fbpx
وطنية

القاسم الانتخابي… النقاش الكبير المغيب

الصيغة الجديدة ستبين الفرق الشاسع بين عدد المصوتين وعدد المقيدين وعدد المالكين للحق في ممارسة حق الترشح والانتخاب

(الحلقة السادسة)

بقلم: صلاح الدين الشنكيطي(*)

تأمل هذه الحلقة من المقالات المتعلقة بالقاعدة الجديدة لاحتساب القاسم الانتخابي، تسليط الضوء، على جزئية ظلت مغيبة في النقاش العمومي المواكب لهذا المستجد، في انتظار صدور قرار للمحكمة الدستورية في الموضوع، وهي الغاية المرجوة من اعتماد هذه الصيغة المبررة لتدخل المشرع لإعادة النظر فيها، فالكتابات حول الموضوع، لا سيما المعارضة له، لا تولي أهمية للتوقف عند مدى صلابة الحجج التي يقدمها مناصرو تغيير القاسم الانتخابي، والتي يمكن أن نجملها في الآتي:
< إن هذه الطريقة ترمي إلى أن يصبح رهان المشاركة رهانا للأحزاب السياسية، فهذه الأخيرة ظلت لسنوات تعتبر أن ربح رهان المشاركة شأن "الدولة"، لكن ما هي الدولة، وأين تتجسد؟؟؟…وتترك وظيفة التحسيس بأهمية البناء المؤسساتي التمثيلي للوصلات الإشهارية البسيطة، ولإشراف من وزارة الداخلية.
فالقاسم الانتخابي، بما له من نتائج، وأساسا من منطلقات، يعيد النظر في هذه المسلمة، ويطلب من الأحزاب أن تعتني بإشكال المشاركة، نسبتها، نوعيتها…ضمن برامجها وخطط عملها، فالأحزاب السياسية أصبحت مكانتها تتحدد انطلاقا من مدى قدرتها على تعبئة المنطوين والرافضين واللامبالين بالعملية الانتخابية، والمنتقدين لنتائجها وللسياسات العمومية الناتجة عنها، هذه الواجهة الجديدة للعمل تسائل الأحزاب، في مدى قدرتها، وجاهزيتها لعمل لم تكن تقوم به في الماضي، لكنه أصبح محددا اليوم وغدا؛
< إن الصيغة الجديدة لاعتماد القاسم الانتخابي، ستبين الفرق الكبير بين عدد المصوتين وعدد المقيدين وعدد المالكين للحق في ممارسة حق الترشح والانتخاب، وسيسلط الضوء على أرقام حقيقية مقلقة، تقتضي تقديم أجوبة جديدة مستعجلة لرأب هذه الفجوة العميقة بين الأرقام المشار إليها، فرهان الديمقراطية والمشروع الديمقراطي، لن يبنى إلا في حالة تملك المواطنين، وفي هذه الحالة الناخبون، لهذا المشروع وللبناء المؤسساتي المنشود، وهو ما لن يتأتى إلا بتقارب الأرقام، وبتقليص الفجوة بين مالكي الحق وممارسيه فعليا. إن هذا المطلب، سيتحقق ليس فقط بعمل جاد للأحزاب السياسية، بل أيضا بتنامي الوعي بأهمية صوت المواطنين ورد الاعتبار لمكانته، فالصيغة الجديدة لاعتماد القاسم الانتخابي، ترسي مقومات إعادة الاعتبار، عبر جعل التمثيل، حجم الأحزاب، درجة حضورها، قياس مدى تجذرها، يُقاس ويحتسب انطلاقا من رقم موضوعي قار يعرفه الجميع قبل الشروع في الاقتراع، وهو رقم "عدد المقيدين في اللوائح الانتخابية".
< إن أطروحة "المغرب الممكن"، المنشود المتوافق على أسسه وملامحه ومشروعه، هو المغرب الذي يجد فيه الجميع مكانة فيه، مكانة موضوعية، غير مفترضة أو متضخمة، إنه مغرب الجميع الذي يتسع للجميع، هذا التوصيف يقوم على المحافظة على قيمة "التعددية"، تعددية الآراء، المرجعيات، المشاريع، التي تنهل من المشترك ومن الثوابت الجامعة، المكرسة دستوريا، وهذه التعددية لا بد لها من أدوات قانونية تشجع قيامها، وتأبيدها، لا أن تنزع وهجها، وتقيم نقيضا لها.
< إن التعددية، في أبعادها المتعددة، هي الخيار الذي ينشد القاسم الانتخابي الجديد خدمته، عبر تمكين التعددية السياسية والحزبية من البقاء، وامتداد هذه التعددية إلى البرلمان باعتباره مؤسسة للتمثيل، بما يسمح من استعادة دوره للنقاش والصراع البناء الذي يدار في فضاءات غير مؤسساتية ومن قبل فاعلين غير حزبيين ولا نقابيين؛
< إن احتساب القاسم الانتخابي الجديد، سيقطع مع ظاهرة "تضييع" الأصوات الصحيحة، التي كان مآلها سلة المهملات، بمبررات العتبة، وعدم الوصول إلى سقف القاسم الانتخابي أو أكبر البقايا، هذا "التضييع" جعل المصوتين، في الرتبة نفسها من المقاطعين، وجعل اللوائح التي يصوت عليها لا تستفيد من القاعدة التي بني عليها التمثيل النسبي وهي الترجمة التناسبية للأصوات المحصل عليها في مقاعد تمثيلية، مما جعل العزوف يولد ليس من موقف قبلي من الانتخابات وجدواها، ولكن من كون هذا النظام يقدم مزايا عديدة لما يسمى "بالأحزاب الكبيرة"، ويرسي "ديكتاتورية القانون" التي تحابي البعض دون الآخر، في ضرب لفكرة المساواة، وهو ما يجعل من إيجابيات هذا التعديل المدخل على القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، أنه سيعيد النظر في حجم الأصوات الضائعة، الأصوات التي لا تدخل في غمار المنافسة، الأصوات التي لا تترجم إلى مقاعد، ولا تترجم بالتالي إلى تمثيل…
< إن الرهانات التي يحملها هذا التجديد، ستؤدي إلى تواري وزارة الداخلية، إلى مجرد جهاز إداري مشرف على "الإدارة الانتخابية"، تاركا مجالا أوسع لعمل الأحزاب السياسية، ولتأطير المواطنين وتعبئة الجميع لربح رهان المشاركة، إن الأحزاب عليها أن تعيد ملء المجالات التي فتحها، هذا الخيار التشريعي الجديد، دون أن تعول على جهة أخرى، لكي تقوم بعملها أو أن تدفع عنها مسؤوليتها في الموضوع. إن مجال الانتخابات أضحى مجالا مفتوحا لها ولعملها ولمكانتها.
إن ملامح التغيير المنشودة، التي عرضناها سلفا، هي التي تبرر اقتناعنا بجدوى إعماله، وبأن أثره سيكون محددا للوصول إلى الغايات الدستورية والسياسية التي كانت من وراء اعتماده، لأن منطلقه كما غايته هو إرجاع الثقة في العمل السياسي وفي الأحزاب السياسية ودورها، وفي قيمة المشاركة السياسية…إنها في نهاية المطاف العودة إلى جوهر الديمقراطية وإلى معدنها الخالص المصقول بالتجارب الإنسانية الكونية، والتي تم اختزالها مع الأسف في تجربتنا الانتخابية في لغة الرقم والاستقواء بالعدد، ورفض الآخرين وإرساء أوهام تمثيل الشعب والحزب القوي…
باحث في صف الدكتوراه –علم السياسة
والقانون الدستوري-
كلية الحسن الثاني-عين الشق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى