fbpx
حوادث

دراسة في القانون – المفــتـشــيـة تـحـــت المـــجـــهــر

يقصد بتفتيش المحاكم بصفة خاصة، تقييم تسييرها وكذا تسيير المصالح التابعة لها والتنظيمات المستعملة وكيفية تأدية موظفيها من قضاة وكتاب الضبط لعملهم،
ولتحقيق هذه الغاية فقد منح المشرع لوزير العدل تعيين قاض أو عدة قضاة من محكمة النقض أو ممن يزاولون عملهم بالإدارة المركزية بالوزارة
للقيام بتفتيش المحاكم غير محكمة النقض، كما منحهم سلطة عامة للتحري والبحث واستدعاء القضاة للبحث في وقائع محددة.

التعتيم يطبع أبحاث المفتشية في غياب حقوق الدفاع والتواجهية

إذا كان التفتيش يهدف إلى تقييم تسيير المحاكم والمصالح التابعة لها باعتباره الآلية المعتبرة للرفع من النجاعة القضائية وتجاوز البطء، فإنه يجب ألا يكون مجالا للتدخل في استقلال القضاة وفي مجالات اختصاص المحاكم الأعلى درجة، إذ يجب أن يشمل جوانب الإدارة القضائية ويرصد جميع اختلالاتها لتقويمها والرفع من جودة خدماتها لمرتفقي المحاكم والعدالة، فالغاية من نظام التفتيش في أنظمة التقييم المعاصرة هي تجاوز سلبيات الإدارة القضائية ورصد احتياجات المحاكم والولوجيات والأمن والنظافة بها، وهو بذلك ليس للحلول محل الجمعيات العامة للمحاكم التي يبقى لها وحدها صلاحية توزيع الشعب والغرف على القضاة والمستشارين وتحديد مواعيد انعقاد الجلسات. ورغم أن نشاط المفتشية ظل منذ سنة 1974 بعيدا عن الشفافية، فإن الحراك القضائي الذي عرفه الجسم القضائي بعد تأسيس نادي قضاة المغرب كشف العديد من النواقص القانونية والملاحظات العملية في نشاط المفتشية العامة. فالملاحظة الأولى، تتمثل في عدم خضوع محكمة النقض للتفتيش القضائي، فهذا الأخير في اعتقادي يجب أن يقوم على مبدأ لا أحد فوق التفتيش القضائي، والذي يترتب عليه خضوع جميع المحاكم بغض النظر عن درجاتها وتخصصاتها له، فمحكمة النقض بمقتضى الفصل 13 من ظهير 15 يوليوز 1974 الخاص بالتنظيم القضائي للمملكة تبقى محكمة خارج نظام التفتيش، رغم أنه من شأن إقرار نظام يسمح بتفتيشها وتفتيش مصالحها أن تكون له لا محالة نتائج ايجابية جدا على جودة خدماتها، فلا يجب النظر إلى التفتيش من منطلق السلبية، بل من الرغبة في تطوير الأداء نحو الأفضل .

أما الملاحظة الثانية فهي التي ثم تسجيلها بخصوص الأبحاث التي تتولى المفتشية العامة إنجازها بخصوص وقائع محددة بناء على أمر وزير العدل، والتي اتضح أنه يجب أن تكون منظمة وتضمن بشكل كبير حقوق القضاة خلال هذه المرحلة التمهيدية التي قد تشكل قاعدة بيانات حاسمة للمتابعة التأديبية، ولذلك يجب أن تكون أبحاثا تتسم بالشفافية وتضمن أمامها حقوق الدفاع، خاصة حق المؤازرة من قبل أحد المحامين أو أحد الزملاء أو ممثل الجمعيات المهنية للقضاة .
إن المتتبع لنشاط المفتشية خلال المرحلة الأخيرة، يفاجأ بحجم التعتيم الذي يطبع أبحاثها في غياب حقوق الدفاع والتواجهية، رغم تمسك القضاة أمامها بالضمانات الحقوقية والدستورية، إذ لا يتم تضمين موضوع البحث أو الاستماع في الإشعار الذي يوجه للقضاة، كما يتم استدعاء العديد من القضاة أثناء يوم انعقاد الجلسات، وفي بعض الحالات لا يفصل بين تاريخ الإشعار الشفوي وتاريخ الاستماع آجالا معقولة وكافية لإعداد الوثائق أو حتى أخذ رأي واستشارة أحد الزملاء.
كما أن طلب المؤازرة بأحد المحامين أو الزملاء أو ممثلي الجمعيات المهنية، لا يتم الاستجابة له من طرف المفتشية العامة في حالات عديدة، بعلة عدم وجود نص يبيح ذلك، رغم صراحة الفصل 30 من القانون المنظم لمهنة المحاماة على الأقل، والذي ينص على أن للمحامين حق مؤازرة الأطراف وتمثيلهم أمام الإدارات العمومية.
وفضلا عن ذلك، لا يتم تمكين القضاة أمام المفتشية العامة من أخذ نسخ من الوثائق والتقارير أو حتى مجرد الاطلاع عليها، كما لا يتم تسليم نسخ محاضر الاستماع المنجزة بعد التوقيع عليها من قبلهم، وفي حالة الحفظ يتم الاعتماد على الإشعار الشفوي ليبقى الملف مفتوحا وإمكانية المتابعة التأديبية قائمة في كل وقت وحين. فهل معنى هذا أن الأبحاث التي تتولى المفتشية العامة القيام بها تبقى خارج نطاق الرقابة ؟
لا شك أن المجلس الأعلى للقضاء يبقى المؤسسة الدستورية التي تملك صلاحية وسلطة الرقابة على الأبحاث الإدارية القبلية التي تتولى المفتشية العامة إنجازها وتقدير مدى احترامها للتواجهية وحقوق الدفاع، لأن ذلك لا يجب أن يقتصر على المحاكمة التأديبية أمامه، طبقا للفصل 61 من النظام الأساسي للقضاة، بل يجب في نظري أن يمتد أيضا إلى جميع الإجراءات والأبحاث السابقة لها، وهو الاجتهاد الذي اعتمده المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا في قراره الصادر بتاريخ 11 يوليوز 2013 والذي جاء فيه: “أنه لتقييم مدى احترام حقوق الدفاع ومبدأ التواجهية لا يتعين الاستناد فقط على الحقوق الممنوحة للقاضي المتابع بعد الإحالة على المجلس الأعلى للقضاء ولكن أيضا –واعتبارا لدوره المحدد في جمع العناصر الواقعية الكفيلة بتبرير المتابعة التأديبية – الاستناد على الشروط التي تدير في إطارها المفتشية العامة للمصالح القضائية الاستماع إلى القاضي أثناء البحث الإداري الذي تباشره”.
والملاحظة الثالثة ترتبط بشفافية نشاط المفتشية العامة بخصوص الأبحاث التي تباشرها والتقارير التي تنجزها، وهو ما يستلزم نشر تقرير سنوي حول مختلف جوانب نشاطها في إطار حق المواطن في المعلومة ولحساسية مجال اشتغالها الذي يلتقي في جوانب عديدة منه باستقلال القضاة واختصاص الجمعيات العامة. وبالإطلاع على آخر تقرير منشور بموقع وزارة العدل والحريات، يتضح أنه غير محين ويعود لسنة 2011 كما أنه يتسم بالعمومية ويتضمن معطيات احصائية لا تبرز المؤشرات السلبية والايجابية لنشاط المحاكم وهو ما يجب تنظيمه في القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي لم تتناول مسودة مشروعه الأخيرة جوانب مهمة من نشاط مفتشية العامة للشؤون القضائية، خاصة ما يتعلق بحقوق الدفاع و شفافية الأبحاث، إذ لا يكفي أن تصبح المفتشية العامة للشؤون القضائية تابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بل يجب أن تكون إطارا يسهم في تكريس الضمانات الدستورية الممنوحة للقضاة.

*رئيس نادي قضاة المغرب

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى