fbpx
وطنية

الحجاج الدستوري في “مذكرة ملاحظات بيجيدي”

فريق العدالة والتنمية استند في مذكرته أمام المحكمة الدستورية على الخطابات الملكية والاتفاقيات الدولية

(الحلقة السابعة)

بقلم: صلاح الدين الشنكيطي(*)

لن أعود في هذه الحلقة إلى مناقشة الدفوعات الدستورية لفريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، فهذا كان موضوع جزء كبير من الحلقات السابقة التي خصصناها للانتهاء إلى دستورية الطريقة الجديدة لاحتساب القاسم الانتخابي، على أساس “عدد المقيدين” في اللوائح الانتخابية، وسنقصر الحديث، في هذه الحلقة، على مرجعيتين خاصتين اعتمدتهما “مذكرة الملاحظات” الصادرة عن الفريق المعني، والتي ستكون محور مناقشتنا، وهي: الخطابات الملكية، والمعاهدات الدولية:

الخطابات الملكية
اختلف الدارسون للتاريخ السياسي والدستوري المغربي، في حقبة ماضية، عن القيمة القانونية للخطابات الملكية، وهل هي منشئة لقواعد قانونية ملزمة الاتباع، كان ذلك مباشرة بعد اعتماد القضاء على خطابات ملكية إما لحل الحزب الشيوعي المغربي، أو لمحاكمة “جماعة البهائيين”، لكن ذلك زمن وهذا آخر، كما يقال، فمصادر القواعد القانونية ودرجتها وتراتبيتها، أصبحت محسومة لا سيما وفق أحكام الدستور الجديد. لكن، ما تضمنته مذكرة الملاحظات، المعنية بهذا المقال، ستعيد النقاش لا ريب في الموضوع، لا سيما كيفية تعامل المحكمة الدستورية مع هذه المرجعية التي تحفل بها المذكرة، التي أشارت إلى الخطابات الملكية في أربع مناسبات، إما للتأكيد على التأويل الديمقراطي للدستور، وأن “أي تأويل مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا، ملكا وشعبا” (الصفحة 4)، أو أن البرلمان “…معبر عن الإرادة الشعبية الحرة” (الصفحة 6)، أو لتفسير أهمية التصويت الحر (الصفحة 7).
فكيف يمكن أن تستجيب المحكمة الدستورية في قرارها في الموضوع، لهذا النوع من الملاحظات؟ وكيف ستشير المحكمة في بناءاتها إلى مرجعية الخطابات، التي بالتأكيد ليست هي النصوص المعنية ببناء الحيثيات وإصدار القرار؟ ثم لماذا الإصرار على تذكير المحكمة بهذه المرجعية؟ هل للقول بأنها ليست حاميا للدستور، باعتبار هذه الوظيفة مخولة لجلالة الملك طبقا للفصل 42 من الدستور؟ وهل صلاحية مراقبة دستورية القوانين الممنوحة للمحكمة الدستورية لا يجب أن تتعارض مع وظيفة أسمى مخولة للملك باعتباره رئيسا للدولة؟
وإذا افترضنا جدلا، أن التأويل والسياق الذي وظفت فيه الخطابات الملكية سليم من زاوية تأويل الدستور؟ فلماذا نطالب المحكمة، باعتبارها هيأة قضائية، تحتكم إلى الدستور لا غير، أن تدخل ضمن مرجعياتها، مرجعية الخطابات الملكية التي ليس هناك اتفاق على أنها جزء من البناء القانوني، وبالأصح جزء من الكتلة الدستورية التي تهم، في نهاية المطاف، القاضي الدستوري؟
أم أن الأمر، لا تحركه الأسباب المشار إليها، وإنما رغبة في نقل تفكير المحكمة الدستورية من الدستور إلى واجهة سياسية، تعمل المحكمة جاهدة عن الابتعاد عنها، كلما تمسكت أكثر بالتعليل وبأحكام الدستور؟…إن هذه الأسئلة تدعو الباحثين إلى الاهتمام بهذه النقطة، والمتمثلة في الإصرار على جعل النقاش داخل المحكمة الدستورية ليس نقاشا دستوريا، عبر إقحامها في قراءات سياسية للموضوع المعروض عليها، وإن تطلب الأمر إقحام المؤسسة الملكية، عبر خطاباتها، في الموضوع، رغم أن سياق إنتاج الخطاب، وأفكاره وتوقيته لا يسعف، إلا تطويعا وتعسفا وليا، لإعادة توظيفه في السياق المرغوب استعماله فيه.

المعاهدات الدولية
فمذكرة الملاحظات المعنية، تشير إلى أن الطريقة الجديدة لاحتساب القاسم الانتخابي “تمس بالتزامات المغرب الدولية”، وتوضح ذلك عبر الإشارة إلى المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الجمعية العمومية بقرارها 2200 بتاريخ 16 ديسمبر 1966.
وجود مس من عدمه، هذا متروك لقرار المحكمة الدستورية في الموضوع، ولن يكون موضوعنا، وما سنقتصر على مقاربته، هو هل صحيح أن المعاهدات الدولية، هي جزء من الكتلة الدستورية في التجربة المغربية؟ هذه النقطة القانونية، سبق لعديد من الباحثين ان تعرضوا لها، وكلهم أجمعوا على عدم صواب اللجوء إلى المعاهدات الدولية لتقرير دستورية قوانين وطنية (الأساتذة محمد أمين بنعبد الله، عبد الرحيم منار اسليمي، يحيى الحلوي)، خصوصا وان الدستور لم يكن واضحا بخصوص علاقة المعاهدات بالقانون (العادي)، وان اعتبار المعاهدات جزء من الكتلة الدستورية، يعني أنها جزء من الدستور، في حين انه يصرح، في أحكامه وبشروط، أنها جزء من القانون، وهذا الارتباك ساهمت المحكمة الدستورية في قيامه من خلال قراريها الآتيين:
< القرار الأول، حين ذهبت إلى أن المراقبة الدستورية، تشمل انسجام النص المعروض مع إعلانات ليس لها قيمة معيارية، بالقول " حيث إن ما هو مطلوب  بالأساس في مسطرة تعيين أعضاء هيآت حماية حقوق الإنسان و النهوض بها هو احترامها للضمانات الضرورية من أجل مساهمة مختلف الفاعلين المؤسساتيين وغيرهم في عمل مثل هذه الهيآت، وذلك من أجل تكريس التنوع والتعددية والديمقراطية التي أصبحت مبدأ دستوريا يجب مراعاته في مثل هذه المؤسسات، انسجاما مع ما أقرته مبادئ باريس المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 دجنبر 1993". (قرار رقم 17/40 بتاريخ 20 سبتمبر 2017)
< القرار الثاني، والذي ذهبت فيه بعيدا، حين جعلت تفسير الدستور يتم في ضوء اتفاقية دولية، بقولها "وحيث إنه، لا ينال مما تقدم، ما دفعت به الجهة المحيلة من "انصراف دلالة ومجال الضمان الاجتماعي حصرا إلى العلاقات الشغلية دون سواها"، ذلك أنه يترتب عن إعمال التأويل النسقي لاختصاص القانون بالتشريع في ميدان "الضمان الاجتماعي" المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 71 من الدستور، في ترابط، من جهة، مع أحكام الفصل 31 منه، الذي يجعل من تيسير أسباب الاستفادة على قدم المساواة من الحق في الحماية الاجتماعية، أمرا يهم سائر المواطنات والمواطنين، دون قصر ذلك على مستخدمي القطاع الخاص وحدهم، ومن جهة أخرى، مع أحكام الفقرة الثانية من الفصل 32 من الدستور، التي نصت على عمل الدولة "على ضمان الحماية… الاجتماعية… للأسرة، بمقتضى القانون"، إمكانية شمول مجال التشريع في ميدان الضمان الاجتماعي لأشخاص من غير المستخدمين في القطاع الخاص، ومن غير المزاولين لنشاط مهني مأجور، وهو التفسير المنسجم، فضلا عما تم الاستدلال به أعلاه، مع مضمون اتفاقية منظمة العمل الدولية، رقم 102، بشأن "المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي" التي تعتبر المملكة المغربية طرفا فيها". (قرار رقم 21/115 بتاريخ 11 مارس 2021)
هاتان السابقتان، ستشجعان الجميع، نحو طلب أن يتم تفسير الدستور من خلال مرجعية لم تكن حاضرة أثناء كتابته، بل إن العديد من أحكام الدستور تحمل نفحات للخصوصية، وتحفظات عديدة على القانون الدولي، فهل المحكمة الدستورية تعي نتائج ما قامت به، أم أن ضعف حجتها الدستورية، وعدم قدرتها على الإبداع، جعلها تستنجد بالجهاز في القانون الدولي، وإن في توظيف غير سليم ولا مناسب، ولماذا تذعن في اختيار اتفق الدستوريون المغاربة بخصوصه على موقف الرفض المستند إلى حجج من الدستور نفسه… وهل المحكمة ستنتهي بإصرارها على هذا، على جعل المعاهدات أسمى من الدستور، وأسمى من سلطته التأسيسية وأسمى من صوت الشعب الذي استفتي فيه؟
وفي الختم، هل ستكون للمحكمة الدستورية، الجرأة، ما دامت المناسبة متوفرة لحسم علاقة الخطابات الملكية بالكتلة الدستورية؟ وإخراج المعاهدات الدولية من الكتلة الدستورية، وتجاوز القرارات المتذبذبة في الموضوع..
(*) باحث في علم السياسة
والقانون الدستوري
كلية الحقوق عين الشق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى