fbpx
خاص

هل سحبت الحكومة محاربة الفساد من الشرطة والنيابة العامة ؟

الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة تسمو على الوكيل القضائي والمؤسسات الدستورية (2/2)
بدأت لجنة التشريع بمجلس النواب دراسة مشروع قانون 46.19 ، يتعلق بالهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في ظل سكوت غير مفهوم من الفاعلين السياسيين والحقوقيين وغيرهم، إلا من بعض المواقف عبر عنها البعض، وعلى رأسهم نقيب هيأة المحامين بالبيضاء بخصوص التخوف من المس بحصانة مكتب المحامي. ومن المعلوم أن الحكومة تأخرت في إكمال إحداث كل المؤسسات الدستورية التي نص عليها دستور 2011 ،وعلى رأسها القانون المتعلق بالبت في عدم دستورية القوانين وكذا القانون موضوع هذا المقال.
عبد الكبير طبيح *

إن المادة 25 أهلت المأمور للقيام بالصلاحيات التالية:
يدرس الشكاية المتعلقة بالفساد.
يجري الأبحاث والتحريات بشأنها.
يطلب المعطيات ويجمعها ويدرسها.
ينجز محضرا يضمن فيه تصريحات الأشخاص الذين استمع إليهم.
يضمن المعاينات والزيارات التي قام بها.
يضمن المعطيات التي يطلبها رئيس الهيأة مع جميع الأعضاء.
كما أن المادة المذكورة أعطته سلطة:
الدخول إلى جميع الإدارات العمومية.
الدخول الى جميع الجماعات الترابية، علما أن الجماعات الترابية هي حسب الفصل 135 هي الجهات والعمالات والجماعات. (علما أن الجهات والجماعات هي منتخبة وهو ما يعني أن المأمور له درجة أعلى من إرادة الناخبين الذين اختاروا ممثليهم في تلك المؤسسات).
الدخول إلى مقرات باقي أشخاص القانون العام ولا تستثنى إلا المحاكم والمرافق (فقط) التابعة للإدارات المكلفة بالدفاع والأمن الدولي الداخلي والخارجي. (بينما مقرات تلك الإدارات غير مشمولة بالاستثناء في صياغة تلك المادة مما يسمح له بدخولها).
الدخول إلى المحلات المهنية للأشخاص الذاتيين والاعتباريين.
ممارسة مهام الشرطة القضائية المنصوص عليها في المواد 15 و16 و17 و23 و24 و59 و60 و61 و62 و63.
يمكنه أن يستدعي إلى مقر الهيأة أيا كان. (أي أن له الحق في استقدام الأشخاص الى مكتبه وهي سلطة محصورة في قاضي التحقيق وحده. باعتباره ينتمي للسلطة القضائية).
يمكن للشخص المستدعي أن يحضر مع محام. (وهو ما يضفي على المأمور وظيفة السلطة القضائية).
لا يمكن الاحتجاج بمقتضيات السر المهني أمامه من قبل أي كان، ما عدا ما يتعلق بالدفاع الوطني والأمن الداخلي والخارجي. (بمعنى لا الطبيب ولا المحامي ولا الموثق يمكنه أن يتذرع بالسر المهني للمريض أو لموكل المحامي أو الموثق).
بالرجوع إلى البند 2 من المادة 25 نجده ينص على ما يلي:
« أن يدخل ( أي المامور) للمحلات المهنية ….
ويتعين مشاركة ضابط أو عدة ضباط للشرطة القضائية في الأبحاث والتحريات التي يتم القيام بها، ويعتبر حضور هؤلاء إلزاميا تحت طائلة تطبيق مقتضيات المادة 32 و33 من قانون المسطرة الجنائية».
وتضيف الفقرة الأخيرة من المادة 25 ما يلي:
« إذا تعلق الأمر بدخول المحلات المهنية …
يوقع على هذا المحضر مأمور الهيأة وضابط أو ضباط الشرطة القضائية».
أي أن ضابط الشرطة القضائية سيوقع على محضر لم ينجزه. وإنما ألزم بالحضور رفقة المأمور.
وبالرجوع الى المادة 28 من مشروع القانون نجدها تنص على ما يلي:
« علاوة على الحالة …..
يمكن لرئيس الهيأة عند الاقتضاء، طلب مشاركة ضباط الشرطة القضائية إلى «جانب «مأمور الهيأة في القيام بمهامه».
أي أن ضابط الشرطة هو مشارك وليس هو من يقوم بالمهام التي خصه بها الفصل 128 من الدستور.
بل إن تلك المادة أعطت السلطة لرئيس الهيأة ليطلب تسخير القوة العمومية.
إن المادة 30 من مشروع القانون أعطت للمحاضر، التي ينجزها المأمور حجية ويجب ان يوثق بما ضمن فيها إلى أن يثبت المعني بها أو الغير ما يخالفها، أي أعطيت لها نفس القوة الثبوتية نفسها للمحاضر، التي تنجزها الشرطة القضائية.
وهكذا يتبين ان تداخل مهام المأمور مع اختصاصات الشرطة القضائية ليس محايدا، وإنما هو تداخل ينتصر لسلطة المأمور على اختصاصات ضابط الشرطة القضائية.

تداخل الاختصاصات

ويتجلى ذلك في ما يلي:
أ – يمكن للهيأة أن تضع يدها تلقائيا على حالة معينة وتعتبرها فسادا فتمارس عليها سلطة البحث والتحري، بدون ما حاجة للرجوع إلى النيابة العامة.
ب- المادة 23 تلزم النيابة العامة بأن تخبر رئيس الهيأة بالقرارات التي اتخذتها عندما يحيل عليها رئيس الهيأة محضرا يتعلق بجريمة فساد يكون المأمور المعين من قبله قد أنجزه.
ج- المادة 24 تنص على أن رئيس الهيأة هو الذي يقرر هل قضية ما يجب أن تحال على النيابة العامة أم لا. وعندما يقرر رئيس الهيأة بان الشكاية يجب البحث فيها يعين مأمور الدراسة الشكاية وإجراء البحث والتحري، أي القيام بمهام الشرطة القضائية المنصوص عليها في الفصل 128 من الدستور.
د-المادة 28 تنص على إلزام النيابة العامة بتسخير القوة العمومية بناء على طلب رئيس الهيأة ولا يمكنها رفض ذلك.
كما أن المادة 7 في الفقرة الثانية منها تنص على قاعدة جديدة يتجاوز فيها رئيس الهيأة سلطة النيابة العامة إذ تنص على ما يلي:
« غير أنه يمكنها إجراء كل بحث أو تحر إذا تعلق الأمر بمخالفة مالية أو إدارية منصوص عليها في الفقرة 2 من المادة 3 أعلاه ولو سبق أن قررت النيابة العامة الحفظ بشأنها».
فالمادة 7 من المشروع تعني أنه بخصوص قرار الحفظ الذي تتخذه النيابة العامة في أي ملف، توجد سلطة أعلى من النيابة العامة وهي الهيأة، التي يحق لها البحث في تلك القضية مجددا ضدا على موقف النيابة العامة.
غير أن مما يؤكد أن الوضع القانوني لرئيس الهيأة وللمأمور هو أعلى من الوضع القانوني للنيابة العامة ومن الضابطة القضائية هو أن المشروع أحدث قاعدة جزائية لمعاقبة كل من يعرقل ما يأمر به رئيس الهيأة وما يقوم به المأمور. وذلك دون أي استثناء.
ذلك أنه بالرجوع إلى المادة 37 نجدها تعتبر ان عرقلة مهام الهيأة تعاقب عليها الفقرة الثانية من المادة 37، بتحريك مسطرة المتابعة التأديبية أو الجنائية، وتختم المادة 37 المذكورة بفقرة تؤكد كل ما سبق بيانه لأنها تنص على ما يلي:
« في جميع الأحوال يتعين على رئيس الإدارة المعني أو المسؤول على المؤسسة أو المقاولة المعنية اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة من أجل الاستجابة لطلبات الهيأة.»
علما أن الفقرة الثانية من المادة 3 تتعلق بتحريك المتابعة الجنائية عندما يتعلق الأمر بالجرم.

علو مرتبة الهيأة على الوكيل القضائي

تظهر دونية مرتبة الوكيل القضائي للمملكة من مرتبة الهيأة في المادة 36، التي تنص على أن الهيأة تشعر الوكيل القضائي بالملفات التي تحيلها على النيابة بقصد اتخاذ ما يلزم لتقديم المطالب المدنية نيابة عن الدولة، أي أن الهيأة هي التي تقرر في:
-1 أن كل ما تحيله على النيابة العامة يجب أن يتنصب فيه الوكيل القضائي طرفا مدنيا. مما يفهم منه أن إحالة الهيأة يجب ان تتبعها متابعة النيابة العامة.
-2 ان الوكيل القضائي لن يتبع فقط لوزير المالية كما هو منصوص عليه في ظهير2 مارس 1953، وإنما سيصبح مأمورا كذلك لرئيس الهيأة.
-3 يجب على الوكيل القضائي أن ينتصب طرفا مدنيا باسم الدولة بأمر من رئيس الهيأة، بينما الممثل القانوني للدولة في التقاضي هو رئيس الحكومة.
غير أن تلك المادة لم تقف عند إحداث تلك القاعدة التي تؤسس لتراتبية بين هيأة كجهة لتوجيه الإشعار للوكيل القضائي كجهة للتنفيذ، بل إنها أحدثت جزاء ضد الوكيل القضائي في الحالة التي لا يستجيب لأمر رئيس الهيأة.
ففي هذه الحالة فإن الهيأة ستتجاوز الوكيل القضائي وستنصب هي نفسها، كطرف مدني، أي ستحل الهيأة محل الوكيل القضائي وكذلك محل الدولة، لأن المادة تتكلم عن انتصاب الهيأة، وليس انتصابها باسم الدولة، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 36 على ما يلي:
«يمكن للهيأة علاوة على الجهات المشار إليها في المادة 7 من القانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية في حالة عدم تقديم الوكيل القضائي مطالبه المدنية، النيابة عن الدولة خلال أجل ثلاثة الأشهر أن تنتصب مطالبة بالحق المدني في القضايا المعروضة على المحاكم كلما تعلق الأمر بجريمة من جرائم الفساد المنصوص عليها في المادة 36 من هذا القانون…».

علو مرتبة الهيأة على المؤسسات الدستورية

لم يكتف مشروع القانون بأن يجعل من الهيأة شخصا من أشخاص القانون العام، أي وضعها في مرتبة الدولة مثلا، ولم يكتف بوضعها فوق المؤسسة الدستورية المكلفة بالبحث في الجرائم وهي الشرطة والنيابة العامة، بل جعلها كذلك فوق المؤسسات المنصوص عليها في الدستور بدون أي استثناء، وذلك عندما نصت المادة 31 على أن رئيس الهيأة له الحق في أن يوجه طلب الحصول على المعلومات والوثائق والمستجدات إلى:
رؤساء المؤسسات والهيآت المنصوص عليها بالدستور، بدون أن تستثني تلك المادة أي مؤسسة من المؤسسات الدستورية.
كلنا مع مكافحة الفساد لكن داخل الشرعية وبالأدوات القانونية الواضحة التي لا تسمح للمفسدين بتأويلها أو الاختباء وراء حروفها وكلماتها، مما يجعلهم خارج دائرة المحاسبة كالعادة.
فهذه القواعد أليس في تطبيقها كما هي إخراج مهمة محاربة الفساد المالي والإداري من مجال عمل الشرطة القضائية ومجال عمل النيابة العامة، وإسنادها الى مؤسسة جديدة ستتحكم في الشرطة القضائية. كما سيتحكم رئيس الهيأة في النيابة العامة؟.
(*) محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى