fbpx
أسواق

التأمين … الملياني: عقد إذعان مجحف

الناشط المدني طالب بتصحيح العلاقة غير المتوازنة بين طرفي عقد التأمين

أكد ادريس الملياني، الناشط في العصبة المغربية لحماية المستهلك، أن عقد التأمين من عقود الإذعان، التي يكون الطرف المؤمن له في وضعية خضوع للشروط التي يمليها عليه الطرف المؤمن، الذي يتمتع بمركز قانوني قوي، مقابل مركز ضعيف لشخص يكون في الكثير من الأحيان قليل الخبرة والتجربة أو الكفاءة. في ما يلي نص الحوار:

< كيف تعرفون عقدا بين الزبون وشركات التأمين، وما هي خصائصه؟
< حظي عقد التأمين بتعريفات متعددة اختلفت باختلاف الزاوية، التي ينظر منها إليه بين ما هو قانوني، وما هو فني، لكنها عموما تمحورت حول اعتباره " عقدا يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغا من المال أو أي عوض مالي، عند وقوع الحادث أو تحقق الخطر المحدد في العقد، مقابل قسط للتأمين يؤديه المؤمن له للمؤمن".
انطلاقا من هذا التعريف، يتضح أن عقد التأمين يكتسي مجموعة من الخصائص، أهمها أنه من عقود الإذعان التي يكون الطرف المؤمن له في وضعية خضوع للشروط التي يمليها عليه الطرف المؤمن، الذي يتمتع بمركز قانوني قوي، مقابل مركز ضعيف لشخص يكون في الكثير من الأحيان قليل الخبرة والتجربة أو الكفاءة.
من هذا المنطلق، تتبلور الإشكالية الحقيقية في عقود التأمين، والمتمثلة في أي حماية قانونية لمركز المؤمن له في عقد التأمين، باعتباره طرفا ضعيفا مقابل مركز قوي للطرف المؤمن.

< ما هي الآليات الكفيلة بإعادة التوازن والإنصاف للمؤمن له باعتباره مستهلكا محدود الخيارات والبدائل؟
< تعرض العديد من القضايا والشكايات على المحاكم، تتعلق بالنزاعات المترتبة عن تطبيق عقود التأمين، والتي تتوزع بين تلك التي يتقدم بها المؤمن له طرفا متضررا من عقد التأمين، الذي يعتبره صيغة فوقية فرضت عليه منذ بداية التعاقد، إذ يشتكي من صعوبة فهمه وإدراكه، ولبس صياغته، وأحيانا سرعة إبرامه، للضرورات التي فرضها المشرع كإجبارية تأمين العربات، وتأمين العقارات موضوع القروض البنكية وغيرها من التأمينات. وأحيانا يفاجأ بتردي الخدمات وصعوبة الولوج والحصول على التعويضات المقررة، التي تتطلب سلك مساطر طويلة، وحتى بعد التوصل بها تكون هزيلة وغير متناسبة مع حجم المساهمات والأقساط المدفوعة.

< ما هي المبررات التي تتذرع بها شركات التأمين في متابعة المؤمنين أمام المحاكم؟
< الدعاوى المرفوعة من قبل شركات التأمين بصفتها الجهة المؤمنة، في تزايد مستمر، بالنظر لعدم قدرة المؤمن لهم على الوفاء بالالتزامات المضمنة في بنود عقود التأمين، التي تكون في الكثير من الأحيان مجحفة وذات قسمة "ضيزى".
لقد أصبح الرهان كبيرا على دور المجتمع المدني، خصوصا جمعيات حماية المستهلك، من أجل الدفع باتجاه تصحيح العلاقة غير المتوازنة التي تربط طرفي عقد التأمين، فالموقع الهش الذي يتموقع فيه المؤمن له، أمام القوة الضاربة لشركات التأمين، التي ما فتئ يتوسع هامش صلاحياتها القانونية، وتراكم امتيازاتها، وما يعنيه من حصد أرباح بالملايير، تكون في كثير من الأحيان مبالغا فيها.
والأكيد أن ما يتيحه قانون حماية المستهلك بموجب القانون رقم 31.08 يجب استثماره في ضمان حماية حقيقية للمؤمن له، والدفاع عن قضاياه، وهو ما يستدعي أساسا إعادة النظر في مجموعة من القوانين المؤطرة للتأمين بشتى أنواعه، وعلى رأسها ظهير 2 أكتوبر 1984، الذي أصبح لا يستجيب للمستجدات والحركية الدؤوبة، التي يعرفها مجال التأمين عن حوادث السير.

< ما هي في رأيكم المشاكل التي تعترض المؤمن في سعيه لضمان حقوقه؟
< إن الملاحظ هو طول المساطر المعتمدة، من أجل استحقاق التعويض وتعقيدها، ففي حال تعرض الشخص لحادثة سير، يجد نفسه أمام طول أجل المساطر القضائية من حيث كثرة الجلسات، وإشكاليات التبليغات، إضافة إلى أنه في حال الحكم لصالح المصاب، يواجه معضلة بطء التنفيذ، مع تحميله المصاريف القضائية ومصاريف المحامي، ما  يضطره في آخر المطاف إلى سلوك مسطرة الصلح في هذا النوع من القضايا. وأمام موقع قوة شركة التأمين، يضطر المصاب إلى التخلي عن جزء من التعويض لتسريع المسطرة، ما يفرغ هذا الظهير من طابع الحماية الاجتماعية للمتقاضين .
كما يجب تغيير غياب العنصر الإنساني في استحقاق التعويض، حيث يتم استحضار مفهوم الكسب المهني  والأجر أو الحد الأدنى للآجر في إطار استحقاق التعويض، دون النظر إلى البعد الإنساني للمصاب، وهي الوضعية التي تعطي في بعض الأحيان تعويضات هزيلة في حال فقدان أحد الأبناء غير المنفقين.
لذلك أرى أنه بات من الواجب تبني مقاربة قانونية اجتماعية تعكس بجد روح وفلسفة الأمن القانوني، الذي يحقق الإنصاف والعدالة عوض مقاربة اقتصادية حسابية متوحشة ذات أفق ضيق أثبتت محدوديتها من خلال الممارسة العملية.

< غالبا ما يتضمن عقد التأمين شروطا مجحفة للمستهلك. ما هي شروط التوازن المفروض في العقد؟
< إن عقد التأمين يعتبر من عقود الإذعان، الذي هو عقد صحيح كامل الأركان، إذ لا يتعرض أي من طرفيه للغش أو التدليس، ولكن يكون هناك طرف قوي في العقد يفرض شروطه على الطرف الضعيف، الذي لا يملك إلا أن يقبلها. وهناك أمثلة كثيرة، فخدمات التأمين تضع شروطها مسبقا مع طالب الخدمة الذي ليست له إمكانية مناقشة بنود العقود، بل فقط التوقيع عليها، أو رفض الشروط، وبالتالي حرمانه من الخدمة.
وهذه العقود جاهزة وفق بنود وشروط موضوعة مسبقا، وتكون فيها اليد العليا للطرف القوي، أي الشركة، ولا يجد الطرف الضعيف المستهلك ما يتمسك به عند وقوع الخلاف أو عدم حصوله على الخدمة كاملة، وفق ما تم التسويق له في وسائل الإعلان.
من هذه الزاوية، نرى أن إرادة الطرف الضعيف، وهو المستهلك، ليست إرادة حرة كاملة، لأنه لا يمكنه مناقشة بنود العقد، بل هي مفروضة عليه مسبقا، وتحت ضغط الحاجة إليها يقوم بالموافقة والتوقيع، دون رضاء كامل بشروط العقد.

دور جمعيات حماية المستهلك
الجمعيات التي تعنى بشؤون المستهلك تستطيع لعب دور المستشار القانوني لكل مستهلك يود التعاقد لنيل خدمة، كما أن الضرورة تقتضي منحها حق التفاوض القبلي في العقود الوطنية والدولية، لأنها تتوفر على الأطر المكونة والقادرة على فرض الحد الأدنى من التوازن في العلاقات التعاقدية، التي من المفروض أنها تفيد المستهلك بدل استعماله وسيلة لجلب الربح.
وخلاصة القول، إن الوضع الراهن يشهد على وضعية مزرية للمستهلك في مجال التعاقد، ويظل عدم تطبيق القانون أول مساهم في هذا الضعف، بالإضافة إلى غياب روح المواطنة لدى أغلب الشركات.

أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى