهب أو اصطيادهم كأرانب في حمادة تندوف، أو الحكم عليهم بسنوات طويلة من السجن، لمجرد أنهم أرادوا أن يعبروا بلترات قليلة من زيت المائدة نحو شمال موريتانيا علهم يجدون بذلك ما يؤمنون به لقمة عيشهم.
فـ “بوليساريو” لم تمنح الصحراويين، خصوصا فئة الشباب في المخيمات، إلا مزيدا من اليأس على مر السنوات، والعجيب أن قيادة الرابوني، المشلولة والمنفصلة عن واقعها، عندما تمسك ميكروفونات الإعلام تؤكد أنها تجسد تطلعات الشباب، وأنها تتعرض لضغط رهيب من قبلهم لأجل العودة إلى ما تسميه كفاحا مسلحا، بعدما هربت أبناءها نحو الخارج، لتدفع بأبناء الصحراويات ليقعوا، للأسف، تحت إحداثيات الطائرات المسيرة المغربية، خدمة لأهداف جزائرية، بعيدة كل البعد عما يريده الصحراويون.
لم يكن الشباب داخل المخيمات محل اهتمام قيادة “بوليساريو”، ولا حتى الأجهزة الأمنية الجزائرية. فالمخيمات تقع على مقربة من منطقة “غار جبيلات” الغنية بالحديد، وبعض المناطق الغنية بالذهب، إلا أن السلطات الجزائرية لم تسمح للصحراويين، على مدى 50 سنة، من وجودهم فوق أراضيها، بالعمل بطريقة شرعية، بل إنها تصدر توصيات، بين الفينة والأخرى، تمنع الصحراويين، دون غيرهم، من العمل في الأسواق الجزائرية، ما يجبر العديد من الشباب على امتهان التهريب على طول الحدود الجزائرية الموريتانية. فكل الجنسيات الموجودة على التراب الجزائري يحق لها استصدار تصاريح عمل إلا الصحراويين، فلا يحق لهم سوى التهريب، لتجد السلطات الجزائرية مبررا لاغتيالات بين الفينة والأخرى.
هذه الندوة، التي صرفت عليها مبالغ هائلة من الخزينة العمومية الجزائرية، سلطت الضوء على مسألة مهمة في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وهي غياب أي سياسة جزائرية لاحتواء الشباب داخل المعسكرات، فكل العالم يشاهد، بأم عينه، الاغتيالات اليومية في حقهم، والتشريد والتعذيب، وسنوات السجن الطويلة، التي عودت الجزائر الصحراويين عليها، منذ أن هربتهم إلى أراضيها، كما كشفت عن نوعية الشباب الذي يتم تقديمه للعالم على أنه نموذج حي لمن يعيشون في المخيمات، فأبناء القيادات والمسؤولين الأمنيين هم من يسمون شباب “بوليساريو”، وهم من تريد لهم الجزائر أن يظهروا على الشاشة، دون غيرهم ،في محاولة لإخفاء الحقيقة التي لا غبار عليها، ألا وهي أن شباب المخيمات بات المعين الذي لا ينضب والشريان الحي لتغذية التطرف في شمال إفريقيا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى