fbpx
ملف الصباح

استغلال حرية التعبير

قوانين عاجزة ومتطرفون يركبون على موجة الحريات

رغم أن جل قوانين الدول تمتح من حقوق الإنسان وتضع التمييز بين البشر في خانة الجرائم المشددة عقوبتها، فإن سلوكات تطفو في المجتمعات، بين الحين والآخر، ولمناسبات تحددها ظروف خاصة، تظهر أن مجمل المبادئ الكونية، تضرب عرض الحائط، وتعود الحياة إلى ما يشبه الصراع بين الأفراد حسب اللون أو الجنس أو الدين، إذ يسود التعصب والتطرف، وتبنى حسابات تفضيلية أو تهميشية، وقد يصل الأمر إلى حروب عصابات للتصفية والانتقام.

وطفت إلى السطح لمناسبة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، شروخ، بل وتباينت مواقف السياسيين بأروبا بين من يدين الإساءة إلى الأديان ورموزها، ومن يزيد من فتيل إشعالها، ما أعاد شعارات التسامح بين الأديان إلى زاوية الاستفهام، وترك مساحات كبيرة من الفراغ، التي لم تقو كل التجارب الديمقراطية على رأبها أو تضييقها.

وإن كان قانون التمييز العنصري يقوم على حماية الأشخاص من التمييز العنصري، والقضاء عليه في العديد من مجالات الحياة العامة، إلا أن أشرطة وفيديوهات من الواقع الغربي، تنشر بين الفينة والأخرى، مشاهد للإهانة والازدراء، فهذه مسلمة يندفع شرطي لإزالة غطاء رأسها ويسقطها أرضا، وذاك يهودي مميز ب”شاشيته» يتعرض للسب والقذف في الميترو، أو هجوم على مسجد وقتل المصلين بالسلاح الناري، أو اعتداء على كنيسة أثناء إقامة الصلوات بها، ناهيك عن مجمل صور الإرهاب التي تستهدف الأبرياء في المطاعم والمتاجر الكبرى والمعابد ووسائل النقل العمومية.

فقد أظهرت بعض الوقائع أن مصطلح التسامح بين المنتمين إلى الأديان المختلفة، يتحول فقط إلى شعارات تلوكها الحكومات، وتقرها القوانين، بينما على أرض الواقع، تسود احتقانات لفظية أو سلوكية وقد تتجلى أكثر في أعمال شغب واعتداء، تظهر بوضوح عجز القوانين عن إحداث التمازج الكلي، وتنبئ بأن متطرفين ينتمون إلى مختلف تلك الديانات، يتحينون الفرصة لإبراز العضلات وإشعال الفتن.

يقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن الناس يولدون جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المقررة فيه، دون أي تمييز سيما بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي، إلا أن هذا الإعلان ما يلبث أن يتكسر في بعض المجتمعات، تحت غطاءات أخرى من قبيل حرية التعبير أو حرية الرأي، رغم أنهما حقان أريد بهما باطل، إذ أن حرية التعبير في الأصل هي حق لإيصال أفكار الشخص وهو نسبي وليس مطلقا، لأنه في جميع الدول مرتبط بقيود تتعلق بعدم المس بحريات أخرى، فالتشهير والإساءة والتحريض على الجرائم أو الإشادة بها، أفعال لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدخل في خانة حرية التعبير.

أكثر من ذلك أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في المادة 19 التي تنص على هذا الحق، سبقت إلى الإشارة إلى حقوق أخرى، لا يمكن المس بها، ما يعني أن حق التعبير مرتبط بواجبات ومسؤوليات، ويخضع لبعض القيود عند الضرورة، من قبيل احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة والآداب العامة، ومن ضمنها ما نصت عليه المادة 18 من الإعلان نفسه التي تشير إلى أن “لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة».

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى