fbpx
حوادث

عنترة: استغلال الضعف وسيلة للاتجار بالبشر

المشرع المغربي لم يعط تعريفا لحالة الضعف أو الحاجة أو الهشاشة وترك المجال مفتوحا للفقه والقضاء

بقلم: إبراهيم عنترة *

نص المشرع المغربي على اعتبار استغلال حالة الضعف أو الهشاشة أو الحاجة من بين الوسائل التي من الممكن ارتكاب الأفعال الجرمية في جريمة الاتجار بالبشر بواسطتها، وهي من الوسائل غير القسرية، إذ يستغل الجاني حالة الضحية أو ضعفه الجسدي أو العقلي أو النفسي أو هشاشة وضعه الاجتماعي، أو ضعف وضعه المالي والاقتصادي، على نحو يجعله خاضعا له، ويصبح بالتالي ناقصا للإرادة أو عديمها، فيكون سبيله الوحيد للتخلص من وضعه هو الجاني، الذي يستغل هذا الوضع من أجل استغلال الضحية في جرائم الاتجار بالبشر.

وللقول بوجود حالة الضعف من عدمها يجب العمل على تقييم الوضع تبعا لكل حالة، على أن يتم الأخذ بعين الاعتبار أحوال الضحية الشخصية أو المكانية أو الظرفية. والملاحظ أن المشرع المغربي لم يعط تعريفا لحالة الضعف أو الحاجة أو الهشاشة، وترك المجال مفتوحا للفقه والقضاء من أجل تحديد التعاريف المناسبة لهذه المصطلحات. وهذا الأمر قد ترتبت عنه عدة انتقادات للمشرع المغربي، أهمها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي أوصى بإضافة فقرة للمادة الأولى من مشروع القانون 27.14 تدقق في بعض التعابير الخاصة بتعريف الاتجار بالبشر، بما في ذلك تعريف وضعية الهشاشة واستغلال حالة الاستضعاف، مقترحا بهذا الخصوص نقلا حرفيا لهذه المصطلحات، كما تم التنصيص عليها في المادة 5 من القانون النموذجي لمكافحة الاتجار بالأشخاص الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ، وكذلك بعض الفقه ، الذي اعتبر أن عدم تعريف المشرع المغربي لمصطلح الهشاشة والضعف والحاجة، أدى إلى عدم توضيح المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم. في حين رأى البعض الآخر، أنه بإضافة المشرع المغربي لحالتي الحاجة والهشاشة إلى حالة الضعف، وعدم وضعه تعريفا لهذه الصور، يكون قد توسع كثيرا في هذا المجال، وهو الأمر الذي يتناقض مع مبدأ الشرعية والصياغة المضبوطة للنص الجنائي، وكان عليه أن يقتصر على حالة الضعف على اعتبار أنها تشير إلى كل جوانب الاستضعاف سواء الشخصية -الصحة، الجنس، السن- أو ما كان منها اقتصاديا أو اجتماعيا…، بالإضافة إلى كون هذه المصطلحات فضفاضة، ويمكن أن تؤدي إلى تفسيرها بشكل ضيق، كما يمكن أن تفسر بشكل موسع من قبل القاضي.

وقد عرف القانون الأمريكي حالة الضعف بأنها: “إساءة استخدام شخص يعتقد بأنه ليس لديه بديل معقول سوى الاستسلام للعمل أو الخدمة المطلوبة منه أو منها، وذلك بسبب حالة المرض الجسدي أو العقلي أو الحمل وغيرها من الأسباب المؤثرة على إرادة الشخص على نحو سليم”، أما المشرع الفرنسي، فقد اعتبر استغلال حالة الضعف أو الحاجة، ظرفا مشددا لجريمة الاتجار بالبشر، وعدد الحالات التي تكون فيها الضحية في حالة ضعف وهي: كبر السن، المرض، العجز الجسدي أو النفسي، الحمل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المشرع الجزائري.

ومن خلال ما سبق يمكن تعريف حالة الضعف أو الهشاشة أو الحاجة على أنها هي: “استغلال الجاني لأي حالة يكون فيها الضحية ليس لديه أي بديل معقول أو حقيقي سوى الخضوع والاستسلام لإرادة الجاني والقبول بطلباته، والتي ما كان الضحية ليقبل بها لولا الوضع الموجود فيه”، ومن بين الأمثلة على هذه الحالات، السن أو المرض أو العاهة أو العجز البدني أو النفسي أو حالة حمل ظاهرة أو معلومة لدى الفاعل.

وقد ساير القضاء المغربي المشرع عند تحديده لمفهوم حالة الضعف والحاجة والهشاشة، إذ جاء في قرار صادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء ما يلي : (لما استغل المتهم بسوء نية سلطته ونفوذه عليها كمشغل وحاجتها الملحة للعمل وخوفها من فقدان مورد رزقها وضعفها المادي بحكم وضعيتها الاجتماعية الهشة والفقيرة، وقام جراء ذلك باستغلالها جنسيا بمكتبه خارج أوقات العمل لعدة مرات، مهددا إياها بطردها من العمل وأنها لن تجد عملا أحسن من العمل معه، محقرا كفاءتها المهنية وتارة أخرى عن طريق ممارسة ضغوطات عليها في العمل عن طريق استغلاله لرئيستها في العمل، التي مارست عليها جميع الضغوطات النفسية والمعاملة السيئة، ومستغلا من جهة، ظروفها الاجتماعية الهشة باعتبارها المعيلة الوحيدة لأسرتها المتكونة من أب مستخدم بمطعم بسيط وأم ربة بيت وأخ طالب جامعي وتقاضيها راتبا شهريا بسيطا لا يتعدى 6000 درهم والمثقل بقروض بنكية تصل إلى مبلغ 2900 درهم، ومن جهة أخرى خوفها من الفضيحة، بعدما كان يوحي لها بكلامه أنه يتوفر على دلائل توثق علاقتها الجنسية معه، وكذا خوفها من نفوذه باعتباره صحافيا له علاقات ومكانته الاجتماعية والمهنية، لدرجة أنه أخبرها في إحدى المرات لما كشفت له أنها ستختفي من حياته لتتخلص من هذه العلاقة بصريح العبارة التالية “نجبدك نجبدك فين ما كنتي بوسائلي الخاصة”… على نحو ترتب عليه سلب إرادتها وحرمانها من حرية تغيير وضعها وإهدار كرامتها الإنسانية مما يكون معه المتهم قد أتى عن بينة واختيار جميع العناصر التكوينية لجناية الاتجار بالبشر باستغلال الحاجة والضعف واستعمال السلطة والنفوذ لغرض الاستغلال الجنسي عن طريق الاعتياد والتهديد..، وخلص القرار الجنائي إلى (إدانة المتهم من أجل جناية الاتجار بالبشر باستغلال الحاجة والضعف والهشاشة واستعمال السلطة والنفوذ لغرض الاستغلال الجنسي…). ولذلك يمكن القول إن القضاء المغربي تفاعل إيجابا مع تفسير مصطلح حالة الضعف والهشاشة والحاجة في إطار القانون وتبعا لوضعية الحالة المعروضة عليه، وعدد من حالات الضعف التي كانت عليها الضحية والتي استغلها المتهم في ارتكاب جريمة مثل “حاجة الضحية الملحة للعمل، وخوفها من فقدان مورد رزقها وضعفها المادي بحكم وضعيتها الاجتماعية الهشة والفقيرة”، وعليه فإن المشرع المغربي كان حكيما عند عدم تعريفه لحالة الضعف وترك الأمر للقضاء لتقدير هذه الحالة حسب ظروف كل قضية في احترام تام لمبدأ عدم التوسع في تفسير النص الجنائي.

* باحث في سلك الدكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى