fbpx
ملف عـــــــدالة

الكلاب الشرسة … كل ممنوع “مباح”!

مواطنون ضحايا عدم تفعيل مقتضيات قانونية وسيادة الفوضى

أصبحت موضة الكلاب الشرسة تجتاح شوارع العاصمة الاقتصادية، وعددا من المدن، بل حتى الضواحي والبوادي، وهو ما تسبب في إثارة الذعر في صفوف الأسر، خاصة النساء والأطفال، الذين يتخوفون من تعرضهم للعض من حيوانات يعتبرها أصحابها أليفة، بينما هي تشكل قلقا لمن يعانون فوبيا الكلاب وكذا للنساء الحوامل وكبار السن والأطفال. ويتم استعمال الكلاب الشرسة لتتوافق والديكور الذي يروق أصحابها في العمل المزمع إنجازه، وهي الأفعال التي استنفرت مختلف العناصر الأمنية بعدد من المدن، وتوجت باعتقال أصحابها، باعتبارها أعمالا يجرمها القانون, لأن من شأنها المس بالأمن والنظام العامين، بينما مازالت سلوكات إغراق الأحياء السكنية بالكلاب الشرسة متواصلة دون حسيب ولا رقيب. ورغم صدور قانون ينظم تربية الكلاب ويحمي الأشخاص من أخطارها، فإن الغلبة كانت للفوضى، بعدما أصبح تنفيذ القانون حبرا على ورق.

إنجاز: محمد بها

قوانيـن حبيسـة الرفـوف

القانون 56.12 جاء للحماية من أخطار تربية الكلاب قبل تعطيله بعدم التنفيذ

بعد حوالي ثماني سنوات على صدور القانون المتعلق ب»وقاية الأشخاص وحمايتهم من أخطار الكلاب»، ومصادقة الحكومة على النص التنظيمي المتعلق بتطبيق المادة 2 منه، التي تنص على تحديد لائحة أصناف الكلاب الخطيرة، أصدر وزيرا الداخلية والفلاحة قرارا مشتركا يحدد الكلاب التي يمنع تملكها، إلا أن الأحياء السكنية والشارع العام والفضاءات العامة أصبحت محمية خاصة بالكلاب الشرسة، في تحد للقانون وتهديد للأمن والنظام العامين. وصدر القرار في العدد 6696 بالجريدة الرسمية، وذكر أصناف الكلاب المنتمية لسلالة «ستافور دشاير بول تيريي الأمريكي» المعروفة بكلاب «البيتبول»، وكذا المنتمية إلى سلالة «الماستيف» المعروفة بكلاب «البويربول»، إضافة إلى المنتمية لسلالة «الطوسا».

وحسب القانون 56.12،  يقصد بـ»الكلاب الخطيرة»، «كل الكلاب التي تتميز، بالنظر إلى فصيلتها أو تكوينها المرفولوجي، بشراسة تشكل خطرا على الإنسان».
والقانون ذاته، يمنع «تملك أو حيازة أو حراسة أو بيع أو شراء أو تصدير أو استيراد أو تربية أو ترويض الكلاب الخطيرة»، كما يمنع إبرام أي تصرف يتعلق بها. كما يمنع القانون إجراء أو تنظيم مبارزات للكلاب، ويمنع أيضا إعطاءها مواد منشطة أو مخدرة لتأجيج عدوانيتها وشراستها.
وأفرد هذا القانون الذي صدر في 2013، عقوبات صارمة لكل من «تملك هذه الأصناف من الكلاب، أو حيازتها أو حراستها أو بيعها أو شرائها أو تصديرها أو استيرادها أو تربيتها أو ترويضها أو قام بإبرام أي تصرف يتعلق بها»، بـ»الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة تتراوح بين 5000 درهم و 20000 أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط».
ونص القانون أيضا على معاقبة كل شخص تسبب كلب يوجد تحت حراسته أو في حيازته نتيجة إهماله أو تقصيره٬ في إحداث عاهة مستديمة بـ”الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة مالية من 1200 إلى 10 آلاف درهم،  وتتضاعف العقوبة في حالة تسبب الكلب في موت ضحيته، بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 1200 إلى 10 آلاف درهم، ويعد هذا القانون حماية للمواطنين من أخطار تربية الكلاب خاصة الشرسة، إلا أن عدم تفعيله على أرض الواقع وما صاحبه من مشاكل ومواجهات بين الجيران وحوادث مأساوية، أكد بالملموس أن ما حمله من مضامين متقدمة لا يعتد بها مادامت حبيسة الرفوف.

“سيبة” وتحرش وإرهاب

أضحت ظاهرة التباهي بالكلاب الشرسة سلوكا يوميا لا محيد عنه، من قبل مجموعة من المراهقين والرجال والنساء وكذا منحرفين حولوا الأحياء السكنية إلى محميات خاصة بهم، دون التفكير في الرعب الذي يثيرونه يوميا في نفوس جيرانهم والمارة من النساء والأطفال وكبار السن والمرضى بالقلب, دون نسيان من يعانون “فوبيا الكلاب” نساء ورجالا.
ورغم حوادث العض التي تعرض لها عدد كبير من المارة والجيران من بينها ما تحول إلى عاهة مستديمة، فإن مربي الكلب الشرسة يواصلون تحدي القانون والتجول بها في الشوارع والأزقة والعمارات السكنية دون تقييدها أو وضع كمامة لحماية المواطنين، بعد أن أصبحوا مطمئنين أن تنفيذ القانون من قبل الدوريات الأمنية والسلطات المختصة يظل حبرا على ورق.
ودون الحديث عما يسببه مربو الكلاب من حوادث، فإن الضرر النفسي الذي يسببونه للأطفال والنساء وللمارة، يظل اكبر “إرهاب يومي” يمارس على مرأى ومسمع السلطات التي لا تحرك ساكنا إلا عندما يتعلق الأمر بضبط مجرم في حالة تلبس بحيازة كلب شرس ، فالإجراءات الاستباقية تظل غائبة إن لم نقل منعدمة.

ومن العلل التي يتحجج بها مربو الكلاب في شرعنة فوضى إطلاقها تتجول في الشارع العام، أنه لا خوف على المارة ولا هم يحزنون، لأنها مدربة، بالقول “ماتخفاش غير دوز راه مدريسي مزيان”، رغم أنهم أجهزوا على حق المارة والجيران في التحرك بحرية، فكيف يمكن لعاقل تقبل فرار رجل وسلوكه طريقا آخر طويل المسافة حتى لا يلحق به الكلب الذي يلعب رفقة صاحبه، وصراخ نساء وشابات يتحرش بهن بالكلاب، وبكاء أطفال وتوسلات أمهات وشيوخ لصاحب الكلب الشرس أن يقيده, حتى يمكن لهم الخروج من منازلهم أو للوصول إلى وجهتهم.
وليس هذا فحسب، إذ أصبحت الاستعانة بالكلاب الشرسة أمرا مسلما به، لتصوير فيديوهات كليب لأغان ولإثراء مشاهد إجرامية وهمية تثير الرعب من قبل ممثلين هواة، بهدف توثيقها في أشرطة فيديو، لنشرها على موقع الفيديوهات الشهير “يوتوب” لتحقيق ” مشاهدات كبيرة تدر عليهم أرباحا مالية.

تقاعس السلطات…

رغم السلوكات المرتبطة بانتشار “موضة تربية الكلاب الشرسة” وسط الأحياء السكنية والشارع العام، والمتمثلة في استعمالها في اللهو مع أبناء الحي وكذا في التحرش بتلميذات المدارس، إضافة إلى اختيار عصابات اللصوص اعتراض سبيل ضحاياها في جميع الأوقات وسرقة ما بحوزتهم، بالاعتماد على كلاب شرسة مدربة، لمحاصرة ضحاياها وشل حركتهم، إلا أن السلطات تقف موقف المتفرج، ولا تتدخل إلا عند وقوع حوادث العض، أو عند استعمالها في جرائم السرقة والمواجهات العنيفة أو محاولات استهداف عناصر الشرطة.
ويمكن للمسؤولين الأمنيين والترابيين مغادرة مكاتبهم، لإلقاء نظرة بالشارع العام وكذا الأحياء الشعبية التي صارت فضاء لتربية الكلاب الشرسة والتباهي بها، بل هناك من “الفتيان” من صاروا يحكمون شوارع وأزقة على مرأى ومسمع السلطات المحلية من مقدمين وشيوخ وقواد, دون أن يفكر أحد في صياغة تقرير حول الظاهرة ورفعه إلى الجهات المختصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

3 أسئلة إلى *سمير عبد الهادي

القانون غير كاف
< لوحظ إقبال العائلات على تربية الكلاب الشرسة والتباهي بها في الشارع . ألا يتعارض ذلك مع القانون 56.12؟
< مبدئيا، فإن المشرع لم يمنع تربية الكلاب بصفة مطلقة، وإنما قيدها بمجموعة من الضوابط والشروط النصوص عليها في كل من القانون رقم 56.12 والمرسوم رقم 2.18.456 الصادر بتاريخ 02 غشت 2018.
ونذكر من هذه الضوابط على سبيل المثال، أن المشرع حظر تحت طائلة توقيع العقاب امتلاك وبيع وشراء الكلاب الخطيرة على الإنسان، من قبيل أصناف الكلاب المنتمية لسلالات «الماستيف» و»الطوسا» وغيرها من السلالات الخطيرة، التي حددها المرسوم رقم 2.18.456 بموجب القرار المشترك لوزير الداخلية، ووزير الفلاحة رقم 1677.18.
كما أن المادة 4 من القانون نفسه فرضت على كل شخص يملك أو يحوز أو يحرس كلبا اتخاذ مجموعة من الاحتياطات، من بينها تكميمه وعدم تركه في حالة شرود في الشارع العام والمباني السكنية، وكذا التوفر على دفتر صحي خاص بالكلب، يتضمن بيانات تعرف به وبمالكه أو حائزه أو حارسه. ومن جهة ثانية، فإنه باطلاعنا على الباب الرابع من هذا القانون، نجد أن المشرع قد أوقع مجموعة من الجزاءات، التي تتراوح بين الحبس و الغرامة، في حق كل من خرق المقتضيات القانونية المذكورة أعلاه، كما جرم الاتجار في الكلاب بدون رخصة ومنع تنظيم مباريات للكلاب، دون إغفال أن كل شخص تسبب كلب تحت حراسته أو في حيازته نتيجة إهماله أو تقصيره في إلحاق ضرر بالغير يعتبر مسؤولا عن ذلك جنائيا. ومن هذا نخلص إلى أن تربية الكلاب لا تشكل جريمة في نظر القانون المغربي، كلما انضبطت للنصوص القانونية التي تنظمها.

< رغم مرور سنوات على صدور القانون إلا أن فوضى تربية الكلاب وخطورتها متواصلتان، هل يعود ذلك إلى تقصير أمني؟
< في نظري المتواضع لا القانون وحده، ولا الجهاز الأمني، كفيلان بالقضاء على هذه الظاهرة، مهما تضمن القانون من عقوبات ثقيلة وقاسية، ومهما كان الجهاز الأمني متيقظا وصارما.
فالقضاء على هذه الظاهرة يحتاج أيضا إلى جهود مؤسسات المجتمع المدني و وسائل الإعلام، من أجل تسليط الضوء على هذه الظاهرة والمساهمة في توعية أفراد المجتمع بخطورة تربية الكلاب الشرسة على السلامة النفسية والبدنية للأفراد.

< ما هي المساطر التي يمكن سلوكها لإثبات المسؤولية الجنائية لمربي الكلاب وكذا للحصول على تعويضات الضرر من الكلاب الشرسة ؟
< يمكن لكل شخص تسبب له كلب في ضرر معنوي أو مادي، أن يتقدم بشكاية مباشرة أو عادية أمام القضاء الزجري في مواجهة المسؤول عن الكلب الذي ألحق به الضرر، إما في إطار المادة 13 وما يليها من القانون رقم 56.12 و الفصول 400 و401 من القانون الجنائي، أو تحت مظلة الفصول 402 و403 و ما يليها من القانون الجنائي، وبعد تسطير المتابعة وإحالة الملف على قضاء الحكم يتقدم بمطالبه المدنية.
يمكن كذلك للمتضرر التقدم بدعوى التعويض أمام القضاء المدني في إطار مسؤولية حارس الحيوان، التي نظمها المشرع المغربي بموجب الفصل 86 من قانون الالتزامات والعقود. وإن كان هذا الفصل في اعتقادي قد تمت صياغته على نحو غير سليم، إذ أعفى حارس الحيوان من المسؤولية كلما دفع باتخاذ الاحتياطات اللازمة. ولا شك أن مثل هذه الصياغة تبقي المجال مفتوحا أمام حارس الحيوان للتهرب من المسؤولية، في حين أن التشريعات المقارنة أسست هذه المسؤولية على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس إلا في حالة واحدة وهي حصول الضرر، نتيجة تدخل عامل أجنبي، إلى جانب الفعل الصادر عن الحيوان، كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي.
* محام بهيأة البيضاء
أجرى الحوار : م . ب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى