fbpx
ملف الصباح

الكحل: المال والجنس والسلطة لاستمالة المتطرفين

الكحل: الخطاب الغالب في مواقع التواصل الاجتماعي خطاب تطرف وغلو وكراهية

قال سعيد الكحل، الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، إن المتطرفين يبدعون في آليات الاستقطاب وتنويعها تبعا للمستوى التعليمي للمستهدفين، أو جوانبهم النفسية، أو اهتماماتهم، أو المشاكل الاجتماعية، التي يعيشونها، أو طموحاتهم المحبَطة أو غرائزهم المكبوتة، داعيا الدولة إلى حماية المثقفين، ليس فقط من العنف المادي الذي يتعرضون له، بل أيضا من التحريض والتكفير.
> كيف فضحت مواقع التواصل الاجتماعي التشدد الكامن في المجتمع ؟
> في الواقع مواقع التواصل الاجتماعي سيف ذو حدين ولعبت دورين رئيسيين في هذا الإطار، فهي من جهة تكشف عن مدى تغلغل فكر التطرف والكراهية في المجتمع، فما أن ينشر أي شخص تنويري تدوينة أو مقالا، حتى يخرج المتطرفون من شاشات حواسيبهم أو هواتفهم بتعاليق تقطر تطرفا وكراهية وتحريضا على العنف .
والخطير في الأمر أن هؤلاء المتطرفين ليسوا جميعهم أعضاء في التنظيمات المتطرفة، ولا موالين لها، لكنهم يحملون خطابها ويروجون عقائدها التكفيرية، فالمواقع الاجتماعية تمنح مجالا أوسع للتعبير عن الآراء والمواقف التي ينهل أغلبها من حقل التطرف.
الدور الثاني الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي هو دور الاستقطاب، إذ تستغل التنظيمات المتطرفة في نشر عقائدها واستدراج الشباب إلى شراكها، بعد ذلك يتم تجنيدهم باعتبارهم إرهابيين، فالتنظيمات الإرهابية تستقطب 75 في المائة من عناصرها عبر شبكة الأنترنيت.
من هنا تظهر خطورة اعتماد التنظيمات المتطرفة على شبكة الأنترنيت وتجاوز الطرق التقليدية في الاستقطاب. وتكفي الإشارة هنا إلى عنصر المفاجأة التي عبر عنها أفراد أسر العناصر الإرهابية التي يتم تفكيكها في المغرب، فالأسر لم تكن تتوقع أن يتحول أبناؤها إلى إرهابيين وهم لم يغادروا مدنهم ولا رافقوا شيوخ التطرف ودعاة الإرهاب. طبعا لم تعد المساجد العلنية أو السرية المكان الوحيد للاستقطاب، بل بات الشيوخ ودعاة التطرف والكراهية يدخلون كل البيوت عبر شبكة الأنترنيت.

>   كيف ترى تنامي خطاب الكراهية والعنف عبر هذه المواقع؟
> لا شك أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت كل متطرف يلعب دور شيخه في ترويج عقائد الكراهية والتكفير والتحريض على العنف، إذ لم يعد أمر الترويج مقتصرا على شيوخ التطرف، بل بات في متناول أي عنصر، حتى وإن كان مبتدئا في مجال التطرف، إذ يكفيه قليل من البضاعة المتوفرة في شبكة الأنترنيت، ليعيد نشرها والتعليق بها على المنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي.
وباعتبار الخطاب الغالب في مواقع التواصل الاجتماعي خطاب تطرف وغلو وكراهية، فإن تأثيره على عقول الأطفال والشباب يكون أقوى. والأدهى والأخطر هو أن فئة لا يستهان بها من نساء ورجال التعليم باتت ضحية عقائد التطرف وناشرة لها، سواء وسط التلاميذ أو على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا يثبت كيف صارت صناعة رأي عام متشبع بالتطرف والكراهية ممكنة وسهلة بالنسبة إلى التنظيمات الإسلامية والمتطرفة.

> كيف يمكن مواجهة آليات الاستقطاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي ؟
> آليات الاستقطاب متنوعة ويبدع المتطرفون في تنويعها تبعا للمستوى التعليمي للمستهدفين أو جوانبهم النفسية أو اهتماماتهم أو المشاكل الاجتماعية التي يعيشونها أو طموحاتهم المحبَطة أو غرائزهم المكبوتة، فالتنظيمات المتطرفة تستعمل وسائل الإغراء بالمال والجنس والسلطة والسلاح في استقطاب الشباب. لذا فمواجهة هذه الأساليب والخطط مسؤولية الجميع بدءا من الأسرة التي هي مطالبة بمراقبة تصرفات أبنائها على مستوى السلوك واللباس ولغة التخاطب، فهذه الجوانب تعكس مباشرة بداية التطرف ومستوياته لدى الأبناء.
والمطلوب من الآباء والأمهات تدارك أبنائهم قبل أن يجرفهم تيار التطرف، فالالتزام بالتدين المبالغ فيه عبر تبني قاموس التحريم لما هو معتاد في سلوك الناس أو أفكارهم أو التدخل في نوعية البرامج التلفزيونية أو فرض بعضها على أفراد الأسرة أو الشروع في ارتداء ألبسة شبيهة بألبسة المتطرفين .. كلها مؤشرات على الأسرة أن تنتبه إليها، وتدرك أن أبناءها يوشكون على السقوط في حبال التطرف والإرهاب فتتداركهم قبل أن تفقدهم.
مسؤولية المؤسسات التعليمية في إعداد برامج تعليمية تربي النشء على الانفتاح وقبول الاختلاف وتربي فيهم ملكة النقد والشك والتحليل وتغرس فيهم قيم العصر وثقافة حقوق الإنسان، مسؤولية جسيمة، ثم تأتي مسؤولية المؤسسات الدينية (مساجد ومعاهد ودور القرآن والزوايا ..) أولا في تحصين روادها ومنتسبيها ضد عقائد التطرف، ثم في تمكينهم من مادة معرفية تفكك بعض أطروحات التطرف والكراهية وتسمح لهم بالرد عليها متى وُوجهوا بها. ومسؤولية المثقفين ووسائل الإعلام كبيرة في حجمها وأهميتها في نشر ثقافة التنوير وتغذية العقول بما يفتح آفاقها ، وكذا في التصدي لخطاب التطرف والكراهية.
لكن للأسف نلاحظ عددا من الإذاعات الخاصة تفتح أمواجها لشيوخ التطرف لنفث عقائد الكراهية والعنف بحثا عن الرفع من نسب المتابعة، وهذا أمر خطير، لذا على “الهاكا” تحمل كامل مسؤوليتها في مراقبة ما تذيعه هذه الإذاعات الخاصة.
بخصوص مسؤولية الدولة، فعلى مستوى الأجهزة الأمنية المختصة بمحاربة التطرف والإرهاب فلا يمكن إلا التنويه بها لفعاليتها في رصد وتفكيك الخلايا الإرهابية. أما على مستوى الخطاب الذي تنشره وسائل إعلام، مكتوبة أو مسموعة، خاصة تلك التي تتبنى خطاب التكفير والتحريض ضد عدد من المثقفين أو الإعلاميين أو الفنانين، فالمطلوب تغيير القانون الجنائي لتجريم فتاوى التكفير وتشديد عقوبتها.
وفي هذا الإطار أقترح على الدولة أن تفتح خطا أخضر أمام المواطنين للتبليغ عن أي شخص (فقيه أو خطيب أو مدرس أو إعلامي أو سائق وسيلة نقل عمومية، أو جار من الجيران، أو أحد الأبناء …) يحمل فكرا متطرفا ويعمل على نشره والدعوة إليه، فمسؤولية المواطن لا تقل عن مسؤولية مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.

> كيف يمكن مواجهة هجوم متطرفين على بعض المثقفين ؟
> فعلا تزايدت هجمات المتطرفين التي تستهدف عددا من المثقفين المتنورين بالتحريض ضدهم بعد تكفيرهم. ولا سبيل لردع المتطرفين سوى باعتماد مقاربة قانونية زجرية تجرم هذا التحريض وتحاكم المحرضين وفق قانون الإرهاب، فلا تسامح مع التكفيريين . إذ كيف للقانون الجنائي المغربي أن يعاقب على السب والقذف ولا يعاقب على التكفير ؟ فالتكفير أخطر من السب بسبب تبعاته الخطيرة على حياة الأفراد وسلامتهم الجسدية وعلى المجتمع برمته وكذا الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها. إذن على الدولة حماية المثقفين، ليس فقط من العنف المادي الذي قد يتعرضون له ، بل أيضا وأساسا من التحريض والتكفير. فالتكفير هو مقدمة للعنف ومنتج للإرهاب.
أجرى الحوار : خالد العطاوي

في سطور:
ـ أستاذ باحث في قضايا الإسلام السياسي .
من مؤلفاته :
ـ “مشروع خطة إدماج المرأة بين التشريع المساند والتشنيع المعاند”.
ـ “الشيخ ياسين ووسواس المهدوية”.
ـ “الشيخ ياسين من الدروشة إلى القومة”.
ـ “الشيخ ياسين من القومة نحو دولة الخلافة”.
ـ “الحوار الموؤود والطوفان الموعود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى