fbpx
ملف الصباح

المتسولون … “الـــزمـــن دوار”

متعلمون و”أبناء عائلة”اضطرتهم ظروف الجائحة للوقوف في طابور التسول أمام البنوك والمحلات

“الله يخليك”، “سمح ليا نهضر معاك”، جملتان من ضمن أخرى، دخلت قاموس التسول في شوارع البيضاء في الأشهر الأخيرة، ومرددوها أبطال جدد أسقطتهم ظروف كورونا في سوق التسول، يحاولون استجداء المواطنين وكسب تعاطفهم، بلغة تطغى عليها “الشياكة” والأناقة، عكس المتسولين التقليديين.

أمام وكالات البنوك وفروع شركات بيع الأغذية والمواد الاستهلاكية، ظهرت فئة جديدة من المتسولين في غفلة من الجميع، بعدما كانوا يحظون بالعيش الكريم والكفاف والعفاف، أصبحوا مضطرين لبسط أيديهم، وطلب الصدقة و”البقشيش”، من فئة أخرى ما تزال محافظة على توازنها المالي، الذي فقده كثيرون في زمن جائحة كورونا، والتي قضت على أرزاق كثيرين.

مشاهد محزنة

وفقا للأرقام الرسمية التي أعلنت عنها مؤسسات حكومية كثيرة، فإن عدد الوظائف التي ابتلعتها جائحة كورونا قارب مليون منصب شغل، ومن أصحابها من انتقل لممارسة عمل آخر، وآخرون ارتموا في حضن مهن القطاع غير المهيكل، وأما فئة أخرى فلم تجد سوى حبل التسول، لتعلق عليه آمالها في الحصول على دراهم قليلة، لتأمين لقمة العيش ولو بشكل نسبي
يمكن للشخص أن يميز المتسولين الجدد بسهولة كبيرة، فرغم أنهم يختلطون أحيانا مع جماعات من المتسولين، إلا أنهم لا يشبهون النوع الذي جعل من التسول مهنة دائمة، وحقق منها ثروات واشترى العقارات، بل على النقيض، تجد هذه الفئة تمد يدها بتردد كبير، وتخشى ردة فعل الشخص، إذ يتسولون بلغة أنيقة ومنمقة، كما أنها غير احترافية بالمرة، فأحيانا تخونهم الثقة والذاكرة في ترديد اللازمة التي يستعملونها في التسول، وأحيانا أخرى يسهبون في الحديث عن مآسيهم، عكس باقي المتسولين.

سراب الثقة

بالنسبة إلى محمد (اسم مستعار)، الذي قبل أن يروي قصته لـ “الصباح”، وكيف تحول إلى متسول، بعدما كان يعيش حياة “مستورة”، كما يحلو له أن يعبر عن وضعه الاجتماعي قبل هبوب رياح الجائحة، فإن “من يثق في المستقبل، فإنه يثق في السراب، ومن يدعي أنه مستقل فعليه أن يعيد النظر في قناعاته”.

“كل شيء جرى بسرعة خاطفة”، يضيف محمد، بنبرة يطبعها الانكسار ومشاعر الانخداع، ويقول هذا الشاب الذي يطل على عقده الرابع، إنه كان يشتغل لحساب شركة بالبيضاء، تعمل في الميدان السياحي والفندقي، ولم يكن مسجلا ضمن قائمة موظفيها، بل متعاقدا مع شركة مناولة، وهو ما حرمه من الاستفادة من تعويضات الحكومة للمنقطعين عن العمل في الميدان السياحي.

ويشير محمد، أنه لم يتابع صاحب المقاولة الذي سرحه رفقة عمال آخرين، بدعوى الأزمة الاقتصادية، بل اختار البحث عن مورد رزق آخر، وعدم تضييع وقته في ردهات المحاكم، حسب تعبيره. وكشف محمد، أنه يبحث عن الرزق أينما كان، وعمل في مهن كثيرة منذ تطبيق الحجر الصحي إلى الآن، وأنه أحيانا يضطر إلى التسول واستعطاف الناس من أجل الحصول على دراهم قليلة، مبرزا أنه يعاني ضغوطا نفسية كبيرة، نتيجة التحول الكبير في وضعه الاجتماعي، موضحا أن بعض الناس يخافون منه، ويعتقدون أنه “نصاب”، لأن ملابسه أنيقة، ولا تبدو عليه علامات التشرد، ويستغربون كيف لشخص مثله أن يطلب منهم الصدقة.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى