fbpx
أسواق

الاقتصاد العشوائي … جنة “النوار”

تهرب ضريبي واجتماعي بالملايير وفشل حكومي في الاحتواء

فشلت كل السياسات المعتمدة، من قبل الحكومات المتعاقبة في احتواء الأنشطة غير المهيكلة، التي تواصل أنشطتها دون الالتزام بواجباتها الضريبية وتحملاتها الاجتماعية، في وقت تتحمل فيه المقاولات المهيكلة كامل العبء الضريبي والمساهمات في أنظمة الحماية الاجتماعية.

وتمارس هاته الوحدات منافسة غير متكافئة، تدفع وحدات الإنتاج المنظمة إلى الإفلاس أو اللجوء إلى جنة «النوار»، للتهرب، بدورها، من تحملاتها القانونية، وضمان استمرار نشاطها. وهكذا، وبدل أن تتقلص دائرة الاقتصاد غير المهيكل، تزداد اتساعا، خاصة مع الظرفية الصعبة، التي يمر منها الاقتصاد الوطني.

ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن المقاربة المعتمدة حتى الآن لمعالجة الظاهرة لم تتمكن من تحقيق الأهداف المتوخاة، في وقت نجحت تجارب دولية في تقليص حجم هذه الأنشطة، على غرار التجربة التركية والشيلية.

ويعتبر اقتصاديون أن المغرب بحاجة إلى إستراتيجية جديدة، تمزج بين الإجراءات التحفيزية والمراقبة المشددة للتصدي لهذا الصنف من الأنشطة الإنتاجية، التي تكبد خزينة الدولة ملايير الدراهم من الإيرادات الضريبية، وتتسبب في إفلاس عدد من المقاولات المهيكلة، مع ضياع عشرات الآلاف من مناصب الشغل.

أنشطة تحقق 170 مليار درهم

تمثل 14 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي

فشلت كل السياسات المعتمدة من قبل الحكومات المتعاقبة الهادفة إلى إدماج الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة ضمن القطاع المهيكل. الأدهى من ذلك أن دائرة هذه المجالات آخذة في الاتساع، بل هناك وحدات مهيكلة، اضطرت بسبب الأزمات المختلفة إلى التسلل خارج القطاع المنظم.

وتهدد هذه الأنشطة الوحدات المهيكلة، بالنظر إلى أنها لا تتحمل مجموعة من الأعباء، مثل التحملات الاجتماعية للعاملين بها والواجبات الضريبية على رقم معاملاتها وعدد من الأعباء القانونية الأخرى التي تتحملها المقاولات المهيكلة، مثل احترام الحد الأدنى للأجور، في حين أن الوحدات غير المهيكلة تؤدي أجورا زهيدة لمستخدميها.

وتنشط الوحدات غير المهيكلة في مختلف القطاعات، إذ أكدت دراسة أنجزها الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب أن الأنشطة غير المهيكلة تمثل 14 % من الناتج الداخلي الإجمالي دون احتساب القطاع الفلاحي، و10 % من الواردات. وقدر معدو الدراسة الناتج الداخلي الإجمالي للقطاع غير المهيكل بما يناهز 170 مليارا، تتوزع بين أنشطة التجارة والإصلاحات، التي تساهم بحوالي 54 مليار درهم، والبناء والأشغال العمومية التي تصل حصتها إلى 22 مليار درهم، وتأتي الأنشطة الصناعية غير المهيكلة في الرتبة الثالثة بحصة في الناتج الداخلي الإجمالي غير المهيكل تصل إلى 19 مليار درهم، والوحدات غير المهيكلة بقطاع صناعة النسيج والألبسة التي يصل ناتجها الإجمالي إلى 11 مليار درهم، وأنشطة النقل الطرقي للبضائع والأشخاص والإرساليات التي تساهم بـ 11 مليار درهم. وتساهم الأنشطة المتعلقة بالفندقة والمطاعم في الإنتاج الإجمالي للقطاع غير المهيكل بما يناهز 28 مليار درهم، إضافة إلى أنشطة الغابة وإنتاج المنتوجات الخشبية التي تساهم بـ 24 مليار درهم. ويوفر القطاع غير المهيكل مليونين و 660 ألف منصب شغل، ما يمثل 41 % من إجمالي مناصب الشغل المحدثة باستثناء الأنشطة الفلاحية.

وأشارت الدراسة إلى أن عدم أداء وحدات الاقتصاد غير المهيكل لواجباتها الضريبية يجعلها أكثر تنافسية من المقاولات المنظمة، ما يعرقل قدرتها على تطوير إمكانياتها.
واعتبر الاتحاد أن الإجراءات التي اتخذت من أجل إدماج الوحدات غير المهيكلة في القطاع المنظم، سجلت بعض النتائج الإيجابية لكنها تظل غير كافية.
وقدمت «الباطرونا» مقترحاتها، بناء على تجارب بلدان أخرى، من أجل الحد من انتشار الأنشطة غير المهيكلة والعمل على إدماجها في الدورة الاقتصادية النظامية. وتتمحور مقترحات «الباطرونا» حول أربعة مرتكزات تتمثل في العمل على تعزيز وتدعيم الإجراءات التحفيزية من خلال اعتماد مقتضيات تساهم في تحسين تنافسية القطاع المهيكل، ومواكبة الوحدات في عملية الإدماج في الأنشطة المنظمة، والتصدي للأنشطة التي تعمل خارج الدورة الاقتصادية النظامية، ومحاربة التهرب.

لكن الأنشطة غير المهيكلة ما تزال تتكاثر وتدفع وحدات مهيكلة إلى السقوط في دائرة الاقتصاد غير المهيكل لعدم قدرتها على مسايرة المنافسة غير المتكافئة لهذه الأنشطة. وشكل إدماج القطاع غير المهيكل إحدى التوصيات المنبثقة عن المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات، إذ تم التنصيص على وضع سياسة شاملة ومندمجة لهذا الغرض، لكن بعد أزيد من سنة ونصف، لم تلح في الأفق تصور لمعالجة هذه الإشكالية.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى