fbpx
خاص

التوزاني يستعيد تفاصيل “ثورة لم تكتمل”

رفيق بنبركة واليوسفي وغسان كنفاني يبوح بأسرار تجربة العمل المسلح ليسار سنوات الرصاص
أصدر المناضل اليساري امحمد التوزاني مذكراته بعنوان «ثورة لم تكتمل.. من معسكر الزبداني بسوريا إلى معسكر السواني بليبيا إلى حمام بوحجار» عن منشورات مؤسسة «آفاق». في هذا الكتاب الذي يعد وثيقة تاريخية من قلب تجربة العمل المسلح لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، سيقدم التوزاني أيضا شهادة حية من كواليس التحضير لانتفاضة 3 مارس 1973، وتنظيم «الاختيار الثوري».
في هذا الخاص تستعيد «الصباح» أبرز أحداث وتجارب وأسرار ثورة لم تكتمل، بكل انتصاراتها وخيباتها ودروسها وتضحيات جيل وجد نفسه في مواجهة مفتوحة من أجل الحرية والديمقراطية.
إعداد: عزيز المجدوب

يستعيد امحمد التوزاني، في الصفحات الأولى، جانبا من سيرته الذاتية وطفولته بتازة، راسما ملامح هذه المدينة والمناطق المجاورة لها، خلال أربعينات القرن الماضي، وهي الفترة التي رأى فيها النور هناك.
يذكر امحمد التوزاني أنه غادر تازة إلى القرويين بفاس في الطفولة، رفقة أخيه محمد الذي سيكون مديرا لجريدة “الطالب” لسان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في فترة الستينات، مشيرا إلى أن هذا الانتقال كان بأثر كبير على نفسيته وهو ما أسماه في مذكراته ب: “من المغلق إلى المنفتح”، وأن هذه التجربة استفاد فيها من مساعدة عمه عبد الرحمن التوزاني الذي حصل على شهادة العالمية بجامعة القرويين، فكانت الإقامة في بيت العم تحديدا بالمدرسة المحمدية بحي الصفارين.
واستحضر الكاتب بعض أساتذته الذين أثروا فيه خلال تجربة القرويين، خاصة منهم عبد الواحد العراقي، الذي قال إنه ذهب ضحية تصفية حسابات في ما بعد، وأن الفضل يعود له في إذكاء وعيه الوطني وانفتاحه على قضايا عدة كانت تخص شأن البلاد آنذاك. ولعل ما كان له أثر في بلورة شخصية امحمد التوزاني ما صادفه في تجربة فاس من تظاهرات ارتبطت بأحداث وطنية كبرى، وما كانت تواجه به سلطات الحماية الاحتجاجات من قوة قمع من خلال فرق أمن سنغالية وجزائرية خاصة. ممارسات يقول إنها أبانت له عن جزء من مخطط استعماري استهدف تفرقة أبناء البلد للسيطرة والهيمنة عليه.

الدخول إلى بحر الاتحاد
بعد حصوله على الشهادة الثانوية بفاس عام 1956 التحق التوزاني بالتكوين بدار المعلمين العراقية، ليعين معلما بمدرسة “معسكر كودير” بتازة في وقت كان فيه أغلب أطرها أجانب فرنسيين وكان مدير المدرسة آنذاك “بنعيسى الزرهوني” من أصل جزائري. فترة كانت بوعي جديد لديه وبأهمية انخراطه السياسي في ظرفية عرفت بداية تشكل استقطاب بارز وسط الحركة الوطنية، مع ما كان عليه حزب الاستقلال من أزمة بين اتجاه محافظ وآخر تقدمي، وما حصل من ممارسات وتصفيات لوطنيين كما هو الشأن بالنسبة إلى عباس المسعدي 27 يونيو 1956، والذي أورد أنه صادفه في تازة قبل يوم من اغتياله وهو خارج من حمام بالمدينة.
والتحق امحمد التوزاني بعد تجربة من التدريس بتازة بالمعهد العراقي العالي لإعداد المدرسين بالبيضاء بثانوية الإمام مالك في أكتوبر 1961، لاستكمال تكوينه في سلك التعليم الثانوي دام سنتين قبل توجهه إلى كلية التربية بجامعة بغداد.
ويذكر أنه لتجاوز ما اعترضه من عراقيل قابل علال الفاسي في الموضوع، وأنه أثناء ذلك كان منخرطا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ تأسيسه لقناعته في قادته، الذين كان يرى فيهم صدقا ووطنية ورغبة في تغيير وضع البلاد وتجسيد استقلال حقيقي اقتصادي وثقافي واجتماعي. ما دفعه ورفاقه للتجند خلفه خدمة للأهداف التحررية فكان عضوا في لجنة تنظيم مؤتمر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الثاني ماي 1962 رفقة مصطفى القرشاوي وأحمد الخراص، وقد ضم في جلسته الافتتاحية عبد الرحيم بوعبيد ومحمد البصري وعبد الرحمن اليوسفي والشيخ محمد بلعربي العلوي، مشيرا لِما حصل من خلاف حول صياغة تقرير المؤتمر الختامي بين المهدي بنبركة وعبد الله إبراهيم.
ويتوقف التوزاني في مذكراته عند تجربة “حكومة عبد الله إبراهيم” التي انضم إليها عدد من مناضلي الحزب منهم عبد الرحيم بوعبيد في حقيبة الاقتصاد، وكان له فضل في فصل العملة المغربية عن الفرنك الفرنسي وإرساء وحدة تكرير البترول “لاسمير” ومغربة المكتب الشريف للفوسفاط..
كما استحضر أزمة دستور 1962 وما تزامن معه من أحداث ونقاشات وانقسام بين القوى السياسية، خاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية داعيا للمقاطعة وبين حزب الاستقلال داعيا للمشاركة والتصويت بنعم.

اعتقال وتعذيب
ويحكي التوزاني أنه بعد تمرير الدستور واجراء انتخابات تشريعية وبعد إعلان تاريخ إجراء انتخابات المجالس البلدية والقروية، انتقل إلى تازة انسجاما مع قرار المشاركة الذي أصدره الحزب. وكُلف بالذهاب إلى دائرة أكنول صحبة أحمد بن قليلو، الكاتب الاقليمي للحزب آنذاك، من أجل الدعاية لمرشحه مسعود بن الصديق أحد أعضاء جيش التحرير بالمنطقة. وفي خضم الحملة فوجئ، كما يقول، بقائد الدائرة “امحمد عبابو” صحبة مساعده أحمد عصمان ومخازنية يقودونه إلى مركز الدائرة، حيث قضى يوما وليلة تعرض خلالها لجلد قاس بتهمة تسلمه أسلحة من أحمد بن قليلو. مضيفاً أنه قضى أسبوعا بالمكان نفسه قبل نقله إلى تازة حيث تمت مجابهته في مركز الشرطة مع أحمد بن قليلو، ليتم نقله رفقة عدد من المناضلين إلى معتقل بفاس إلى غاية إطلاق سراحه بعد ثلاثة أشهر من الاعتقال تقريبا صيف 1963.

الانتقال إلى العراق
سيقرر التوزاني الالتحاق بالعراق للدراسة بها بجامعة بغداد، ليفاجأ بعد ذلك بقرار لقيادة الحزب تدعو المناضلين إلى الالتحاق بسوريا فورا، لإجراء تدريبات عسكرية. اجتمعت خلية الحزب للنظر في هذا القرار، وقررت بعث التوزاني إلى دمشق للاتصال بمبعوث قيادة الحزب بها، غير أنه فوجئ مرة أخرى، بعدم إرسال أي مبعوث من قيادة الحزب لهذا الغرض، وأن القيادة صرفت النظر بعد أن توقفت الحرب بين المغرب والجزائر (حرب الرمال)، وأن عليه العودة للعراق. غير أن مشكلة أخرى اعترضته، وهي خبر إغلاق الحدود بين سوريا والعراق بسب الانقلاب.

لقاء مع بنبركة بدمشق
لم يكن الوضع المالي لمحمد التوزاني يسمح له بالبقاء في سوريا لمدة أطول، ففكر خلال تسكعه بشوارع دمشق ومروره بمكتب رئيس الجمهورية أمين الحافظ، التوجه لمكتبه، والتماس لقاء معه من أجل مساعدته للخروج من المأزق، فاستقبله الرئيس، ومد له العون، وتيسر له بذلك لقاء وزير الخارجية السوري، الذي أخبره بإمكان متابعة دراسته بدمشق، كما أخبره بوجود المهدي بنبركة بأحد فنادقها. فتم لقاؤه الثالث بالمهدي، دون أن يفصح عن طبيعته ومضمونه، ثم جاء قرار الالتحاق بالكلية العسكرية بدمشق، التي قضى بها حوالي سنتين، وتخرج منها برتبة ملازم ثان في أواخر 1966، وسمي الفوج بفوج “الأمير عبد القادر الجزائري”، وكان من الطلبة العرب الذين كلفوا بالإشراف على إعادة استخراج رفات الأمير عبد القادر الذي سبق دفنه بدمشق، ليعاد دفنه بالجزائر، بعد أن كان الاستعمار الفرنسي يرفض دفنه بها.
كثف التوزاني من علاقاته مع قيادة الثورة الفلسطينية بلبنان، خاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وخضع لدورات تكوينية سياسية من تـأطير حزب البعث السوري، أطرها قياديون حاولوا استمالته إلى الأفكار البعثية.

الفقيه البصري والتحضير للعمل المسلح
يحكي التوزاني أنه التقى الفقيه البصري بدمشق، لمناسبة الذكرى الثالثة من ثورة 8 مارس لحزب البعث، بعد مشاركة وفد من الحزب يضم كبار قادته في الذكرى (عبد الرحمان اليوسفي، محمد بن سعيد آيت يدر، عبد المجيد العراقي، والمرحوم محمد باهي….) وقد انفرد الفقيه محمد البصري بالتوزاني، وسأله عن استعداده للانخراط في التوجهات الجديدة للحزب، ولم يكشف له البصري عنها بوضوح، غير أنه كان يلمح لربط المسار السلمي بالمسار المسلح، أي المسار الذي سار عليه الحزب بعد حملة القمع والاعتقالات التي طالت أغلب مناضليه خلال ما سمى بمؤامرة يوليوز 1963. ومما سجله التوزاني في هذا اللقاء الإلمام الواسع للفقيه محمد البصري بأحداث المشرق والمغرب وأوروبا، ومعرفته الواسعة بعدة ميادين وقضايا مختلفة، ورغبته الدائمة في التعرف على التطورات الجارية.
بعد ذلك، وجهت الدعوة من الفقيه البصري، إلى محمد التوزاني بالالتحاق بالجزائر في يونيو 1973، وهناك في العاصمة الجزائرية، سيتم اللقاء مرة أخرى مع الفقيه البصري، وسيطلب منه توخي الحيطة والحذر في علاقاته داخل الجزائر، كما سيطلب منه لاحقا عبر موفده، أن يقوم بدراسة كراسة حملها معه تضم تجربة جماعة “الهاغانا” العصابة الإسرائيلية التي تدعي المقاومة ضد الأنجليز خلال احتلال فلسطين. استفسر التوزاني عن دواعي اختيار تجربة إسرائيلية لها حساسية خاصة عند العرب، مع وجود تجارب أخرى، فأقنعه بأنها تجربة مثلها مثل جميع التجارب تستحق الدراسة.

تدريب بالجزائر
يحكي التوزاني في تجربته في الجزائر، سياق تشكل الخلية الأولى للعمل المسلح برفقة عدد من مناضلي الحزب من المغرب، وبداية التدريب في الجزائر من أجل الثورة مباشرة، بعد الزيارة التي قام بها الفقيه البصري للخلية في أواخر 1967 بالجزائر، لتطرح داخل الخلية أسئلة كثيرة إستراتيجية وتكتيكية تخص العمل المسلح في المغرب، منها ما يرتبط بمعرفة الأرضية العسكرية (خرائط جغرافية)، ومدى قدرة المناضلين على إنجاز المهام المطلوبة، والإمكانات المتوفرة في الجزائر، ولدى المرتبطين بهم في المغرب، ويحكي التوزاني أن التداريب استمرت ثلاثة أشهر، مع إتمام عمل الخرائط، إذ لم ينقطع التواصل بين الخلية وبين القيادة طيلة هذه المدة، وبعد انتهاء التكوين النظري، بدأ الإلحاح من قبل المناضلين على الجانب التطبيقي.
ثم جاء قرار القيادة بالرحيل من الجزائر إلى سوريا في أواخر 1968، والالتحاق بمعسكر الزبداني، الذي كان يضم مناضلين من جنسيات مختلفة، إلى جانب مغاربة تمت توصيتهم بتعليمات للقول بأنهم تونسيون. غير أنه سرعان ما تم الكشف عن المغاربة، بسبب تعرف بعض خريجي الكلية العسكرية بدمشق على امحمد التوزاني، وسجل الكاتب جوانب من سوء التنظيم في عمل عسكري يقتضي توافر قدر عال من السرية والضبط والإحكام. وبعد الانتهاء من التداريب بالمعسكر، تم اللقاء مجددا بالفقيه البصري.

جبهة إعلامية بليبيا
بعد أحداث شتنبر الأسود، ستتخذ القيادة قرارا آخر، برحلة أفراد الخلية إلى ليبيا للتدريب في معسكر السواني سنة 1971، والمزاوجة بين التدريب العسكري وخوض تجربة إعلامية صوتية (أصوات التحرير) للإعداد ومواكبة العمل العسكري داخل المغرب. لم تدم التداريب أكثر من ثلاثة أشهر بذلك المعسكر، إذ لم تكن المجموعات تتعدى 24 فردا حدا أقصى، وكان المعسكر يستقبل وافدين من أوروبا (فرنسا وبلجيكا وهولندا) والمغرب الكبير ومن سوريا وكانوا كلهم طلبة.

اختطاف المانوزي والتحضير لانتفاضة مارس
يحكي التوزاني بمرارة قصة اختطاف الحسين المانوزي في تونس، وكيف تمت نصيحته بعدم السفر إليها لوجود تنسيق محكم بين المخابرات المغربية والتونسية وكيف رفض ذلك، ووقع صيدا ثمينا في يد المخابرات التونسية. كما يحكي تفاصيل دقيقة عن التحضير لانتفاضة 3 مارس وذلك في الاجتماع الذي انعقد في أواخر غشت 1972 بإقامة ابن عاشور بطرابلس بليبيا، إذ تم في ذلك اللقاء تقسيم فعاليات الانتفاضة المسلحة إلى خمس مناطق جغرافية تغطي التراب المغربي، لتثار أسئلة كثيرة حول هذه الخطة، تتعلق بمعايير اختيار مناضلين لقيادة الانتفاضة في مناطق لا يعرفون جغرافيتها، ومدى استعداد المناضلين وقضايا أخرى لوجستية وتواصلية، كما تعرض بتفصيل أيضا للقاءات محمد بنونة مع خلية المناضلين المغاربة بالجزائر، ولقاء باريس الذي جمع مبعوث الفقيه البصري مع خلايا الحزب هناك. وتم في هذا اللقاء عرض برنامج الثورة وأهدافها (برنامج الجبهة الوطنية لتحرير المغرب).
ويحكي التوزاني كيفية مقتل محمد بنونة وثلاثة من المناضلين في 5 مارس 1973، وأحداث بوعرفة، واعتقال محمد اليازغي ومصطفى القرشاوي وعمر بن جلون وغيرهم، واندلاع اعتقالات واسعة شملت قيادات وقواعد الحزب، لتتداعى قيادة الحزب لاجتماع موسع لأطر العمل السياسي العسكري (حوالي أربعين فردا) لتحضير شروط لانطلاقة تنظيمية على أسس جديدة، وتقييم الوضع الداخلي، وخطة عمل للتضامن مع كافة المعتقلين.
وذكر التوزاني في هذا اللقاء اندهاشه من تبرؤ الفقيه البصري من مسؤوليته وأنه لم يكن معنيا بدخول الإخوة لإشعال فتيل مارس 1973، وأنه كان يتابع الاستعدادات للانتفاضة المسلحة، لكنه لم يكن راغبا في انطلاقتها إلا بعد التأكد من توفر شروطها، ليخلص اللقاء إلى ضرورة تأسيس هيكلة جديدة بأطر قيادية جديدة. فأصبحت بذلك الجزائر ملجأ للتنظيمات اليسارية الديمقراطية المغربية المعارضة.
ويسلط التوزاني الضوء على تفاصيل اللقاء الذي يرى أنه شتت شمل الحركة المسلحة، في غشت 1973، وذلك بالجزائر بمقر إقامة الفقيه البصري، إذ ركز على تقييم الوضع وتحديد المسؤولية عن انتفاضة 3 مارس وتبنى الفقيه البصري أطروحة الاختراق، وخيانة أحد المناضلين واشتغاله لصالح المخابرات المغربية، فيما طرح اليوسفي فكرة تكتيكية، للتخفيف من الضغوط على الحزب في الداخل، وذلك بتحميل مسؤولية الأحداث لتنظيم سري يعلن عن اسمه لتسهيل مأمورية المنظمات الحقوقية للتضامن مع الحزب وإعلان براءته ومظلوميته، فتم دعم فكرة اليوسفي وإسنادها.
ويرى التوزاني أن الإجراءات التنظيمية التي حاولت ترجمة فكرة اليوسفي، انتهت بعزل الفقيه البصري في الجزائر، مما اضطر المناضلين في الجزائر إلى شد الرحال لباريس، وتحول العاصمة الفرنسية إلى مركز غليان وتوتر، بسبب الضربة التي وجهتها خطة اليوسفي لشل التنظيم العسكري للحزب، لتتم مفاجأة المناضلين في الخارج بعد ذلك، بتحول اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، ونهاية تجربة وحلم العمل المسلح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى