fbpx
أسواق

“كاستياخـو” ترفـع الرايـة البيضـاء

«الصباح» تروي حكاية مدينة ظلت تعيش على التهريب لتنتفض على إغلاق معبر سبتة

للمرة الثانية على التوالي، تواصلت الجمعة الماضي الاحتجاجات بالمدينة، عبر وقفة اتخذت من ساحة العدالة فضاء لها، ورفعت خلالها شعارات طالبت بإطلاق سراح المعتقلين، ممن تم إيقافهم خلال الوقفة الأولى من الاحتجاجات، وفتح معبر سبتة أو ما يعرف محليا بـ”الديوانة”، لعودة نشاط التهريب المعيشي، الذي يعتبرون أن توقفه كان سببا مباشرا في تدهور أحوالهم الاقتصادية، مع المطالبة بإيجاد حل للأشخاص الذين يعملون بسبتة بعقود عمل قانونية، وحال إغلاق باب سبتة، دون استمرار عبورهم للوصول إلى مقرات عملهم.

بعد أن كانت وجهة مفضلة للآلاف من المتسوقين يوميا، ممن يقصدونها من مدن مختلفة، صارت أغلب محلاتها “خاوية على عروشها”، تعرض بضائع لا تجد من يقتنيها. هكذا هو حال الكثير من “قيساريات” مدينة الفنيدق، التي يحفظ الكثير من زوار (كاستياخو) أسماء أسواقها، ويعرفون ما تعرضه من سلع، فسوق المسيرة، مرورا بالسوق المركزي، فقيسارية بنعمر، وقيسارية حمادي، وصولا إلى قيسارية الياقوتة، كانت مقصدا للباحثين عن “سلع الشمال”، التي بمجرد أن جف معينها، بإغلاق المعبر، حتى قلت الحركة في بعض هذه القيساريات، وتوقفت في أخرى، ما اضطر معه أصحاب العديد من المحلات إلى إغلاقها لوقف ما يصفونه بـ “النزيف”.
وخلال زيارة  “الصباح” إلى الفنيدق، أكد عدد من التجار، أن السوق المركزي الذي يضم حوالي 350 محلا، وقيسارية المسيرة التي توجد بها 805 محلات، اضطر حوالي 30 في المائة منها إلى إغلاق دكاكينهم.

وعند السؤال عن السبب، يسارع أغلب التجار بالجواب قائلين “الحركة ميتة” و”الرواج قليل”، و”ليس هناك بيع ولا شراء”.

وأوضح بعضهم أن كثيرين منهم “قد يمر عليه أسبوعان أو أكثر، قبل أن يتمكن من بيع قطعة من بضائعه”، أو “بياسة” أو اثنتين، وهو ما جعلهم يفضلون إغلاق المحلات، عوض الاستمرار في تكبد الخسائر، مع تراكم واجبات الكراء وفواتير الكهرباء والضرائب.

وأوضح التجار المتضررون من توقف الحركة، أن “أغلب من اضطروا إلى إغلاق محلاتهم، هم من يستغلونها على سبيل الكراء”، مضيفين أن “الكساد جعل الديون تتراكم، وترتبط بمبالغ السلع التي تنضاف إليها مصاريف الكراء”، ما جعلهم يرفعون “الراية البيضاء”، ووحدهم من يملكون المحلات، يواصلون الصمود، طمعا في تغير الأحوال وتحسن الأجواء.

ولم يقتصر الإغلاق على المحلات التجارية بالأسواق والقيساريات، بل إن مقاهي ومطاعم معروفة بالمدينة بدورها وصلها “لهيب” الكساد، نظرا لأن السواد الأعظم من روادها كان من الزائرين للفنيدق، أو عابريها إليها من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى من الثغر المجتل.

حكايات من زمن الأزمة
رشيد الرهوني، شاب في مقتبل العمر، يبلغ من العمر 32 سنة، وَثِقَ في حركة رواج المدينة، ليصبح رب أسرة وأبا لابن في عمر الزهور.
يستغل رشيد محلا بقيسارية “بنعمر”، يخصصه لبيع الأحذية على سبيل الكراء (3500 درهم).
كانت الأحوال لديه مستوِية، يبذل قصارى جهده لتنويع بضاعته واستقطاب زبائن جدد، ومن فئات مختلفة.. كيف لا وهو الذي يؤمن بأن الرزق يتطلب الخفة والحركة، مؤمنا بالمقولة الشعبية “في الحركة بركة”.

إقرأ أيضا: الفنيدق … 400 مليون درهم لبرنامج الإنعاش

لكن شاءت الأقدار والظروف أن تغدو حركة رشيد الرهوني وبركتها، ركودا وكسادا، هو الذي كان يرفض أن يخلو محله من آخر مستجدات صناعة الأحذية التي تلقى الإقبال والرواج.
يحكي “رشيد” في بوحه لـ “الصباح”، أنه سبق له أن اقتنى دفعات من السلع لتعزيز تجارته، ودفع مقابلها شيكات مؤجلة السداد، بلغ مجموعها 22 مليون سنتيم.
لم يتردد رشيد في أن يدفع شيكات لمن ورد له سلعته، مشيرا إلى أن ثلاثة شيكات بقيمة 70 ألف درهم لكل واحد، وشيك رابع بقيمة 10 آلاف درهم.
ورغم ذلك، يقول رشيد، لم يكن يعير الأمر أي اهتمام، لأن “التجارة رائجة، والمدخول كاف لتسديد الدفعات المتوالية، والمبالغ المتفق عليها بكل سهولة”.
لكن الجائحة أوقفت الحركة والرواج، وجاء معها قرار إغلاق المعبر الحدودي، الذي يربط سبتة بالفنيدق وعموم المدن المجاورة، لتكون النتيجة كسادا في تجارة رشيد وتراكما للديون، وعجزا عن تسديد ثمن السلع التي غاب مقتنوها، لتظل رهن الرفوف. أصبح رشيد ملزما بالأداء أو الاعتقال.. والتهمة إصدار شيك بدون رصيد. طالبه صاحب السلع بالأداء، وتمكن بالكاد من أداء قيمة شيك، جمع مبلغه خلال أشهر الانفراج التي عرفت رفعا تدريجيا للحجر الصحي.
وبعدها، جاء الدور على شيك بقيمة مليون سنتيم، ووجد رشيد أمامه عناصر الشرطة التي تأمره بمرافقتها، لأنه مطلوب في قضية تقديم شيك بدون رصيد.
ولأنه في حالة عسر مالي، لم يجد غير التفاتة صديق سدد الدين بدله، مع التزام وقعه مع مورد سلعه، يقضي بأدائه مبلغ 5 آلاف درهم كل شهر.. لكن هيهات وَأَنَّى له ذلك، والحركة كما يصفها الجميع هنا في الفنيدق “ميتة”..

محنة رشيد الرهوني مع الكساد الذي ضرب مدينة الفنيدق ليست فريدة ولا وحيدة، بل إن هناك العشرات من الحالات التي انقلبت أحوال أصحابها، بعد أن توقفت تجارتهم، التي كانت رائجة على عهد فتح معبر سبتة، وقبل جائحة كورونا.
أما عزيز الدبدي، الشاب الذي يبلغ من العمر 31 سنة متزوج، يمارس التجارة بالفنيدق، فقد أكد أنه نظرا للرواج الذي كانت تعرفه تجارته، بادر إلى طلب قرض من البنك للسكن، لأنه رغب في اقتناء “قبر حياة” فكان له ما أراد. ومن أجل التسريع في تسديد القرض، اختار عزيز أن تكون أشطر القرض بقيمة 3500 درهم شهريا، كان أداؤها ميسرا في فترة الرواج، وعندما توقفت الحركة، صار عاجزا، بعد أن حال إغلاق المعبر دون توصله بالسلع المفضلة لدى زبائنه. ومن أجل تفادي الحجز على شقته، اختار أن يلجأ إلى والده الذي باع قطعة أرضية، لتجنيب ولده التشريد.

إقرأ أيضا: الفنيدق … 400 مليون درهم لبرنامج الإنعاش

مطاعـم مغلقـة

عاينت “الصباح” إسدال الستار على نشاط مقاه ومطاعم كبرى بحي “سيراميكا”، مثل “ألكسندري” و “بيستا مار” و “بريتش”، ومقهى الفردوس، والجزيرة الواقعة بشارع عمان، كلها صارت في خبر كان، إذ اضطر أصحابها إلى التوقف النهائي، بدل الاستمرار في تكبد الخسائر، التي فرضتها قلة الرواج، وزادتها حالة الطوارئ حدة.
كما شكل إغلاق معبر باب سبتة، السبب الأساسي في  قلة الرواج، بسبب ندرة السلع، التي كانت تتدفق بالأطنان على المدينة، حيث يتم إيداعها في مستودعات تعج بها جل أحياء “كاستياخو”.
لكن الإغلاق منع السلع التي كانت تشمل المواد الغذائية والألبسة والأغطية، وحتى قطع غيار السيارات من إطارات العجلات المطاطية المستعملة إلى الزيوت وغيرها من السلع التي يكثر عليها الطلب.
ولأن الجهات المعنية لم تتمكن من إحداث بدائل تعوضها، وتغري الباحثين عنها بتجشم عناء السفر لاقتنائها، لم تعد الفنيدق، قبل أزيد من سنة، وجهة للمتسوقين.
وحسب عدد من التجار الذين استقت “الصباح” آراءهم، فإن “الشركات التي تم تأسيسها، والتي تخصصت في الاستيراد القانوني لسلع، يتم أداء واجبات تعشيرها، لم تف بالمطلوب”.
يقول التجار إنهم “وقفوا على النقص الواضح في جودة السلع المستوردة أخيرا، ما يجعل الإقبال عليها من قبل الزبائن أو التجار، على حد سواء، قليلا أو منعدما”.
وحسب تفسيرهم، فإن هذه “العينة من السلع لا تخضع لمعايير الجودة التي كانت تتوفر لدى سابقاتها التي تلج بدون تعشير، لأنها لا تخضع للمعايير التي يفرض الاتحاد الأوربي توفرها في الفضاءات المنتمية إليه”.

كساد سلع بديلة

“كانت السلع المهربة تعرف إقبالا عليها، لتوفر الجودة، وانخفاض الثمن، مقارنة مع السلع المستوردة قانونيا، التي يرتفع ثمنها بفعل ارتفاع تكاليفها، دون أن تتوفر على المواصفات المطلوبة في البضائع المروجة بفضاء شينغن”.
ويضيف التجار أن “البضائع التي أريد لها أن تكون بديلا للسلع المهربة، تتم عملية تصنيعها لتوجيهها صوب الجنوب، بعد أن يتم تضمينها عبارة (مخصصة لإفريقيا)، لأن وجهة التسويق تتحكم في تكلفة الإنتاج، لكي يكون ثمنها مناسبا للمستهدفين بها”، وبالتالي “تضيع الجودة بين مصدر التصنيع وتحديد وجهة التسويق”.
ويرى تجار الفنيدق أن البضائع الواردة مما يصفونه بـ “مدن الداخل”، وأساسا من العاصمة الاقتصادية الدارالبيضاء “لا تغري من كانوا يقصدون “كاستياخو” من أجل سلعة الشمال، ومنها الجبن والملابس، والشوكولاته وغيرها…”
وحسب تصريحات متضررين، فإن “الكساد لم يضرب تجار الفنيدق ومقاهيها ومطاعمها، فقط، بل إن الكساد طال، كذلك، بعض المستوردين الذين بادروا لإيجاد بدائل للبضائع الممنوع ولوجها إلى السوق”. وقال أحدهم إن “حاوية للبضائع استوردها من الخارج لتزويد الزبناء من تجار الفنيدق، تظل حبيسة ميناء طنجة المتوسط، لأزيد من أربعة أشهر”، والسبب يعود لـ”تعقيد الإجراءات المسطرية عند الاستيراد”.

قروض غير مجدية

بعد أن شهدت عمليات القروض الصغرى التي تقدمها مؤسسات بنكية، نوعا من الارتفاع بتزامن مع انطلاق أزمة إغلاق المعبر، جاءت الجائحة التي شلت شريان الحركة، فكان القرار الذي اقتضى جدولة مؤسسات القروض المذكورة لدينها الذي بذمة المتعاملين معها، وتأجيل مجاني للسداد، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحجر الصحي العام، الذي قررته السلطات المغربية، أي شهر: أبريل، ماي ويونيو من سنة 2020.
ورغم ذلك، وجد الكثير من المدينين، حسب ما أفاد به أحد المطلعين على عمل مؤسسات القروض أنفسهم عاجزين عن سداد القروض. وهو الواقع الذي فرض على المؤسسات المقرضة اقتراح مجموعة من الحلول البديلة تسهيلا للأداء، ومنها تقسيم مبلغ الدين إلى دفوعات وأجزاء، واقتراح إعادة التمويل الذي يستفيد منه المدينون، الذين ينتمون في الغالب لفئة التجار الصغار. ورغم كل تلك الإجراءات، استمرت المعاناة، وظلت فئة عاجزة عن تسديد الديون. والمفارقة التي سجلها مصدر “الصباح” أن مدينين تمكنوا من العبور إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وبعد أن استقر بهم الحال هناك، واصلوا سداد ديونهم.

إقرأ أيضا: الفنيدق … 400 مليون درهم لبرنامج الإنعاش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى