fbpx
خاص

هل سحبت الحكومة محاربة الفساد من الشرطة والنيابة العامة ؟

مشروع قانون الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة يتعارض مع الدستور والمسطرة الجنائية (2/1)
بدأت لجنة التشريع بمجلس النواب دراسة مشروع قانون 46.19 ، يتعلق بالهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في ظل سكوت غير مفهوم من الفاعلين السياسيين والحقوقيين وغيرهم، إلا من بعض المواقف عبر عنها البعض، وعلى رأسهم نقيب هيأة المحامين بالبيضاء بخصوص التخوف من المس بحصانة مكتب المحامي. ومن المعلوم أن الحكومة تأخرت
في إكمال إحداث كل المؤسسات الدستورية التي نص عليها دستور 2011 ،وعلى رأسها القانون المتعلق بالبت
في عدم دستورية القوانين وكذا القانون موضوع هذا المقال.

عبد الكبير طبيح

مشروع القانون الحالي يستدعي الملاحظات التالية:

-1 إن المطلع على الصياغة التي كتبت بها مواد مشروع القانون المذكور سيلاحظ لأول وهلة أنها صياغة لاتلبي ما تتطلبه علاقة الصياغة القانونية، والتي من أهم خصائصها التركيز على الفعل الذي تستهدفه القاعدة القانونية باستعمال الكلمات التي تكون غير قابلة للتأويلات المتعددة، وتخصيص كل فقرة لقاعدة قانونية واحدة وواضحة، تنص على مكونات الفعل المجرم وتحدد بكل وضوح العقوبة المقررة ودون أي إمكانية للتأويل، الذي قد يؤدي لإفراغ القاعدة القانونية من محتواها.

-2 أن مشروع القانون يتعلق بكيفية إثبات جريمة الفساد المالي الإداري، و هي من أخطر الجرائم، فلماذا قررت الحكومة ألا يحضر لا وزير العدل، باعتبار هذه الوزارة هي ذات الاختصاص في تقديم مشاريع القوانين التي تتناول المقتضيات الجنائية، ولا وزارة حقوق الإنسان باعتبارها المسؤول عن احترام كل مشاريع القوانين الني تقدمها الحكومة للبرلمان حقوق الإنسان كما هي منصوص عليها في الدستور؟
إن حضور وزير المالية، المشهود له بالجدية والمثابرة هو مفيد في دراسة قانون له علاقة بالجانب المالي، لكن غياب وزير العدل ووزير حقوق الانسان، هو أمر غير مفهوم، فهل هناك خلاف حول مضمون المشروع أو شكله بين أعضاء الحكومة نفسها؟

-3 تبحث في تطابق أو عدم تطابق المقتضيات الجديدة للمشروع مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، ومع مقتضيات الدستور ومع باقي القوانين الأخرى.
الثانية: تبحث في ما هو غير منطوق في المشروع، أي في ما تريد أن تصل إليه الحكومة دون أن تعلن عنه
بصراحة، لكن تلك الغايات غير المنطوقة سنجدها أمامنا عند تطبيق ذلك القانون بعد التصويت عليه.

أوجه مخالفة مواد المشروع للدستور

أولا: يتبين من المواد الأولى من المشروع أن صياغتها كانت ترمي الى إضفاء الطابع الدستوري عليها، إذ أشار في المادة الأولى إلى الفصل 36 من الدستور، بينما أن الفصل الذي كان يجب أن يتصدر به مشروع القانون ليس هو الفصل 36، وإنما الفصل 167 وذلك للأسباب التالية:
1– أن الفصل 36 من الدستور إنما هو يعلن عن ضرورة إحداث الهيأة موضوع القانون المذكور إعمالا للاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد في فصلها 6.
2– بينما الفصل 167 من الدستور هو الذي يحدد اختصاصات الهيأة ويحصرها في:
«المبادرة والتنسيق وإشراف وضمان تنفيذ سياسة محاربة الفساد وتلقي ونشر المعلومات والمساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وثقافة المرفق العام وقيم المواطنة المسؤولة».
والملاحظ أن الفصل 167 من الدستور لا يؤهل الهيأة للقيام بأعمال الشرطة القضائية وأعمال النيابة العامة وأعمال قضاة التحقيق، وهي المؤسسات التي تحتكر القيام بالبحث والتحري عن الجرائم وتحريك المتابعة القضائية ضد من يرتكبها.
لكن، عندما نعود إلى الباب الرابع من مشروع القانون المذكور نجده يحمل عنوان « تلقى التبليغات والشكايات والمعلومات والقيام بإجراءات البحث والتحري» وهو الباب المكون من الفصول من 21 إلى 39.
فما مدى دستورية القواعد القانونية المنصوص عليها في تلك الفصول؟ وهل الدستور أهل تلك الهيأة للقيام بمهام الشرطة القضائية ومهام النيابة العامة ومهام قاضي التحقيق؟
إن الأسئلة المشار اليها أعلاه ليست من صنع الخيال أو التهويل، بل هي من صلب ما تنص عليه بعض مواد مشروع القانون المذكور، كما سيتبين من صياغة مواده، التي سنتناولها في ما يلي.
ثانيا: لا خلاف حول أن الفصل 36 هو الذي نص على إحداث هيأة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
لكن، هذا الفصل نص فقط على مبدأ إحداث تلك الهيأة، ولم يتكلم لا عن اختصاصاتها، ولا عن تكوينها، بل إن الدستور خص مهام تلك الهيأة في فصل آخر هو الفصل 167 منه. والذي عند الرجوع إليه نجده:
-اعتبرها هيأة من هيآت الحكامة، وليس لها طابع قضائي.
– حصر مهامها في:
“المبادرة والتنسيق والاشراف وتتبع سياسات محاربة الفساد وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال وتخليق الحياة العامة وترسيخ الحكامة الجيدة وثقافة المرفق العمومي وقيم المواطنة.
وليس في البحث والتحري عن الجرائم وإحالتها على النيابة العامة.
فالمشرع الدستوري واع بحدود ومهام الهيأة مؤسسة للحكامة فقط. فأسندها مهام لها علاقة بالحكامة من ممارسة التحسيس وإشاعة ثقافة الاخلاف النبيلة في تدبير المرفق العمومي.
لكن الملفت للنظر، هو أن الفصل 167 لم يعط لتلك الهيأة أي حق، لا في تلقي الشكايات والتبليغات ولا المعلومات، وبالأحرى القيام بإجراءات البحث والتحري عن الجرائم. بينما المقتضيات المنصوص عليها في المواد من 21 الى 39 من مشروع القانون أسندت للهيأة تلك المهام نفسها، ضدا على ما ينص عليه الفصل 167 من الدستور”.
ثالثا: إنه من المعلوم انه لأول مرة في الدساتير، التي عرفها المغرب، ستتم دسترة مهام الشرطة القضائية، أي النص على مهامها في صلب الدستور.
ذلك انه بالرجوع إلى الفصل 128 من الدستور نجده ينص على ما يلي:
« تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق «بالأبحاث والحريات الضرورية بخصوص الجرائم وضبط مرتكبيها لإثبات الحقيقة.
فالدستور في فصله المذكور، جعل مهام الأبحاث والتحريات بخصوص الجرائم من اختصاص الشرطة القضائية وحدها. وهو ما تؤكده جملة « في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بخصوص الجرائم.

مخالفته لاتفاقية مكافحة الفساد

حقا أن المغرب صادق على اتفاقية الدولية لمكافحة الفساد منذ من 17/01/2008، لكن هذه الاتفاقية شددت على أمرين:
1– أن المادة 6 منها نصت على ضرورة إحداث الهيأة من قبل كل الدول.
لكن الاتفاقية لم تنص على ان تلك الهيأة ستمارس اختصاصات التحري والبحث والإحالة على النيابة.
2 – شددت المادة 42 من تلك الاتفاقية على الولاية الحصرية للقضاء في كل ما يتعلق بالجرائم المرتبطة بمكافحة الفساد.
فعندما يتضمن مشروع القانون المقتضيات المنصوص عليها في المواد من 21 الى 39، يكون مشروع القانون مخالفا للاتفاقية الدولية التي صادق عليها المغرب ونشرها في الجريدة الرسمية. أي مخالف للفصل 19 من الدستور.

تعارض المشروع مع قواعد المسطرة الجنائية
يتجلى تعارض مقتضيات المشروع مع مقتضيات المسطرة الجنائية الجاري بها العمل، في ما يلي:
مشروع القانون المشار إليه أعلاه نص في المادة 24 منه على قاعدة جديدة تعطي لرئيس الهيأة الحق في تلقي الشكايات.
لكن ما يثير التساؤل، هو أن تلك المادة أعطته الحق والسلطة في أن يستعمل سلطته التقديرية للتقرير، هل من حق النيابة العامة و الشرطة القضائية، أن تبحث في تلك الشكاية المتعلقة بجريمة فساد أم لا؟
وعندما يقرر رئس الهيأة أنه لا حاجة لإحالة الشكاية على النيابة العامة، فرئيس الهيأة يعين «مأمورا» لدراسة الشكاية والتحري حول حقيقة الوقائع ويطلب المعلومات المتعلقة بملف القضية و يجمعها ويدقق في صحتها. بطبيعة الحال خارج علم او مساهمة النيابة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى