fbpx
خاص

طوليدانو: الرافض للتطبيع “مزعزع”

ممثل الجالية اليهودية قال لـ»الصباح» إن “سيدنا جاب الخير لبلاد”

بدا حاييم طوليدانو، ممثل الجالية اليهودية وأحد المقاومين في جيش التحرير سعيدا، وهو يتحدث إلى مستقبل العلاقات المغربية والإسرائيلية عقب توقيع الاتفاق الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وقال طوليدانو، الذي حل ضيفا على مكتب «الصباح» في الرباط، إن جلالة الملك محمد السادس له دور بارز في هذا التحول التاريخي، لمساهمته في ميلاد علاقات جديدة قوامها السلام والإخاء والتعايش. وأضاف طوليدانو، رئيس جمعية «آخر واجب»، أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل ستعيد الروح للاستثمارات والمشاريع التنموية، كما ستسهم في عودة اليهود المغاربة إلى أرضهم المغرب «ما غادي يبقى حتى واحد في إسرائيل».
وتحدث طوليدانو عن قضايا متعددة تخص مستقبل العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية بعد التطبيع، والرهانات المنتظرة، كما تطرق إلى نضالاته ضمن صفوف مقاومي جيش التحرير، إضافة إلى مواضيع مختلفة يجدها قارئ «الصباح» في هذا اللقاء الحصري:

إعداد: مكتب الرباط – تصوير (عبد المجيد بزيوات)

> ما رأيك في الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي؟
> سيسهم الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، بكل تأكيد، في إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعودة الدفء الإنساني، كما أن العالم بأسره سيشهد ميلاد علاقات جديدة، خدمة للتعايش السلمي. ما قام به جلالة الملك، يعد إنجازا عظيما، إذ عمت الفرحة نفوس المواطنين، سواء في المغرب، أو أمريكا، أو إسرائيل.
إننا نقدر ل» سيدنا» هذا العمل الجبار الكبير، وندعو الله أن يمتعه بالصحة والسلامة، فهو حريص على تثبيت السلام، كما أن شعوب العالم ثمنت موقف جلالة الملك في إعادة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، وتوطيدها مع أمريكا، لإقامة مشاريع تنموية مشتركة. والحق أن هذه المبادرة تذكرنا بما قام به ملكنا الراحل محمد الخامس، الذي كانت له مواقف بطولية، تجاه اليهود، حينما رفض الاعتداء النازي عليهم، قبل أن يتسلم الابن البار الحسن الثاني المشعل، ثم الحفيد محمد السادس، الذي يواصل كتابة التاريخ بمداد من الفخر، لهذا لن ينسى أي يهودي «بركة سيدنا».
ونسترجع التاريخ القريب، لدور الملك الراحل محمد الخامس، إذ بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، واكتساح الجيوش النازية التراب الفرنسي في 1940، نهجت حكومة المارشال بيتان سياسة عنصرية إزاء مواطنيها اليهود في فرنسا، ونقلتهم إلى معسكرات النازية، وأرادت فرض ذلك من خلال الإقامة العامة، لتطبيق قوانين فيشي العنصرية على الرعايا المغاربة، إذ تم إنشاء لجنة عامة بخصوص المسألة اليهودية، وتنفيذ قوانين معادية للطوائف اليهودية، وإصدار مجموعة من الظهائر، إلا أن السلطان محمد الخامس رفض ذلك، مقدما الحماية لشعبه من المغاربة اليهود، كما المسلمين، ما أغاض النازيين، بل حافظ المسلمون المغاربة على اللحمة نفسها مع اليهود، ورفضوا التضييق عليهم.

> كيف تتوقع العلاقة بين المغرب وإسرائيل بعد توقيع الاتفاق الثلاثي؟
> طبعا نتوقع خيرا من خلال توقيع مشاريع تنموية مشتركة بين المغرب وإسرائيل، خاصة من قبل المغاربة اليهود، إذ سيحل أولا قرابة 300 حاخام، وسيتوزعون على كل المدن، التي تعاني نقصا كبيرا في التوعية الدينية.
وتبعا لهذه الاتفاقية كذلك، ستنتعش أيضا الأقاليم الصحراوية بمشاريع تنموية كبيرة، بغرض تحريك الوضع التجاري، وإحداث فرص عمل متعددة. سأعمل على تخليد هذا الحدث بوضع صحيفة معدنية على حائط منزلي، وأكتب عليها “الصحراء مغربية” حتى أذكر الأجيال المقبلة بكل هذا “الخير اللي جابو سيدنا”.
ولا أخفيكم سرا، أن المسلمين المغاربة كانوا أكثر فرحا بهذا الإنجاز من اليهود، إذ تحدثوا إلي ساعات طويلة عبر الهاتف، من أجل تقديم التهاني وتبادل الآراء، عقب الاتفاق الثلاثي، وليس ذلك غريبا عنهم، فالمغرب بلد التعايش منذ قرون خلت، كما أن أواصر الإخاء بين الجيران مازالت قائمة وثابتة لدى المغاربة.

> في نظرك، ماذا ستقدم إسرائيل عمليا إلى المغرب؟
> أعتقد أن آلاف الإسرائيليين سيحلون بالمغرب، بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما أن المغاربة اليهود سيعودون لا محالة “ما غادي يبقى حتى واحد في إسرائيل (ضاحكا)، من أجل الاشتغال في قطاعات حيوية، إذ لديهم الخبرة في القطاعين الفلاحي والحرفي، إضافة إلى المجال الصناعي والتكنولوجي، والواقع أن المغاربة اليهود “كي موتو على بلادهم المغرب”، إذ يوجد قرابة مليون يهودي مغربي في إسرائيل، ولذلك لن يتردد أي أحد في زيارة والديه أو يترحم على أجداده، المدفونين في المغرب. في السابق كان يزور المغرب ما بين 3 آلاف و 50 ألف يهودي من بلدان مختلفة، خاصة من إسرائيل وكندا وفرنسا وأمريكا، من أجل إقامة الشعائر والاحتفاء ببعض الأعياد الدينية مثل “الهيلولة” و”حالوكا” وغيرها. وأستحضر أن بعض الأحياء في مكناس، خاصة الملاح الجديد والقديم كانت تعج باليهود، إذ كان يصل عددنا إلى 18 ألف يهودي عشنا في سلام مع المسلمين، فيما بتنا حاليا 30 فردا فقط، وألفي يهودي فقط في أنحاء المغرب.

محلات “كاشير”

> بما يفكر اليهود المغاربة بعد انطلاق الرحلات المباشرة بين تل أبيب والبيضاء؟
> إننا نفكر أولا في المتدينين الذين يتناولون “كاشير”، أي الأكل الحلال، ما يتطلب فتح المئات من المحلات، المتخصصة في الأكل الحلال. الأكيد أن اليهود المغاربة سيتحمسون لمثل هذا النوع من التجارة، تماما كما يتحمسون للمجيء إلى المغرب. ولولا وباء كورونا لشاهدنا العشرات من الرحلات الجوية في أقل من أسبوع، لأن هناك عائلات ترعرعت في إسرائيل، ولديها أهل في المغرب، لهذا يحنون لزيارة مساكن آبائهم وأجدادهم في مدن مغربية مختلفة، لربط الماضي بالحاضر، ومد جسور التواصل والإخاء وحب الانتماء للمغرب.

> هل تعتقد أن عودة اليهود إلى المغرب ستدفعهم للبحث عن ممتلكاتهم المفقودة؟
> ما أظن أن يهوديا فقد ممتلكاته بالمغرب، وإن كان هناك شخص واحد فعليك أن تعرضه علي، عدا حالات قليلة جدا، وسويت بطريقة ودية وقانونية. فنحن لم نسمع يوما أن هناك من استولى على ممتلكات المغاربة اليهود، خصوصا أولئك، الذين غادروا إلى إسرائيل. كما لم تعد هناك أي دعاوى، أو قضايا تخص أملاك الفرنسيين، ممن غادروا المغرب، وأكاد أجزم بذلك بصفتي مسؤولا عن 150 عمارة في ملكية فرنسيين، منهم من غادر، دون السؤال عنها حتى، فيما آخرون مازالوا يزورونها بين حين وآخر، ولم تكن هناك أدنى مشكلة. لقد سويت بعض المشاكل البسيطة بشكل قانوني، ومن يدعي وجود ملفات معروضة على ردهات المحاكم، فهو كاذب.

> هل تحتفون بلقاء الأجيال؟
> كنت شاهدا على تخصيص احتفاء باليهود، الذين يزورون منطقتهم في المغرب رفقة أبنائهم، وأحيانا يطرق اليهودي باب منزله السابق، ويجد أخاه المسلم يفتح له الباب للترحيب به، قبل أن يتناولا الطعام معا، في جو عائلي وإنساني يشعرك بالدفء، ويحدث ذلك في أحياء الملاح، التي مازالت تروي قصصا رائعة عن التعايش السلمي بين المغاربة واليهود. لقد ورثنا أبا عن جد احترام حسن الجوار، فالجار على باب الدار وأن الجار هو “مول الدار”، وكل واحد منا عليه مساعدة الآخر، بغض النظر عن الاختلاف في الدين والعرق، وهو ما يحصل معي شخصيا، فأنا أجد المعاملة الجيدة والاحترام المتبادل من قبل المسلمين المغاربة ومختلف المؤسسات، سواء في المحاكم، أو في مخافر الشرطة. إنه التقدير والاحترام المعهودين لدى المغاربة.

بنكيران “طلع راجل”
> في نظرك، من يحتاج إلى السلام والتطبيع إسرائيل أم العرب؟
> أعتقد أن عليهما معا في حاجة إلى السلام، فإسرائيل تسعى إليه منذ فترة طويلة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الدول العربية، ولا أعتقد أن أحدا في هذا الكون لا يريد السلام في منطقة الشرق الأوسط. كما ينبغي ألا ننسى دور الولايات المتحدة الأمريكية في تثبيت السلام، ونحمد الله، أننا حققنا هذا المبتغى. أصبحت لدينا الحرية المطلقة حاليا. لا أحد يريد أن يكون على خصام مع جاره، مهما كانت الظروف، إن حسن الجوار مطلب أساسي، ومنصوص عليه من قبل جميع الديانات السماوية، فمثلا إذا حل بك مرض مفاجئ، وأنت الوحيد بمنزلك، فمن يطرق بابك؟، الأكيد جارك أولا وأخيرا، لكن للأسف هناك من لا يرغب سوى في النزاعات والتطاحنات وإشعال فتيل الدمار والخراب.

> ما انطباعك حول حكومة الإسلاميين على عهدي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني؟
> تبقى حكومة تدبر الشأن العام الوطني بغض النظر عما إذا كانت إسلامية أو غيرها، والناخبون من سيقيمون أداءها خلال الانتخابات المقبلة، مع أنني أوجه كل عبارات التقدير والاحترام لبنكيران، بعدما أظهر في خطابه الأخير الموجه إلى قادة وأطر ومناضلي حزبه، أنه رجل دولة حقا، ولا يسعني إلا أن أردد كباقي المغاربة “برافو بنكيران طلع راجل”. إن هذا السياسي جعل من المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار.
وإذا كان هناك مخالف للإعلان الثلاثي، من قبل الحزب الذي يقود الحكومة، فإنني كنت سأحزن كثيرا، لأننا مواطنون نتمتع بكامل المواطنة، ولدينا حقوق وواجبات، وأنا الذي رفضت مغادرة وطني رغم الإغراءات والامتيازات، فقط لأنني “مربي الكبدة على بلادي”.

> هل ستترشح في الانتخابات المقبلة؟
> لقد طلب مني العديد من زعماء الأحزاب الترشح من جديد في الانتخابات المقبلة، إلا أنني رفضت ذلك، لأسباب شخصية. لدي تجربة ناجحة في السابق، عندما هزمت 16 مترشحا ضمن قائمة حزبية في انتخابات 1995، وضمت حينها كبار المنافسين للاتحاد الاشتراكي والاستقلال، إذ قمت بجولة في مكناس في دائرتي للتنافس للفوز بمقعد، وأنا المترشح باسم حزب العمل، ولم أتعرض لأي مكروه من قبل الناخبين، بعضهم كان في حالة غضب، بسبب تراجع أحوالهم المعيشية، وأكثر من ذلك قاموا بتهشيم سيارات المترشحين، فيما لم تتعرض سيارتي لأي نوع من الاعتداء، مع أنني كنت ضد هذا السلوك المرفوض.

> لماذا اخترت حزبا صغيرا يظهر فقط في الانتخابات؟
> أنا لا أبحث عن تحقيق مصالح شخصية في الانتخابات، لهذا أعتبر الترشح باسم حزب دفاعا عن مصالح المواطنين فوق كل اعتبار. لست مثل بعض المترشحين، الذين يغيرون أحزابهم للفوز بمقعد ليس إلا، وكأن الغرض من الانتخابات يكمن في الإطاحة بالمنافسين دون التفكير في البرامج وتفعيلها، وخدمة المواطنين والصالح العام، ما يحز في نفسي حال مدينة مكناس التاريخية، فهي في تراجع متواصل على كافة المستويات مقارنة بمدن أخرى مثل فاس والرباط ومراكش. وأستغرب لماذا كل هذا التهميش تجاه هذه المدينة المعطاء بمآثرها التاريخية والعمرانية وموقعها الإستراتيجي، دون الاستفادة منها لجلب السياح على الأقل.

قاومت الاستعمار الفرنسي واحتجزت

> كيف انخرطت في جيش التحرير الوطني؟
> أولا، لا يسعني سوى الافتخار والاعتزاز بانتمائي إلى جيش التحرير الوطني في الخمسينات إبان فترة نفي جلالة الملك الراحل محمد الخامس. حينها كنت أمتلك محطة للبنزين «فينوفيل»، استغللتها في تخزين السلاح، وقمت بأشياء كثيرة مع بعض المناضلين، إلى حين القبض علي في الملاح الجديد بمكناس، بعد تطويقنا من قبل الأمن الفرنسي، واحتجزت لمدة ثلاث ساعات، وأتذكر أنني كنت أقطن إلى جانب شخص يدعى لوباتون، وكان صديقا مقربا لي، ولما علم بالواقعة، التحق بمركز الشرطة، فكسر بابه بعد ضربه بقوة، بحكم قوته الجسمانية، ما مكنني من الهرب إلى مقهى في ملكية جزائري، والتي اختبأت فيها الليلة كلها، دون أن يعثر الأمن الفرنسي عني، رغم أنهم سألوا عني في كل مكان دون جدوى.

> ما نوعية المساعدات التي كنت تقدمها إلى المقاومين المغاربة؟
> كنت أمنحهم البنزين والوقود والمال، إضافة إلى السيارات، التي كنت أملكها، من أجل القيام بالعمليات الفدائية، ومواجهة جيش الاحتلال الفرنسي.

> هل كان معك بعض اليهود الآخرين؟
> لم يكن هناك معي أي أحد في مكناس، بل كنت الوحيد من المغاربة اليهود، لأنني كنت صعب المراس، إلى درجة أن أبي كان يناديني « أجي آ المسلم»، فلم يكن الخوف يعرف يوما طريقه إلى قلبي، كما أن والدي أيضا كان مطمئنا على مصيري، إذ أذكر أن مولاي مسعود ذهب إلى والدي، وأخبره أنني محتجز لدى مركز الشرطة، فقال له دعه أنا متأكد أنه سيغادره.

> هل تتذكر بعض المقاومين المغاربة ممن اشتغلت رفقتهم؟
> هناك الكثير من المغاربة، الذين مازلت أتذكر أسماءهم، نظير العلمي النقابي في الاتحاد المغربي للشغل والإدريسي، الأمين العام لحزب العمل، ولدي العديد من الصور والمقالات الصحفية، التي تؤرخ للأحداث، التي كنا نقوم بها، كما أنني كنت معروفا بشكل كبير في الملاح الجديد بمكناس، ولدي صداقات كبيرة مع أعيان المدينة.

> ما الذي كنت تقوم به إبان فترة الاستعمار؟
> كنت أمتلك محطة للوقود والعديد من السيارات والدراجات النارية، التي أقدمها للمقاومين دون مقابل، من أجل القيام بأعمالهم الفدائية، ولدي صور مع محمد الكثيري، المندوب السامي للمقاومين وأعضاء جيش التحرير، التي تؤرخ للحدث، كما أنني أتوفر على بطاقة للمقاومة.

> ألم تجد مشاكل مع بعض اليهود خلال فترة المقاومة؟
> «ما بغاونيش»، لأنهم كانوا يتهمونني بحبي للمسلمين، الشيء الذي كان سببا في خلافي مع بعض الوجهاء اليهود في مكناس، كما أنني كنت أقيم حفلا سنويا، وأستدعي له أزيد من ألف شخص، وكان بعض اليهود يقاطعون الحفل، لأنني كنت أوجه الدعوة إلى المسلمين.
عشت مع المسلمين منذ صغري، وعلمت أبنائي حب الغير، وعدم الكراهية، كما أن ابني يعيش في فرنسا منذ 30 سنة، وجميع أصدقائه مغاربة، وأكثر من ذلك، هو مغربي الجنسية، ولا يتوفر على أي جنسية أخرى، مثلي تماما.

فلسطينيون وإسرائيليون”خاوة”
> نتحدث عن علاقة المغاربة اليهود بإسرائيل، لماذا كل هذا الحب الجارف في نظرك؟
> حتى أكون صادقا معكم، فالمغاربة اليهود، الذين فضلوا العودة إلى إسرائيل لم يفعلوا ذلك بمحض إرادتهم، إذ هناك من ذهب إلى إسرائيل، من أجل الدراسة، وتركوا أسرهم في المغرب، فيما غادر آخرون رفقة أبنائهم. لم يكن هؤلاء سعداء، وهم يغادرون المغرب، كما يزعم البعض، خصوصا أنهم عانوا الأمرين في إسرائيل، حيث الحياة قاسية جدا.

> لكن المغرب ظل يعاملهم مثل المسلمين، فلماذا هاجروا إذن؟
> طبعا، المغرب ليس له مثيل في العالم، ليس هناك بلد أو «كنس» في العالم مثله تماما، ولا أقول ذلك فقط لأنني مواطن مغربي، وأجدادي مدفونون فيه، كما أن أبنائي درسوا في المغرب، وأتموا دراستهم في فرنسا، حيث يعيشون منذ 25 سنة، إلا أنهم مع ذلك لم ينقطعوا عن زيارة المغرب ثلاث مرات في كل شهر، ولم ينسوا بلدهم إطلاقا، علما أنني أعيش بمفردي في مكناس، بعدما توفيت زوجتي منذ 30 سنة. ما أريد قوله، هو أن المغاربة اليهود، ممن فضلوا العيش في إسرائيل، مازالت تربطهم بالمغرب كل الأواصر، ولهم أمل الرجوع إليه يوما. والحق يقال إن الحاجة هي التي دفعت بعض اليهود إلى العودة إلى إسرائيل، أملا في حياة هادئة ومستقرة، خصوصا أنهم عانوا الفقر المدقع، والدليل أن اليهود المستقرين حاليا في المغرب جلهم ميسورون.

> في نظرك هل سيتقبل الفلسطينيون عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل؟
> أعتقد أن الفلسطينيين لن يتقبلوا الأمر بسهولة كبيرة، مع أن جلالة الملك جعل القضية الفلسطينية في مرتبة الصحراء المغربية. وأستغل هذه الفرصة لأحكي بعض التفاصيل عن إحدى زياراتي إلى تل أبيب سنة 1980، حينها وجدت أن الإسرائيليين يجلسون جنبا إلى جنب مع الفلسطينيين في المقاهي (خاوة)، بغض النظر عما إذا كانت في ملكية إسرائيلي، أو فلسطيني، وأكثر من ذلك أن هناك من كانت لديه عقود تجارية مشتركة في مجالات متعددة في تل أبيب، خصوصا في قطاع سيارات الأجرة، كما أن الفلسطينيين الأكثر عملا، واشتغالا في إسرائيل، تربطهم علاقات متينة، سواء باليهود الإسرائيليين، أو المغاربة، والجميع يعيش في سلام، وهدوء، ودون نزاعات، عكس ما يبدو للبعض. الأهم بالنسبة إلينا جميعا، هو السلام في المنطقة، وهل تدركون تأثيرات فيروس كورونا على العالم أجمع، لقد انهار الاقتصاد بسببه، بعدما أثرت على جميع القطاعات الإنتاجية والاقتصادية، ولم يعد هناك فرق بين غني وفقير، الكل سواسية، إلى حد أن المتوفين بهذا المرض يرحلون دون جنائز، كما كان عليه الحال سابقا، «آشمن حياة بقات».

شارع بتل أبيب سيحمل اسم جلالة الملك
> هناك مغاربة يهود أصبحوا في مراكز القرار في إسرائيل؟
> (مقاطعا) هناك العديد من المغاربة اليهود، الذين باتوا وزراء، وفي مناصب سامية في إسرائيل، ومنهم من كان صديقا لي، ضمنهم الدرعي، الذي كان يسكن على بعد خمسة أمتار من مقر سكناي في مكناس، وتربطني علاقة متميزة معه، إضافة إلى سبعة آخرين من أصول مغربية، لديهم علاقات وجدانية وروحية بالمغرب. سأتصل بأحد أصدقائي الوازنين في إسرائيل، وسأطلب منه إطلاق اسم جلالة الملك محمد السادس على أحد الشوارع الكبرى في تل أبيب، وسأقدم هذا الملتمس رسميا، بصفتي ممثلا للجالية اليهودية، ورئيسا لجمعية «آخر واجب»، وأحد قدماء جيش التحرير. وسترون أن هذا الطلب سيتحول إلى واقع ملموس، عندما يتم الإعلان عن ذلك قريبا، ويصبح الشارع الرئيسي في تل أبيب يحمل اسم «محمد السادس سلطان المغرب».
> هل صحيح لديك ذكرى خاصة مع الملك الحسن الثاني؟
> طبعا، عندما حضرت القصر الملكي بمراكش، أتذكر أن اللقاء حضره كذلك أزيد من خمسة آلاف مدعو، وخاطبني جلالته «تفضل مرحبا بيك»، وأضاف «هذا نهار كبير». لم أستوعب سبب التحدث إلي بمفردي دون باقي الحاضرين، واستفسرت يوما أحد الحاخامات عن سبب حديث جلالة الملك معي دون الجنرالات والأعيان المعروفين في المغرب، فرد علي «إن ذلك أمر الله».

سنعيش عصرا فنيا جديدا
> يتشبث المغاربة اليهود بإحياء تقاليدهم وعاداتهم دون أدنى مشاكل، فهل نجحتم في التعايش مع  المغاربة المسلمين؟
> لا مجال بالنسبة إلى أغلب اليهود المغاربة، للاستغناء عن تقاليدهم واحتفالاتهم، فهي جزء لا يتجزأ من تراثنا الإنساني، وأرى أن استمرارنا في  تخليد عاداتنا أكبر  دليل على أننا جزء من هذا الوطن، وأنه مرحب بنا في بلدنا المغرب، لقد عشنا فيه لعقود، وسنظل هنا إلى الأبد.

> يتوافد على المغرب، الآلاف من اليهود من أصل مغربي، للاحتفال بالأعياد، فهل تعتقد أن ذلك ينعش السياحة بالمغرب؟
> بطبيعة الحال، يعود الكثير من المغاربة اليهود، والذين اختاروا الاستقرار خارج أرض الوطن، إلى بلدهم، من أجل الاحتفال بالأعياد، وإحياء التقاليد الخاصة بذلك، وهو ما يؤثر إيجابا على السياحة في المغرب، والأكثر من ذلك، أن بعض اليهود  من جنسيات أخرى يأتون، من أجل  تخليد بعض الأعياد. ولا أعتقد أن الأمر سيعرف تغييرا، سيما أن المغاربة اليهود، متشبثون بتقاليدهم وبعاداتهم، وأن  السلطات المغربية لا تمنع ذلك، بل تحرص أن تمر الاحتفالات في أحسن الظروف. كما أن إعادة فتح الحدود بين المغرب وإسرائيل، ستعجل عودة اليهود المغاربة، بعد سنوات من الغياب، إلى بلدهم المغرب، حاملين معهم المشاريع والاستثمارات، والتي ستنعش بكل  تأكيد الاقتصاد المغربي.

> هل يمكن رؤية أسماء يهودية في الساحة الفنية بعد توقيع الاتفاقية؟
> هذا صحيح، لأن بعض الفنانين الإسرائيلين، كانوا يتخوفون من الظهور في الساحة الفنية المغربية، أو المشاركة في مهرجانات ومواعد فنية. وأعتقد أنه بعد هذا التحول، سيتغير الوضع، وسنعيش عصرا فنيا جديدا، تحت قيادة الملك محمد السادس. فالأكيد أن الفنانين اليهود سيضعون تخوفاتهم جانبا، وسيقدمون لجمهورهم المغربي أعمالهم الفنية، دون أي مشاكل وعراقيل. فالمشكل الوحيد، الذي حال دون إحياء الحفلات، احتفاء بخطوة المغرب وتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، هو انتشار فيروس كورونا المستجد، وأنا على يقين أن نسبة كبيرة من المسلمين المغاربة واليهود أيضا سعداء بهذه الخطوة، وينتظرون فقط تحسن الوضعية الوبائية، من أجل الاحتفاء.

> هناك تشابه بين الموسيقى المغربية والإسرائيلية، فهل الأمر  له علاقة  بهجرة الفنانين المغاربة اليهود إلى إسرائيل؟
> حمل بعض الفنانين المغاربة اليهود، والذين اضطروا إلى مغادرة بلدهم، أعمالهم إلى إسرائيل، حيث حرصوا على تقديمها إلى الجمهور، ضمنها أعمال تغنوا فيها بالقضية المغربية وغيرها، وهو ما يفسر العلاقة الوطيدة بين الفن المغربي والإسرائيلي، والتشابه بينهما. المغاربة اليهود محافظون على تقاليدهم ومتشبثون بها، وسيستمرون على هذا النحو، سيما بعد التغيرات الإيجابية التي عرفتها العلاقات المغربية الإسرائيلية.

في سطور
– الاسم الكامل: حاييم طوليدانو
– تاريخ ومكان الميلاد: 1940 في مكناس
– رئيس الجالية اليهودية في مكناس
– رئيس جمعية «آخر واجب»
– مقاوم في جيش التحرير الوطني
– رجل أعمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى