fbpx
حوار

بنسعيد: الوطن أرحم بأبنائه الصحراويين

شيخ اليسار قال إن دق طبول الحرب مرفوض والصحراء نقطة وصل نحو المستقبل المشترك

أكد محمد بنسعيد أيت يدر، قائد جيش التحرير وشيخ اليساريين المغاربة أن مأزق الكركرات يضر بالمصالح الحيوية للمغرب وللشعب الموريتاني، ويعرقل سيولة تدفق البضائع والتجارة بين موريتانيا والمغرب، والدول الإفريقية.
ودعا بنسعيد في حوار مع “الصباح” إلى وقف دق طبول الحرب، وتغليب صوت العقل لصيانة المصالح الإستراتيجية المشتركة، موضحا أن الموقف المغربي يفتح الأبواب للحوار السياسي، لكن أوضاع الجزائر ما زالت غير مساعدة على بناء الثقة بالحوار الثنائي، تمهيدا لحوار مغاربي مثمر. في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار: برحو بوزياني- تصوير: أحمد جرفي

> كشفت أزمة الكركرات أن حل النزاع رهين بإنهاء توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب. كيف تنظرون إلى الوضع، في ظل دق الجزائر طبول الحرب؟
> إن أزمة معبر الكركرات ليست إلا النقطة التي أفاضت الكأس، فعوامل التوتر موجودة منذ عقود، تخفت حينا وتتضخم أحيانا أخرى. وقد كنا في مركز محمد بنسعيد للأبحاث والدراسات، واعين بخطورتها من جهة، وبإمكانية تجاوزها من جهة ثانية، بالثقة المتبادلة وبالحوار المباشر، وبفتح الأفق المغاربي المحتضن لكل أبنائه، والمتجاوب مع إرادات الشعوب المغاربية.
إن مشكل معبر الكركرات، ليس إلا “القشة التي قصمت ظهر البعير” كما يقال، وهو بؤرة استغلتها جبهة بوليساريو بهدف الضغط على المغرب أولا، والخروج من وضعية الانتظار الطويل ثانيا، والسعي ثالثا إلى إحراج المغرب دوليا.
والحال أن ما وقع، لم يكن يضر بالمغرب فقط، وإنما بصورة الأمم المتحدة، وممثليها في “مينورسو”، الذين سمحوا عبر امتداد السنوات، بتجاوزات كثيرة.

> كيف رأيتم تدخل الجيش لإعادة الوضع إلى طبيعته؟
> إن مأزق الكركرات يضرب المصالح الحيوية للشعب الموريتاني، ويعرقل سيولة تدفق البضائع والتجارة بين موريتانيا والمغرب، في الوقت نفسه الذي أصبح يضر بمصالح بعض الدول الإفريقية، فضلا عن الضرر الفادح بمصالح المغرب. إن الأمر لا يتعلق بإغلاق معبر بسيط، وإنما بمصالح حيوية، وبصورة دول المنطقة، وبوضع سياسي وجغرافي مهم.
لكل ذلك، جاء تدخل الجيش المغربي لتصحيح الوضع، وإرجاع الأمور إلى نصابها دون إراقة دماء، علما أن باب التفاوض والحوار يبقى دوما مفتوحا، ويلزم أن تكون الحكمة سيدة الموقف، لأن صحراويي تندوف هم أبناؤنا وبناتنا، ولا نريد بهم شرا، ووطنهم أرحم عليهم من الغير.
كما أن وطنهم الأم فاتح ذراعيه لاحتضانهم، وإيقاف مآسيهم اليومية، وباب الحوار هو مدخل الحل الديمقراطي، الذي يضمن المستقبل المريح لكل الأطراف.

> لكن الجزائر ومعها بوليساريو تتحدثان عن حرب…
> دق طبول الحرب مسألة مرفوضة، ونسعى بكل الأشكال وفي كل المناسبات، إلى أن نرفع الصوت عاليا، من أجل تغليب صوت العقل لصيانة المصالح الاستراتيجية المشتركة.
وسبق لنا في المركز، على مدى سنوات أن أصدرنا نداءات متوالية مع شخصيات مؤثرة في الفضاء المغاربي، كما أطلقنا عرائض وقعتها مئات المواطنات والمواطنين من المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، ولن نيأس أبدا من مواجهة نذر الحرب بكل الوسائل، لأننا ندرك مآسيها وأهوالها ونتائجها الكارثية على شعوب المنطقة أولا وعلى إفريقيا ما وراء الصحراء وأوربا من جهة ثانية.

> ما هو تصوركم لحل النزاع المفتعل، في ظل إصرار النظام الجزائري على خطاب منغلق على الماضي، وضد مستقبل الشعوب؟
> إني مع المؤمنين بأن قضية الصحراء مفتعلة، ودخلت في تعقيدها العديد من العوامل المتشابكة. وتعقيد وضعيتها لا يرجع إلى طبيعتها فقط، وإنما يعود أيضا إلى امتدادات صراع الحدود الذي لم نكن نتصور وقوعه قبل استقلال الجزائر.
ولذلك، فإن حل قضية الصحراء يتطلب، في جزء كبير منه، تصفية الأجواء، وتجاوز الأحقاد بين نظامي الجزائر والمغرب. أما الشعبان، فبينهما من الأواصر ما لا يحصى، والعلاقات الشعبية مازالت وستبقى ممتدة، لأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا مؤقتا.
لكن توتر العلاقة بين المغرب والجزائر يعيق بناء المغرب العربي
يؤثر توتر العلاقة بين المغرب والجزائر بشكل كبير على مشروع بناء المغرب الكبير، الذي تتطلع إليه الشعوب المغاربية بلهفة كبيرة، وتسنده المصالح المشتركة للدول الخمس، في الوقت الذي نعتبر أنه الإطار القادر على أن يستوعب كل المشاكل، ويجد لها حلولا عملية وفي مقدمتها مشكلة الصحراء.
لهذه الأسباب وغيرها، أكدنا غير ما مرة أن الصحراء يمكن أن تكون قنطرة وصل، بدل أن تكون عامل فصل وبؤرة توتر.
وانطلاقا من الوعي بأهمية المستقبل المشترك، نؤمن ومعنا مناضلات ومناضلون كثر من موريتانيا وليبيا وتونس والجزائر والمغرب بأن الحل ممكن في الإطار المغاربي.
> لماذا ترفض الجزائر الحوار؟
> إن الموقف المغربي يفتح الأبواب للحوار السياسي مع الجزائر، لكن أوضاع الجارة الشرقية ما زالت غير مساعدة على بناء الثقة بالحوار الثنائي، تمهيدا لحوار مغاربي مثمر. ونعتقد أن النخب الجزائرية من كل المستويات الثقافية والمدنية والسياسية وفي العديد من مواقع الفعل، تؤمن إيمانا راسخا بوحدة الشعوب المغاربية، وتؤمن بعمق الروابط الأخوية بين الشعبين المغربي والجزائري. كما تؤمن معنا بأن حل المشاكل، سيتم في إطار هذه الوحدة التي طال انتظارها.
ويلزم التأكيد مرة أخرى أن جسور الثقة المتبادلة لابد أن تبدأ من التوقيف الفوري لحملات التضخيم والتضليل الإعلامي، وهي حملات مرفوضة، لأنها تسمم الأجواء، وتحقن الأجيال بجرعات مسمومة من الحقد سيتضرر منه المستقبل كثيرا.

زيارة بان كيمون شحنت الأجواء
إن مبادرة المركز بتنظيم مناظرة دولية حول قضية الصحراء بحضور كافة الأطراف المعنية بالملف، لم تكن فكرة عابرة، أو نزوة شاردة، وإنما كانت بنت تفكير عميق، ونتيجة استشارات موسعة داخل المغرب وخارجه. وقد كانت زياراتنا إلى البلدان المغاربية، خاصة الجزائر (مرتين) ثم تونس وموريتانيا موفقة وواعدة بنجاح المناظرة التي رتبنا لها كل المستلزمات، غير أن مخلفات زيارة بان كيمون، الأمين العام السابق لتندوف، وردود الأفعال المتنوعة، أجهضت المشروع، وشحنت الأجواء، ما دفع بعض الجهات إلى التخلي عن مسؤولياتها المعلنة، فكان التأجيل جوابا حتميا.
واليوم ما زلنا نؤمن بمشروعنا، بل إن الأزمة الحالية، ونذر الحرب الطاغية على السطح، تظهر صواب مشروعنا، وحاجة المنطقة إليه، للتعاون من أجل المستقبل. وسنصدر في الأسابيع المقبلة كتابا بلغات عديدة يتضمن العديد من وجهات النظر والعديد من الطروحات التي تؤكد بأن حلا مغاربيا ممكن لقضية الصحراء.
ولهذا، أؤكد لكم أننا لن نتخلى عن مشروع الندوة الدولية، ونحن متشبثون به، ربما سنغير الطريق والحجم والشكل، ولكن الفكرة الجوهرية لن نغيرها ولن نتخلى عنها أبدا، لأنها تندرج في صلب مسؤولياتنا، وواجباتنا تجاه الوطن وتجاه شعوبنا المغاربية التي نحن معنيون بمستقبلها ومستقبل أجيالها المقبلة.

خيار الحرب لا مستقبل له
إن علاقاتي الشخصية وكذا علاقات العديد من المناضلين المغاربة والمناضلات مع رموز ومناضلين ومفكرين ومثقفين من الجزائر أولا، التي عشت فيها فترة هامة وغنية من حياتي، ثم من تونس وموريتانيا وليبيا، هي علاقات متينة وقوية ومتشعبة، تغذيها اللقاءات التي تنظم في هذه الأقطار، من قبل فعاليات وهيآت تؤمن بالتاريخ المشترك المغاربي، وبالمصير والمستقبل المشتركين. ولهذا، فأنا لا أدخر أي جهد من أجل الحفاظ على هذه العلاقات وتوظيفها لمصلحة الشعوب، ومستقبل أجيالها القادمة. وأملي أن نوفق قريبا في إيجاد الحل الديمقراطي، الذي تتيحه الذكاءات المغاربية، والفضاء المغاربي الرحب.
وأؤكد لكم بأن الأوطان المغاربية تزخر بكفاءات سياسية ونقابية وحقوقية وثقافية تؤمن بمشروع الفضاء المغاربي، وساهمت بجد ومسؤولية في إنجاز العديد من الدراسات المدعمة للمصالح المشتركة في الوحدة. إن الوحدة المغاربية هي القادرة وحدها على حل كل المشاكل، خاصة مشكل الصحراء، أما خيار الحرب فلا مستقبل له.

دعوة النخب المغاربية للتحرك
لا بد أن أوجه نداء حارا ومستعجلا إلى النخب المثقفة المغاربية لتخرج من جحورها، وأن تلعب الأدوار المطلوبة منها، وأن تتحمل مسؤوليتها، وعلى المكونات السياسية أن تنفتح على بعضها في الدول المغاربية، لتيسير سبل الحوار المطلوب، وللضغط على الحكام، لتسريع وتيرة الحوار والتعاون وإيجاد الحلول الممكنة، تلك الحلول التي تتجاوب مع تطلعات الشعوب في الوحدة والتعاون والتكامل. ولتكن البداية، بوقف الحملات الإعلامية، التي تسمم الأجواء، لأن بناء المستقبل يستلزم الثقة أولا.

الثقة المتبادلة أولا
إن أهم الضمانات التي يوفرها “نداء الوطن غفور رحيم”، تبدأ بالثقة المتبادلة في المستقبل والإيمان بالوطن المحتضن لكل أبنائه وبناته. والثقة هي الصخرة التي ستتكسر عليها كل العراقيل وكل الأوهام، وستتبدد معها كل التخوفات من الآخر ومن المستقبل.
إنني أعتقد بأن إخواننا في تندوف، إذا ما كرمانهم وطمأناهم وتركناهم لضمائرهم، لن يكونوا إلا أوفياء لما كان عليه آباؤهم الذين خبرناهم في التجاوب الكبير مع جيش التحرير بالجنوب.
إن أطر الصحراء قادرة بذكائها الجماعي، سواء داخل الوطن أو في تندوف، على أن تتفاعل بينها بشكل إيجابي، ولهذا وجب إحياء زيارات الأسر وتثبيت الثقة المتبادلة.
وأرى أن الأطر الصحراوية التي اختارت منذ البداية، أو بعد حين، الالتحاق بوطنها، بإمكانها فتح جسور الحوار مع إخوانها وأقربائها في تندوف وغيرها، وأن تساعد على استئناف الحوار. ومن المستعجل اليوم أن يتطور الاجتهاد المغاربي في إبداع صيغ جديدة ومبدعة للحوار المطلوب بين أبناء الوطن الواحد، وأن نوسع الجلباب المغاربي، ليرجع إلى سابق عهده محتضنا للجميع.

دور موريتاني مهم
أنا أعرف جيدا إخوتنا الموريتانيين، وأعرف جيدا تشبثهم بعلاقاتهم المتميزة مع المغاربة والمغرب، باعتباره فضاءهم الطبيعي للامتداد. وكانت لي علاقات متميزة مع رموز موريتانية مثل الأمير فال ولد عمير، والزعيم حرمة ولد بابانا.
وأعتقد أن العلاقات المغربية الموريتانية ضاربة في أعماق الجذور، وهي واعدة بالمستقبل الزاهر. ومعبر الكركرات ليس إلا صورة تظهر لنا تشابك المصالح، كما توضح، لمن يحتاج إلى دليل، قوة وتشابك الشرايين الواصلة بين البلدين.
ونحن على صلة وثيقة مع إخوة أعزاء لنا في موريتانيا، وهناك نخب سياسية ومثقفة تتطلع إلى فضاء مغاربي تتحسن فيه العلاقات بين الشعوب كلها. وقد لمس مسؤولو المركز خلال زيارتهم إلى موريتانيا اهتماما كبيرا لدى النخب والقيادات الموريتانية التي تتطلع إلى حل لملف الصحراء بالحوار المثمر.
وخلال لقاءاتنا مع العديد من النخب التي تزورنا، تأكد لنا أن العلاقات ما بين الموريتانيين وجبهة بوليساريو وثيقة وقوية، ويمكن أن يلعب الموريتانيون دورا هاما في الحوار، إذا ما ترك الخيار المستقل لإخوتنا في تندوف، وإذا ما كان مستقبل الشعوب هو الجوهر وراحة المواطنات والمواطنين هي المراد والمبتغى.
وختاما أؤكد لكم أن الحل المغاربي للقضية ممكن جدا، إذا توثقت الثقة المشتركة، وتعمقت العزيمة على الخروج من دوائر الضغط الدولي، مهما كانت مصادرها، وهي ضغوطات قوية، ولكن عزيمة الشعوب المغاربية أقوى. وسيرى الجميع أن الصحراء بامتداداتها، قادرة على أن تكون لحمة شعوب المنطقة، وقنطرة وصل نحو المستقبل المشترك، مستقبل التعاون والتآزر والتكامل.

في سطور
– ولد بقرية تينمنصور باشتوكة آيت باها في 1925
– تلقى تعليمه بمدارس سوس العتيقة والتقى بالفقيه محمد المختار السوسي
– تابع دراسته بمدرسة ابن يوسف بمراكش وانفتح على العمل الوطني رفقة عبد الله إبراهيم وعبد القادر حسن والمهدي بن بركة.
– شارك في قيادة فرق جيش التحرير وتكوين خلايا المقاومة.
– تعرض للاعتقال في بداية الاستقلال في 1960 و1963، مع عدد من أطر المقاومة وجيش التحرير.
– حكم عليه بالإعدام غيابيا ولجأ إلى المنفى بالجزائر، ثم انتقل إلى فرنسا، ليساهم في تأسيس منظمة 23 مارس.
– بعد عودته إلى المغرب في 1983، أسس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وتولى مهمة أمينها العام.
– انتخب نائباً في البرلمان عن منطقة شتوكة آيت باها لـ 23 سنة
– ساهم في 1992 في تأسيس الكتلة الديمقراطية 
– شارك في توحيد شتات اليسار في 2002 بتأسيس حزب اليسار الاشتراكي الموحد وبعده الحزب الاشتراكي الموحد
– رئيس مركز محمد بنسعيد للأبحاث والدراسات
– صدرت له *صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي
*هكذا تكلم محمد بنسعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى