fbpx
منبر

الهوامل والشوامل: تقديس صناديق الاقتراع!

نشهد ظاهرةً لافتة في حياتنا السياسية، منذ بدأ مسلسل ما يُسمَّى “الربيع العربي”، هي ظاهرة تجدُّد (النزعة) الشعبوية في صورةٍ، ونسخةٍ، جديدة منها هي: تقديس صناديق الاقتراع. لِنَقُل إنها الموجة الثانية من الشعبوية في بلادنا العربية، الموجة التي يركبُها فريق سياسيٌّ معلوم، ذو نفوذٍ في أيامنا هذه ، لم يكن شريكاً في الموجة الشعبوية الأولى التي شهدتها هذه البلاد بين خمسينيات القرن العشرين الماضي وسبعينياته. وفي الظن أن وطأة هذا الجيل الثاني من الشعبوية أخطر من جيلها الأوّل لأنها شعبوية تُرَكِّب لاشتغالها بطّاريةً “ديمقراطية”، فتتلطى بشرعيةٍ يقابلها العالمُ المعاصر بشعور القَبول والرضا، ويستدخلُها ضمن منظومة قيمه السياسية التي هي غير منظومة القيم السياسية التي انتعشت فيها شعبوية الأمس.
الشعبوية، تعريفاً، هي نزعة تقديس الشعب، والنظر إليه نظرة خلاصية بما هو ميزان الحقيقة ومستودعها. نعرف أن المثقفين والسياسيين الكبار، في تاريخنا الحديث والمعاصر، انتقدوا هذه النزعة بشدّة، وعَدُّوها هدامةً للسياة ولفكرة التغيير الثوري، ونعرف أن رجلاً من طراز لينين دشَّن عهده السياسي والثوري، في نهاية القرن التاسع عشر، بمساجلة الشعبويين الروس في كتابه الأول الشهير “مَن هُمْ أصدقاء الشعب” (1896)، كما نعرف أن هذه النزعة لم تكن مرضاً خاصّاً بالمجتمعات التي حكمتها نظمٌ شيوعية ـ ستالينية أو ماوية ـ فحسب، بل أصيبت بها المجتمعات الغرْبية التي حكمتها نُظمٌ نازية وفاشية. والمهم في الموضوع أن الشعبوية تستسهل السياسةَ والتغيير السياسي حين تُعَطّل فعالية الوعي، ودور عوامل الثقافة والفكر في ذلك التغيير، موكِلَةً الأمرَ كلَّه إلى “الشعب” بوصفه – على زعم الشعبويين – مالِكاً للحقيقة! وإذا ما تركنا جانباً ضبابية مفهوم الشعب والتباساته، في وعي الشعبويين، ومكانته غير المتعيّنة من أي تحليلٍ اجتماعي – سياسي لعلاقات الإنتاج الاجتماعية، فإننا نجد في توسُّل مفهوم الشعب لَوْذاً بمُطْلقٍ من المطلقات، وبكلّيةٍ من الكليات السياسية المغلقة التي يَمنَع المفهومُ من تبيُّن ما بداخلها من تناقضات وتبايُنات غير قابلة للجمع أو الإخفاء. وهذا ما دعانا، في مناسبة سابقة، إلى حسبان الشعبوية محاولة بائسة لتأسيس “ميتافيزيقيا سياسية” جديدة!
على أن أخطر ما حملتْه الشعبوية أنها تحوّلت إلى غطاء إيديولوجي للنظم التسلطية والديكتاتورية في العالم المعاصر، في الشرق والغرب على السواء، إذ باسم الشعب وإرادته العليا حصلت فداحات، وانتُهِكت حقوق، وسالت دماء، وباسم الشعب جرى احتكار السلطة من قبل فريقٍ واحدٍ في المجتمع تنزَّل – أو نزَّل نفسه – منزلة الناطق الأوحد باسم إرادة الشعب. وإذا كانت الدولة الثيوقراطية قد حكمت في القرون الوسطى، وفرضت إرهابها ومشانقها، باسم “الحق الإلهي” Droit Divin، فإن نظائرها المعاصرة لم تفعل سوى أنها أحلَّت الشعب محلّ السماء كمصدر لشرعية سلطتها لتعيد إنتاج النظام الاستبدادي عيْنِهِ! ولتسوِّغ سلطانَ “إكليروس سياسي” جديد قام فيه الحزبُ الواحد مقامَ الكنيسة، وكان له – هو أيضاً – بَابَوَاتُه وكرادلتُه ومطارنتُه من الإيديولوجيين!
تتمثل النسخة الجديدة – الراهنة – من الشعبوية في تقديس صناديق الاقتراع، بما هو صيغة أخرى لنزعة تقديس الشعب، فالشعب هو المعيار وفيْصل التفرقة، وما يقوله، ما يختاره، ما يقرّره، ليس محلَّ جدل أو اعتراض. شاءت الليبرالية السياسية أن يصبح الشعب بديلاً من غيره في التأسيس لشرعية السلطة، وأن ترفع رأيه إلى مرتبة العِصمة (الشعب، هنا، يقوم مقام الإكليروس في الدولة الثيوقراطية)! ولكن بينما يلحظ نظامُ الليبرالية السياسية مكاناً للنقد والمعارضة ومخالفة الرأي العام السائد، من دون حسبان ذلك انتهاكاً للإرادة العامّة، يكتفي “أتباعُها” في بلادنا العربية – وقد انضمَّ الإسلاميون إلى جمْعهم – بحسبان الاعتراض على الإرادة السائدة اعتراضاً على إرادة الشعب، واختياره، وانشقاقاً أو خروجاً عن الجامعة! فيتحول المعارِض إلى معادٍ للديمقراطية، ومن دون أن يقول مَن يتهمونه بذلك إن الديمقراطية شيء والليبرالية السياسية شيء آخر، ومن دون أن يقرّروا أن الديمقراطية لا تخرج – بالضرورة – من صناديق الاقتراع، كما تُعَلِّمنا التجارب السياسية المعاصرة (=النازية والفاشية، مثلاً، خرجتَا من صناديق الاقتراع أيضا)، لأن الشعب ليس معصوماً من الخطإ، وقد يرتكب فداحات في حقّ مصيره، خصوصاً إذا ما ابْتُليَ بالفقر والجهل: وهُمَا معاً يجرّدانه من الإرادة الحُرّة التي هي شرطٌ للمواطنة!
الأغرب في هذا الموضوع أن الذين يمارسون، اليوم، وبحماسة شديدة، هذا الضّرب الجديد من الشعبوية (=تقديس صناديق الاقتراع)، كانوا- إلى عهد قريب – يجادلون في أن يكون الشعب مصدر السلطة، ويتهمون القائل بهذا القول بتهمة العدوان على “حاكمية” الله، وبعضهم كان يحسب المجتمع كافراً لم تَبْلُغْه الدعوة بعد، وينبغي أن يخضع للفتح! فسبحان من حوَّل “المجتمع الكافر” إلى شعب يشكّل مصدر السلطة، وتستثير “إرادتُه الحُرّة” غيرةَ المدافعين عنها في وجه المعارضين!
عبد الإله بلقزيز, مفكر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق