fbpx
الأولى

الصايل… مهندس الصور والأحلام

رحيل سينمائي وناقد ومسؤول ناضل لإدماج الجمال والإبداع لفهم الواقع

غيب الموت مساء أول أمس (الثلاثاء)، الإعلامي والناقد السينمائي نور الدين الصايل عن عمر ناهز 72 سنة، لينضاف إلى ضحايا جائحة كورونا التي باتت تجردنا من أجمل من فينا ومن دافعوا عن قيم الجمال.
الصايل الذي وصفه الكاتب المتمرد الراحل محمد جبران، بأنه “مهندس الأحلام” والرجل الذي أدرك مبكرا الاختلال الحاصل في علاقة المغاربة بالصورة، بسبب الحجر الممنهج الذي مورس على سعة الخيال وإنتاج الصورة.
وهكذا التقط الصايل، باكرا، نسبة الشح العالية والعقم المخدوم كلما تعلق الأمر بالصورة، باعتبارها حمالة معنى، كما أدرك خطورة الصورة وبلاغتها ودلالتها وفتنتها، ويتم المغاربة في التفاعل والتلاقح بسبب الحجر الرسمي والحيلولة دون إنتاج المواطنين صورهم، التي تعكس خصوصيتهم وواقعهم، ليجد نفسه منخرطا في الصفوف الأولى لحروب الصورة وتحريرها، ويقود معارك طويلة الأمد من أجل إحداث انقلاب لخلخلة نظام الصورة الوحيدة التي يراد تسويقها والتحكم في تفاصيلها.
وفي هذا السياق قال الناقد والكاتب محمد نور الدين أفاية، في حديث مع “الصباح” إنه برحيل نورالدين الصايل تفقد الثقافة المغربية أحد أبرز من قاوم لإدماج قيم الإبداع والجمال في فهم الواقع والمجتمع والعالم في المغرب.
وأضاف أفاية، “لم يكن الصايل مجرد ناقد سينمائي. كان مربيا وأستاذا، وفاعلا تواصليا، وكان في كل ذلك مفكرا وصاحب بلاغة جاذبة. كان صوتا لا يشبهه أحد، وطريقة حضور أصيلة، وعقلا تركيبيا، وطاقة عمل جبارة. إنه من النوع الذي يترك آثارا حيثما حضر وحاضر وناقش واقترح واختلف.”
واعترف صاحب كتاب “الهوية والاختلاف” قائلا “لولاه لما وجدت نفسي أهتم بالسينما وبالكتابة عنها. واعترافي بأستاذيته جعلني، بشكل تلقائي، أهديه أول كتاب عن السينما بالمغرب بعنوان: “الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل “. وأحسب أنه كان يستحق أكثر من ذلك، حتى ولو استقرت بعض البرودة في تواصلنا بعد ذلك، فقد بقي هذا الاعتراف عندي حاضرا وما يزال، إلى أن جمعنا المجلس الأعلى للتربية والتكوين في الخمس سنوات الأخيرة لنخلق سوية مناخا فكريا وإنسانيا خاصا في اللجنة المشتركة التي اشتغلنا فيها معا. حيث كانت مناسبة لتجديد صداقتنا وتعميق العديد من القضايا الفكرية التي تحركنا.”
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط ” الصايل كان موسوعة متحركة وذاكرة خصبة لا تنضب، كان قارئا نهما، وما لا يعرفه الكثير من الناس أنه كان من أكبر المتخصصين في فلسفة فيتجنشتاين وكان يحاضر سنويا في جامعات ألمانيا عن فكر هذا الفيلسوف الذي أثر، في العديد ممن اشتغل بفلسفة السينما، ومنهم سطانلي كافيل، وغيره. فقدان هذا الرجل قاس ومحزن ولكن حضوره سيبقى حتى بعد الغياب.”
أما الزميل والناقد والسيناريست جمال الخنوسي فاعتبر الراحل الصايل “علامة فارقة في تاريخ السينما في العالم العربي وإفريقيا حيث كان له دور كبير في بزوغ نور الفن السابع بالمغرب. كما كان له شأن كبير على المستوى العربي والإفريقي. وجعل من طنجة عاصمة للسينما الوطنية وموعدا متوسطيا حقيقيا، وفي الآن ذاته جعل من خريبكة محجا إفريقيا محترما.. لقد أحب طنجة وآمن بخريبكة”.
وأضاف الخنوسي “كان الصايل رجل سينما وفلسفة ومواقف كبرى، إذ خاض المعارك بنبل كبير، وحصن السينما من الشوائب وتقلبات السياسة، وخداع النكوصيين. ودفع الثمن باهظا لأجل ذلك. لكنه بقي شامخا وعصيا على التطويع ولم تنل منه السنون شيئا.. بل نال احترام الخصوم قبل الأصدقاء وأثبت الزمن أن الرجل كان محقا في كل شيء”.
ورأى الصايل النور بطنجة التي تابع بها دراستها الثانوية، بثانوية ابن الخطيب، حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، بكلية الآداب بالرباط.
واشتغل في بداية مساره مُدرّسا لمادة الفلسفة بثانوية مولاي يوسف بالرباط، قبل أن يتم سنة 1975 تعيينه مفتشا عاما لمادة الفلسفة.
و أسس الراحل في عام 1973 الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب والتي لعبت دورا رائدا في نشر الثقافة السينمائية في المغرب، من خلال تقليد إخضاع الأعمال السينمائية للتحليل والنقاش بين الجمهور بعد المشاهدة.
وبعد مسار تلفزيوني حافل بالقناة الأولى المغربية ثم القناة التلفزية الفرنسية “كنال بلوس أوريزون”، تولى الصايل إدارة القناة الثانية (2000 ـ 2003) ثم المركز السينمائي المغربي (2003 ـ 2014) وأيضا نائبا لرئيس المهرجان الدولي للسينما بمراكش، فكانت بصمته حاضرة في جميع المناصب التي تولاها.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى