fbpx
خاص

حيـن حمـى المغـرب يهـوده

من محمد الخامس إلى محمد السادس تاريخ من المصالحة مع المكون العبري

لم تكن عودة فتح القنوات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، سوى تتويج لمسلسل طويل من العلاقات التاريخية بين المغرب ويهوده الذين يشكلون جالية مهمة في الدولة العبرية، ظلت على امتداد عقود على صلة وثيقة بالمملكة، باعتبارها جزءا من مكوناتها العرقية. في هذا الخاص تسافر بكم “الصباح” عبر الوثائق مع المؤرخ والباحث جامع بيضا، الذي يستعيد جوانب من محطات تاريخية أظهر فيها المغرب تمسكا صريحا برعاياه اليهود في أحلك الفترات التاريخية، وهو الأمر الذي سيتعزز خلال مرحلة الملك محمد السادس من خلال مبادرات تروم إحياء التراث والثقافة اليهودية وتجذير حضورها دستوريا وتربويا وترسيخها في الذاكرة.

إعداد: عزيز المجدوب

ظلت فئة عريضة من اليهود المغاربة ممتنة للملك الراحل محمد الخامس، على الموقف الوطني الذي اتخذه لحماية رعاياه من اليهود من مضايقات السلطات الفرنسية، خاصة خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حين أنشأت حكومة فيشي الفرنسية التابعة للنازية معتقلات لتنفيذ جزء من سياستها العنصرية تجاه اليهود.
في هذا السياق يتوقف الدكتور جامع بيضا عند تلك المرحلة مستقرئا الوثائق التي تتحدث عنها, قائلا إن نظام فيشي ظهر بعد الهزيمة التي تكبدتها فرنسا أمام ألمانيا في ماي – يونيو 1940، ,تحالف الجنرال نوغيس، ممثل فرنسا في المغرب، بعد تردد، مع هذا النظام الجديد معتبرا إياه شرعيا من الناحية القانونية.
واستحضر أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس السياق المحلي المغربي الذي اعتبره حينئذ مشحونا ببعض العناصر التي تؤهله لاستقبال بعض القوانين العرقية الصادرة في فيشي، مشيرا إلى أنه اشتدت في أوساط المعمرين الأوربيين بالمغرب، حينها، بعض التيارات السياسية اليمينية المتطرفة والمعادية للسامية. ومن ثمة، ففي أقل من عامين، نشرت الجريدة الرسمية للحماية الفرنسية ترسانة تشريعية متعلقة باليهود بمعدل لم يسبق له مثيل في البلاد.

وأثارت تلك الترسانة تساؤلات كثيرة، حسب العضو المؤسس لمجموعة الدراسة والبحث حول تاريخ اليهود بالمغرب، متصلة بالعلاقات بين الملل في البلاد، فضلا عن تكدير علاقات الانسجام بين الأقلية اليهودية والمسلمين التي دامت قرونا في دار الإسلام، في ظل سلاطين البلاد، حماة أهل الذمة. وهذا الأمر ليس بالهين خلال النصف الأول من الأربعينات من القرن العشرين حيث كان تعداد السكان اليهود بالمغرب يقدر ب 200 ألف نسمة، ضمن عدد السكان الإجمالي البالغ حوالي 8 ملايين نسمة.
وتحدث مدير مؤسسة “أرشيف المغرب” عن الخصوصية التي كان يتميز بها المغرب، مقارنة مع بقية المستعمرات الفرنسية الأخرى منها الجزائر على وجه الخصوص، وهو ما جعل السلطات الاستعمارية على وعي بأن تطبيق قوانين فيشي العنصرية على المغرب قد يثير عددا من المشاكل، بحكم أن المغرب كان من الناحية النظرية دولة ذات سيادة تحت وصاية فرنسا، وذلك بموجب معاهدة فاس لسنة 1912 .
وتبعا لذلك، فجل اليهود المغاربة لم يستفيدوا من الجنسية الفرنسية على عكس بني ملتهم في الجزائر، بل ظلوا ” رعايا” للسلطان المغربي، أمير المؤمنين. وينضاف لهذا الأمر، في إطار السياق ذاته، أن العاهل المغربي سيدي محمد بن يوسف، قد حافظ على علاقات لبقة مع المقيم العام نوغيس رغم أنه لم يعد طيعا ومستجيبا لإملاءات الإدارة الفرنسية. وسلوكه هذا يرجع إلى تبعات ” الظهير البربري” ( ماي 1930) الذي تنكر له السلطان عمليا بمجرد أن اكتشف أن مراميه هي زرع الفتنة بين “الأمازيغ” و”العرب” والذين هم جميعا من رعيته.
وفي سيناريو مشابه إلى حد ما، قام السلطان سيدي محمد بن يوسف بكل ما في وسعه للحيلولة دون تطبيق القوانين العنصرية واللاسامية على رعاياه من اليهود إبان فترة الحرب العالمية الثانية.

استقبال ملكي بفاس

في 10 غشت 1942، استقبل السلطان سيدي محمد بن يوسف بقصره بالرباط وفدا من يهود مدينة فاس، بحضور عدد من أعيان المخزن. ونظرا لما كان ينتابهم من مخاوف جراء سياسة نظام فيشي في شأن اليهود، فقد أكد لهم العاهل أنه ” في هذه الأوقات العصيبة، فإنه يولي عناية خاصة لرعاياه اليهود”. وبالمناسبة، طلب من أعضاء الوفد أن يعملوا على طمأنة اليهود المغاربة على مصيرهم. وقد كان السلطان على صواب في حديثه لأن وسائل الإعلام، خاصة منها الإذاعات الأجنبية، كانت تتناقل أخبارا مروعة عن مصير يهود أوروبا. إضافة إلى ذلك، فأحوال الجماعات اليهودية الأوروبية التي تحل بالمغرب كنقطة عبور في طريقها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا كانت لا تدعو للاطمئنان.
لقد تمت معرفة تفاصيل هذا اللقاء بين السلطان والوفد اليهودي في غشت 1944 عندما بعثت لجنة الطائفة اليهودية الفاسية بتقرير إلى المؤتمر اليهودي العالمي بنيويورك، وعلق كاتبه قائلا: ” فمثل هذه التصريحات (التي أدلى بها السلطان) تستحق أن تعرف من لدن الجميع و تلملم الجراح العميقة”.

انتفاضة السلطان

ومن الوثائق التي يستحضرها جامع بيضا برقية صادرة عن الوكالة الفرنسية للإعلام بتاريخ 24 ماي 1941 وموقعة من قبل الصحافي روني تورين René Touraine تحدث عن ” انتفاضة السلطان” ضد قوانين فيشي. ظهرت لأول مرة في 1985 ، خلال جلسة بأكاديمية المملكة المغربية، على يد المفكر والمؤرخ حاييم الزعفراني، المغربي الأصل.
ومما جاء في هذه الوثيقة المحفوظة بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بباريس”علمنا من مصادر موثوقة أن العلاقات بين سلطان المغرب والسلطات الفرنسية قد توترت توترا ملموسا منذ اليوم الذي طبقت فيه الإقامة العامة الإجراءات المتخذة ضد اليهود. فقد رفض العاهل التفريق بين رعاياه ” المخلصين”. ولما اندهش المسؤولون الفرنسيون لهذا الأمر، صرح لهم قائلا: “إن اليهود تحت حمايتي وأرفض كل أشكال التمييز بين أفراد رعيتي”. وقد كان هذا التصريح المثير موضوعا للحديث والتعليق بين السكان الفرنسيين والأهالي.

المنبهي “ينبه” البريطانيين لمواقف السلطان

في 20 يوليوز 1943، بعث عبد الرحمن المنبهي، وهو نجل المهدي المنبهي ، وزير الحربية على عهد السلطان المولى عبد العزيز، بمذكرة إلى ممثل بريطانيا العظمى بطنجة يصف فيها الأوضاع العامة في المغرب غداة مؤتمر أنفا ( يناير 1943 ). ومما جاء فيها عن حماية السلطان لليهود المغاربة قوله:
” لمدة سنتين، ناضل صاحب الجلالة وحيدا ودون مساندة مجلس مكون من وزراء متقدمين في السن، وضعاف العزيمة، وموالين للإقامة العامة. وكان العاهل المغربي يعارض بكل قواه قوانين فيشي وبرلين. وفي الأخير، لجأت حكومة فيشي إلى التهديد، وأرسلت إلى الرباط كزافيي فالا Xavier Vallat لكي يضطر السلطان إلى إصدار ظهير 5 غشت 1941 الذي هو أكثر رحمة واعتدالا بالمقارنة مع القوانين المطبقة في الجزائر وفي تونس”.
لقد تطرق السلطان نفسه لمحاولاته حماية اليهود المغاربة من وطأة التدابير العنصرية لنظام فيشي، في لقاء جمعه بيهود الصويرة ووصلت أصداؤه حتى القطر التونسي.

يهود الصويرة في حضرة السلطان

تحت هذا العنوان نقلت الجريدة ” لافوا جويف” La Voix juive ( الصوت اليهودي) ، في عددها المؤرخ في 18 ماي 1945 ، إلى قرائها خبر الاستقبال الذي خص به سيدي محمد بن يوسف وفدا يهوديا في مدينة الصويرة. ومما جاء في المقال:
” لما انتهت المقابلة وأخذ أعضاء الوفد يستعدون للمغادرة، طلب منهم السلطان البقاء في أماكنهم فخاطبهم بكلمات تفيض حرارة جاء فيها ما مضمونه: لم يتغير شيء في سلوكنا تجاه رعايانا من اليهود. فمثلما أظهر أسلافنا دائما أكبر قدر من الاهتمام نحوهم، فنحن أيضا منشغلون باستمرار بمصيرهم. لقد لاحظتم بأنفسكم هذا خلال الفترة السيئة التي مررنا بها، بحيث بذلنا جهودا لإبطاء الإجراءات المتخذة في شأنكم وتقليصها وتعديلها قدر المستطاع. لقد أمرنا ممثلينا بضمان عدم تعرض رعايانا اليهود لأي سوء. ونقول لكم: إذا ظلم أحدكم، فليسرع في الكتابة إلينا وسنحرص على إنصافه”. وبعد هذه الكلمات الطيبة، شكر الوفد السلطان بحرارة.”

شهادة روني كاسان ( 29 مارس 1949 )

بصفته رئيس الرابطة اليهودية العالمية، بعث روني كاسان رسالة إلى السلطان سيدي محمد بن يوسف بتاريخ 29 مارس 1949 ملتمسا منه منح اليهود المغاربة الحريات العامة انسجاما مع مبادئ حقوق الإنسان، وتكييف وضعيتهم مع ” مستجدات العالم العصري”. ولم يفت “كاسان” أن يذكر مخاطبه بأن أول مدرسة للرابطة اليهودية العالمية رأت النور في المغرب، وبالضبط في تطوان سنة 1862 . كما أشار إلى أن أسلاف السلطان سيدي محمد قد أحاطوا دائما رعاياهم اليهود بالعناية الفائقة ، ليضيف مومئا إلى موقف العاهل المغربي إبان الحرب العالمية:
” حتى خلال السنوات الحالكة عندما كاد الاضطهاد الوحشي لليهود يشمل إيالة جلالتكم، فإن روح العدالة والرحمة الراسخةالتي تشبثتم بها على الدوام قد جنبت رعاياكم من اليهود المخاطر التي كانت تتربص بهم.”

مقتطفات ملكية

واجب الذاكرة

“إن قراءتي للهولوكست، وقراءة شعبي لهذه المأساة، لتنأيان تماما عن تلك المقاربات، التي تعكس نوعا من أنواع الإصابة بفقدان الذاكرة.
(…)
ها هي ذي، إذن، المقومات التي تستند إليها في المغرب قراءتنا لواجب الذاكرة الذي تمليه مأساة الهولوكست.
ونظرا لما ينطوي عليه واجب الذاكرة من عمق وبعد مأساوي فريد من نوعه، فإنه يملي علينا، بقوة، ما ينبغي أن تكون عليه الملامح المعنوية والأخلاقية والسياسية لعالم الغد، وكلها عناصر ستشكل الضمانات الحقيقية لإقرار السلم، القائم على العدل والكرامة، باعتبارهما قيمتين يتم تقاسمهما على قدم المساواة ، ذلكم السلم الذي يتطلع إليه السواد الأعظم من الفلسطينيين والإسرائيليين”.
* من رسالة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة إطلاق مشروع علاء الدين في مارس 2009

معاداة السامية نقيض الحرية

“فالعنصرية، بشكل عام، ومعاداة السامية، بوجه خاص، من السلوكات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفها في خانة التعبير عن الرأي.
ذلك أن معاداة السامية هي نقيض حرية التعبير، ما دامت تنطوي على إنكار الآخر، وتشكل إقراراً بالإخفاق والقصور وعدم القدرة على التعايش. إنها النكوص إلى ماضٍ من المغالطات والأوهام ضداًّ على منطق التاريخ.
(…)
ومع ذلك، لا يمكن محاربة هذه المعضلات بالارتجال وأنصاف الحلول. فالمعركة التي تنتظرنا ليست عسكرية ولا مالية، بل هي تربوية وثقافية في الأساس، ولها عنوان : هو التربية.
(…)
تاريخ اليهود المغاربة، صانه سلاطين المغرب وملوكه، وظل شاهداً على مصير مشترك وسيرورة تاريخية، كان وما زال يعتبر “اليهود مواطنين مغاربة يتمتعون بنفس الحقوق المتساوية والكاملة، على غرار إخوانهم المسلمين”. فقد ظل التعايش بين اليهود والمسلمين سمة من سمات حياتهم اليومية، حيث درج كل منهم على النهل من معارف الآخر، والاقتباس من معين منظومته التعليمية.
* من الرسالة الملكية إلى المشاركين في قمة اليونسكو 26 شتنبر 2018

مغرب الشجاعة

(…) ففي هذا الكنيس، في قلب مدينة نيويورك ومن على مرتفعات مانهاتن، يطل علينا رمزان من رموز هذه الأمة، ألا وهما القس مارتن لوثر كينج والحاخام أبراهام جوشوا هيشل، ومن مرقدهما الخالد، ليشهدا احتفاءنا باسميهما ونضالاتهما وانتصاراتهما، من خلال تكريم جدنا المنعم، جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه.
(…) هذا هو بالضبط المغرب، مغرب الشجاعة والتشبث بأسمى القيم، الذي اخترتم تكريمه هذا المساء، من خلال تذكيركم، من مدينة نيويورك، بأن جلالة الملك محمد الخامس ورغم واقع الحماية القاسي الذي فرضته عليه فرنسا، وفي وقت كانت بدورها ترزح تحت احتلال القوات النازية، رفض رفضا تاما تطبيق القوانين العنصرية لحكومة فيشي على المواطنين اليهود المغاربة.”
* مقتطف من رسالة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة منح جائزة مارتن لوثر كينغ إلى جلالة الراحل الملك محمد الخامس في نيويورك في دجنبر 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى