fbpx
حوار

الفقير: المنظومـة الصحيـة مهـددة بالانهيـار

البروفيسور يوسف الفقير أكد أن الصحة ليست اختصاصا حصريا للوزارة وطالب بحكامة تشاركية

شخص البروفيسور يوسف الفقير، في حوار مع “الصباح”، وضعية القطاع الصحي بالمغرب، مشيرا إلى أنها مهددة بالانهيار ما لم يتم الإسراع بإيجاد حلول ناجعة وحكامة رشيدة وتدقيق للمسؤوليات والمردودية. وأوضح أن تعميم التغطية الصحية يتطلب مقاربة جديدة لحكامة القطاع الصحي، تعمل على إشراك كل القطاعات الحكومية وغيرها لرفع التحديات المطروحة، مضيفا أن التكنولوجيات الحديثة والصحة عن بعد، تمثل حلولا ناجعة لتجاوز الاختلالات التي تعانيها المنظومة الصحية.

أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي / تصوير (عبد المجيد بزيوات)

< كشفت جائحة "كوفيد 19" عن اختلالات كبيرة في المنظومة الصحية، كيف تقيمون الوضع الراهن للقطاع الصحي بالمغرب؟
< بالفعل أبانت جائحة كوفيد-19 على الصعيد الدولي، بصفة عامة، وعلى صعيد الدول النامية، بصفة خاصة، اختلالات عظمى، وبصفة أدق في المنظومة الصحية، التي أظهرت عجزا تاما أمام فيروس ما زال إلى يومنا هذا يسري بين الناس سريان النار في الهشيم.
أما في المغرب، فإن وباء كوفيد-19، كشف عدة اختلالات بنيوية وهيكلية وتدبيرية وطبية وتجهيزية وتسييرية، ناهيك عن الموارد البشرية وبنيات الرعاية الصحية، رغم دق ناقوس الخطر مرات عديدة، إما من قبل هيآت مراقبة وطنية بمسوحات متكررة على الصعيد الوطني، أو من لدن مسؤولين من الصحة ومديري مستشفيات ومتخصصين عبر الصحافة والإعلام.
أما عن كيفية تقييمنا للوضع الراهن للقطاع الصحي بالمغرب، فإن الكتاب الذي صدر، في هذا الصدد، كله تشخيص دقيق وتشريح طبي للوضعية الراهنة للصحة، وتبيان النواقص والهفوات وسوء التدبير مع اقتراح بدائل ونتائج مستنبطة من دراسة القطاع الصحي بالمغرب. وبصفة مقتضبة، يمكن القول إن الوضع الراهن سيؤدي إلى انهيار للقطاع عما قريب، إذا لم نسارع بإيجاد حلول ناجعة وحكامة رشيدة وتدقيق للمسؤوليات والمردودية.

< كيف ذلك؟
< إن حالة الصحة اليوم لم تكشف عن أوجه قصورنا في توفير الرعاية فحسب، بل تذكرنا بالحاجة إلى دولة ذات سيادة من حيث توفير الرعاية والمهن الصحية بشكل عام. وهو ما يعلمنا أن نعتمد فقط على بنيتنا التحتية الصحية والمهارات الطبية المحلية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، يواجه المغرب ثلاثة تحديات رئيسية، تتمثل في سد الفجوة في الموارد البشرية وضمان التوزيع العادل لها، وإدارة مجموعتين من الأمراض الرئيسية، المعدية وغير المنقولة، والتأكد من أن عروض الرعاية عديدة وذات جودة عالية.
إن توقع أزمات صحية بهذا الحجم في المستقبل يتطلب منا أن نبدأ في التفكير العميق في نظامنا الصحي، في ضوء الدروس المستفادة من وباء "كوفيد 19" وأيضا من القضايا الديموغرافية والوبائية والمجتمعية في بلدنا.
لقد أبان المفهوم الحالي للصحة عن حدوده، وينبغي تحليله بدقة وقدرته على إدارة التحديات الصحية الحالية والمستقبلية التي تواجه بلدنا، لذا نطالب بمقاربة جديدة يصطلح عليها "الصحة "2.0

< هل تعتقدون أن الوضع الراهن يسمح بتعميم التغطية الصحية في المدى المتوسط؟
< إن الوضع الراهن يتطلب تعميم التغطية الصحية على المدى المتوسط، خاصة أن جائحة "كوفيد-19" ستتبعها أوبئة أخرى كما يتوقع جميع الباحثين. لقد بذلت مجهودات في هذا الميدان، بمعنى أن التجربة قد انطلقت، لكن لا بد من مشروع بأهداف واضحة حتى يتمتع جميع المغاربة بالتغطية الصحية.

< أصدرتم كتابا حول إصلاح النظام الصحي بالمغرب والدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل التواصل في هذا الورش، كيف جاءت فكرة إعداده وإصداره؟
< هناك مبادرات في إدخال وسائل التواصل في النظام الصحي بالمغرب، غير أن العمليات التجريبية، التي تمت كانت محتشمة جدا. وفي زمن أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فإن وسائل الاعلام والتكنولوجيا غزت جميع الميادين، فكان علينا أن نعطي لهذا الجانب ما يستحقه من عناية بفضل المزايا التي يقدمها للصحة.
إن فكرة وإعداد وإصدار هذا الكتاب كانت في الأول مشروع بحث علمي حول جائحة "كوفيد-19" في المغرب، في إطار الدعوة للمشاريع التي تم إطلاقها بشكل مشترك بين إدارة التعليم العالي والبحث العلمي والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، في مارس 2020، وباعتباري طبيبا وباحث وأستاذا جامعيا فَخْريا (Emérite)، حاولنا تقديم رؤيتنا لفهم وتحليل وانتشار وباء كورونا في المغرب، من خلال توصيات علمية لتدبير الفترة الانتقالية بناء على الدروس التي يمكن تعلمها من هذا الوباء واقتراح التدابير الوقائية التي يجب اتخاذها في المستقبل.
حاولنا أن نساهم بمشروعين، الأول تقني يتعلق بنهاية الحجر الصحي بعنوان "الماسح الضوئي بجرعة منخفضة والذكاء الاصطناعي كوسيلة لنهاية الحجر بالنسبة إلى السكان المعرضين للخطر"، والثاني فكري وعملي في موضوع "رؤية للصحة 2.0".
غير أننا أصبنا بخيبة أمل لعدم قبول مشروعينا لأننا لم نكن ضمن هيأة التدريس في الجامعات، مع العلم أننا نتاج التعليم العمومي، وتخرجنا من كلية الطب والصيدلة بالرباط، واشتغلنا في المستشفيات الجامعية بالرباط والدار البيضاء، وقمنا بتدريس وتكوين الأطباء هناك لسنوات، وما زلنا نواصل تقديم التكوين الطبي المستمر،علاوة على ما نشرناه من مقالات وكتب.
مع هذا كله، لم ينظر إلى مشروعنا من حيث الكفاءات والمهارات المطلوبة لاقتراح المشاريع العلمية، بل من زاوية أننا لم نبق ضمن القطاع العام.
وجدنا انفسنا في وضعية مواطنينا في الخارج والأدمغة المغربية المهاجرة، الذين يحملون مشاريع علمية أو ثقافية أو فنية إلى بلدان أخرى، لهذا اضطررنا إلى تقديم أفضل ما نقدر عليه في إطار غير حكومي!
هكذا بفضل مثابرتنا وطموحنا نريد التعريف اليوم بثمار مشروعنا ونشارك القارئ في نقاش حول موضوع الساعة لتبادل الأفكار والآراء بكل موضوعية.

الإجراءات المطلوبة

< ما هي الإجراءات التي يتعين اتخاذها؟
< أوصت منظمة الصحة العالمية بتحقيق التغطية الصحية الشاملة لجميع السكان، وتعزيز الأنظمة الموجودة بالفعل، وتوسيع التأمين الصحي الإجباري ليشمل جميع سكان المغرب.
ونثمن، في هذا الباب، إقرار تغطية صحية للفئات المعوزة "راميد" لكن هذه العملية تطرح بعض التساؤلات، تتعلق بضرورة توفر الشفافية والعمل على شمول التغطية بوسائل ناجعة، وتمكين المستفيدين من التمتع بالرعاية في القطاعين العام والخاص حسب رغبة المريض، إضافة إلى دمج وتدبير أنظمة التغطية المختلفة بما يخدم الانصاف من قبل صناديق تأمين متكاملة بغية التجميع، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حتى يتم نظام التغطية الطبية الأساسية بشكل عام.
هناك أفكار أخرى يتضمنها الكتاب حول هذا الموضوع بصفة دقيقة.

خارطة طريق

قدم البروفيسور يوسف الفقير، في كتابه الجديد "الدعوة لإصلاح النظام الصحي بالمغرب – وصفة لسياسة الصحة 2.0" صورة مفصلة حول الحالة الراهنة للصحة بالمغرب، من خلال المعطيات المتوفرة والصحافة وأعمال المتخصصين المنشورة، والتعريف بوزارة الصحة من ناحية إنجازاتها وما تعذر تنفيذه، وبنيات الرعاية الصحية، والتجهيزات والخدمات، مدعمة بالبيانات والجداول وكل المعطيات الإحصائية والمسحية.
وتضمن الكتاب جانبا تحليليا تمحور، حول ثمانية فصول، تتعلق بالموارد البشرية في القطاعين العام والخاص وعروض الرعاية الصحية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، التي اعتبرها صاحب الكتاب أحد آليات الإصلاح، إضافة إلى التكوين الطبي وشبه الطبي، الذي يوسع بشكل كبير آفاق ما هو موجود، والصحة الإلكترونية، علما أن هذا الجانب يعد إحدى النقاط التي ستحل مشاكل شتى، والبحث والتطوير في صناعات مهن الرعاية الصحية، علما أن لا أحد ينكر أهمية البحث والتطوير، بالتركيز على طريقة التدبير والدروس التي ينبغي الاستفادة منها بفعل تدبير الجائحة، ويتناول الفصل ما قبل الأخير رؤية نحو بنية جديدة لنظامنا الصحي، من خلال النتائج المحصلة من كل التحاليل والدراسات التي قمنا بها جميعا، وأخيرا يقدم الكتاب في الفصل الثامن حصيلة وتوصيات، ويتضمن أفكار حول إصلاح منظومة الصحة بناء على أسس علمية وموضوعية وميدانية استخلصنا منها بعض التوصيات التي نجعلها رهن إشارة القارئ العزيز.

التكنولوجيا لسد خصاص الموارد

اعتبر الباحث في المجال الصحي أن تكنولوجيات التواصل الحديثة تقدم للصحة خدمات جليلة، إذا تم استعمالها استعمالا سليما وبكل كفاءة، مشيرا إلى أن "الصحة 2.0" تفتح آفاقا واسعة لرعاية صحية، من خلال استخدام التقنيات الرقمية وشبكاتها.
و يتضمن الكتاب تجارب تمت بالمغرب بشراكة مع الخارج وأمثلة كثيرة كلها تدل على أن تكنولوجيا التواصل هي الآلية الناجعة في مواجهة تحديات نقص الموارد الطبية، وعدم المساواة الإقليمية في الحصول على الرعاية الصحية، وزيادة انتشار الأمراض المزمنة أو حتى شيخوخة السكان.
ويعتبر البروفيسور أن الصحة الإلكترونية هي الحل المناسب الذي يجب أن يتبناه مجتمعنا، غير أنه، يتحتم علينا تقييم المساهمات المحتملة في نظامنا الصحي. ويشدد في الكتاب على بناء ثقافة ثقة حول التكنولوجيا الرقمية والبيانات الصحية، مشيرا إلى أن تقرير معهد "مونتيني" "الصحة الإلكترونية: لنزيد الجرعة!"، الذي أصدر فيه قائمة مقترحات لتسريع التحول الرقمي للنظام الصحي الفرنسي، الذي عجلته أزمة الصحة "كوفيد-19"، يتناول الطب عن بعد ودمجه في السياسة الصحية الجهوية، والعمل على تكوين بيانات ضخمة صحية، مع تقاسمها بين الفاعلين في الصحة حسب حمايات المعلومات، تم تحليلها بعلوم البيانات، وتكوين الملف الطبي الشخصي، والتطبيقات الصحية على الهواتف الذكية. ويسعى البروفيسور، من خلال بحثه في المجال، إلى التفكير في إنشاء هيأة خاصة بالحكامة والتمويل وتنظيم الطب عن بعد. ولن يتم ذلك، حسب الباحث، إلا بوضع إطار قانوني وإطار تنظيمي وتقنيني لممارسة الصحة الإلكترونية، وتعميم التغطية الطبية وإنشاء سجل مُحَوْسَب للمرضى.
ويمكن للذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة 2.0 أن يحقق الولوج إلى الخدمات الصحية لكافة الشرائح المجتمعية ويحسن خدماتها، خاصة البعيدة عن بنيات الرعاية الصحية. كما أن الكتاب يقدم تحليلا مستفيضا لهذه الظاهرة التي تشكل التحديات الصحية في المستقبل.

إصلاح شامل لنظام الحكامة

يعتبر الباحث أن دعوته هي قبل كل شيء نداء من أجل العدالة الاجتماعية، والكفاءة في نظام الرعاية لدينا، وتنظيم الأفعال والإجراءات، وتنظيم مسار الرعاية.
وأكد أن الاستجابة للمبادئ التوجيهية الملكية الرامية إلى توسيع التغطية الاجتماعية، بما في ذلك التغطية الطبية، لتشمل جميع المواطنين المغاربة، تتطلب بالضرورة إصلاحا شاملا لحكامتنا، ومسار رعايتنا، ومنهجيتنا في تدريب الأطباء، أي إصلاح نظام الرعاية الصحية لدينا،ما تلخصه رؤيته لـ "الصحة 2.0".
وأوضح أن رؤيته لبنية النظام الصحي، تتمحور حول خمس ركائز تتمثل في إعادة تأهيل المرافق الصحية ومرافق الرعاية الأساسية، وإنشاء هيأة لتنظيم الصحة والصحة الرقمية، وإحداث هيأة وطنية عليا للصحة، مكلفة بالتوصيات، والمستودعات العلاجية، والتدريب الطبي المستمر، واعتماد الإدارة الخاصة للشؤون العامة (المستشفيات) والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز التنمية والبحوث.
وأكد أن الدرس الرئيسي، الذي يجب أن نتعلمه من وباء القرن "كوفيد 19"، هو أن الصحة ليست فقط من اختصاص الوزارة الراعية، بل يتعين إشراك جميع القطاعات الحكومية وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى