دوليات

“الإخوان” والساعة والبركان

عمليات “الأخونة” ستقود إلى صدام في الشارع لاسترجاع الثورة من سارقيها

من حق الرئيس محمد مرسي أن يقول إنه أول رئيس مدني منتخب في مصر، وإنه دخل القصر بتفويض من الناخبين لا على ظهر دبابة، وإن زعماء المعارضة باستثناء منافسه أحمد شفيق، اعترفوا بشرعيته ونزاهة الانتخابات، وإن محمد البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي زاروه في قصر الاتحادية، وإن العالم اعترف بشرعيته واستقبله رئيساً، ومن حقه أن يقول إن المصريين فوَّضوه لولاية كاملة لا يصح اختصارها تحت ضغط الشارع… من حقه أن يقول كل ذلك لكن من واجبه الالتفات إلى ساعته.
يستطيع محمد مرسي أن يقول إنه ليس رئيساً معزولاً، وإن الجماعة التي وَفَدَ منها عميقة الجذور في المجتمع المصري، وإن الإسلاميين لن يقبلوا بخلع أول رئيس إسلامي في مصر، وإنه قادر على تنظيم مليونيات موالية في مواجهة المليونيات المعارضة، وإنه قادر على تكليف شباب “الإخوان” حماية القصر إذا تردد الجيش في حمايته… وعلى رغم ذلك، من واجب الرئيس الالتفات إلى ساعته.
في المقابل، لا يستطيع الرئيس اتهام من احتشدوا أول أمس (الأحد) في ميدان التحرير وأمام قصره بأنهم مجرد فلول وبلطجية يحنون إلى العهد البائد. استهلكت هذه اللعبة من فرط ما استخدمت. ولا يستطيع القول إن ملايين الموقِعين على عريضة “تمرد” هم من الليبراليين الضالعين في مؤامرة صهيو – أمريكية لإحباط مشروع النهضة الذي حمله معه إلى القصر.
لا يستطيع الرئيس إنكار أن السنة الأولى من عهده تميزت باضطراب مريع وعمقت الانقسام في الشارع وخيبت آمال من اقترعوا له من خارج تياره خوفاً من أن يؤدي فوز شفيق إلى ترميم النظام البائد. لا يستطيع الرئيس أيضاً إنكار ما تقوله الأرقام عن تدهور الاقتصاد وتزايد البطالة والفقر وتدهور الخدمات والأمن. لا يستطيع أيضاً إنكار تزايد الاعتقاد أن السنة الأولى من عهد الجماعة في الحكم كشفت الافتقار إلى الخبرة والكادرات المؤهلة والقدرة على إدارة الدولة بمنطق الدولة.
قبل أسبوعين دفعتني الحشرية الصحافية إلى زيارة مصر، خفت أن أكتب عن المعركة الكبرى الدائرة فيها من بعيد، وهي معركة تعني “الإخوان” في مصر وفي كل مكان، وتعني الإسلام السياسي ونتائج “الربيع العربي”. التقيت قادة من المعارضة و “الإخوان”، والتقيت إعلاميين ومواطنين عاديين توهموا أن الثورة ستفتح أبواب الأمل، وستجعل الخبز أقل صعوبة، وستعيد إلى مصر رسوخها في هويتها وروحها ودورها.
عشية مغادرتي القاهرة انتابني خوف شديد من الأيام الآتية، شعرت أن ملايين المصريين يعيشون خوفا عميقا وقلقا غير مسبوق وغضبا يتحفز للتعبير عن نفسه، هذا خائف من إفلاس مصر، وهذا خائف من التلاعب بروح مصر، وثالث يقول إن نظام “الإخوان” هو نفسه نظام مبارك لكن بسحنة إسلامية، ورابع يقول إن الدولة تتآكل، وإن عمليات “الأخونة” ستقود إلى صدام في الشارع لاسترجاع الثورة من الذين سرقوها، وخامس يقول إن على الجيش أن يتحرك قبل انفجار البركان.
شعرت أيضا أن حسني مبارك فاجأ المصريين بسقوطه السريع، وأن القوى السياسية لم تتوقع ذلك ولم تستعد، وأن المجلس العسكري تصرف كمن يقلب الجمر بين يديه ويرغب في التخلص منه، لهذا تسرع وأخطأ، وأن “الإخوان” ارتكبوا بخوضهم انتخابات الرئاسة مجازفة كبرى لا تضحية كبرى. وعلمت أن غلبة الراغبين في الانقضاض على الوليمة تمت بحفنة أصوات يتبين اليوم أنها أدت إلى مجازفة “الإخوان”  برصيدهم وبمصر أيضا.
أخطأ مرسي في قراءة رسائل الثورة، وفي حدود التفويض. تراكمت الأخطاء بفعل أسلوب التعامل مع الدستور والقضاء وإدارة الدولة والتعامل مع روح مصر ومكونات هويتها. تراكم الأخطاء أيقظ جمر الثورة، وأنهار الجمر تنذر بتحرك البركان. بكَّر “الإخوان” في دخول القصر، وساهم تسرعهم في استدعاء البركان. يصعب توقع انحناء “الإخوان” أمام احتجاجات “تمرد”، لكن الأكيد أن إقامة مرسي في القصر ستكون مضنية للجماعة والبلاد، فلا شيء أسوأ من الإقامة على أطراف البركان.

بقلم غسان شربل: صحافي وكاتب لبناني
نقلا عن الحياة اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق