fbpx
مجتمع

رجل حراسة مطرود: الفيروس ضيعني

يقضي معظم وقته في المقهى ومطاردة أصحاب “الكريديات” أطارت النوم من جفنيه

ألقى بجسده الثقيل فوق أقرب كرسي وصل إليه بمقهى الحي.
سحب طاولة خشبية بعنف حتى «تقرقبت» فوقها منفضة بلاستيكية بحاشية مذابة.
أزاح المنفضة جانبا، ووضع مكانها قبعة تحمل علامة تجارية لشركة محروقات، نزعها من رأس أصلع متعرق، ووضع الرأس بين ذراعين معقوفين، وحاول أن يغفو قليلا من انتظار وصــول النادل.
لم ينبس عبد العاطي ببنت شفة هذا الصباح، وهو الذي تعود أن يملأ المكان صياحا وسلاما وضحكا مجلجلا مع أصدقائه من رواد المقهى.
هذه المرة، اكتفى بإماءة من رأسه، ثم تكوم فوق كرسي بين النوم واليقظة، وبين الحين والآخر يقلب رأسه (الموضوع بين ذراعيه) إلى الجهة الأخرى يتمتم ببضع كلمات، كأنه يطرد كابوسا مــــــــزعجا.
لا يحتاج رواد المقهى إلى تفاصيل إضافية لمعرفة الحالة النفسية العصيبة التي وصل إليها عبد العاطي، منذ ثلاثة أشهر تقريبا، وبالتحديد منذ يونيو الماضي، حين توصل برسالة على تطبيق واتساب، يطلب منه فيها رئيسه في العمل الالتحاق في الصباح الباكر بقسم العمال والمستخدمين.
قضى عبد العاطي ساعات طويلة من الليل، يقلب الرسالة المقتضبة من جميع الجهات. قرأها عدة مرات، ثم ترجل عن سريره، وتلمس طريقه إلى المطبخ في الظلام، حتى لا يزعج زوجته وابنته في الغرفة المجاورة. أشعل سيجارة، ثم سحب هاتفه، وقرأ الرسالة مرة أخرى، كأنه يقرؤها أول مرة، وازداد يقينا أن الجرة لم تسلم هذه المرة.
تذكر عبد العاطي الاجتماعين اللذين دعا إليهما رئيسه في الشركة منتصف أبريل، إذ استدعى أولا عاملات التنظيف، وأخبرهن بالوضعية الصعبة التي تمر منها الشركة في ظل تداعيات الجائحة والإغلاقات التي تطول الشركات التي تتعاقد معها في مجال الحراسة والتنظيف والصيانة.
وفي مساء اليوم نفسه، عقد الرئيس اجتماعا مع عمال فرع الحراسة، وكرر أمامهم «خطاب» الأزمة نفسها، ثم سحب ورقة كتب عليها لائحة العمال 26 الذين قررت الشركة الاستغناء عنهم، لم يكن عبد العاطي واحدا منهم.
غادر عبد العاطي مكتب الرئيس «منتشيا» شيئا ما بانتصار صغير، وعاد مسرعا إلى موقع عمله، وهناك رشف من كوب شاي بارد، وكتب رسالة إلى زوجته، يخبرها بالجديد.
مر هذا الشريط مسرعا أمام عبد العاطي في لحظة قصوى من السهو، نسي أن يطفئ عقب السيجارة حتى أحس بالحرارة تقترب من أنامله. «ضغطه» في المغسلة بعنف، ثم عاد إلى النوم.
في الصباح، ارتدى عبد العاطي بذلة العمل، وتوجه إلى مكتب رئيس قسم العمال. لم يكن موجودا، بل فقط كاتبته التي مدت له ظرفا مغلقا به قرار بإعفائه عن العمل وانتظار تسوية مستحقاته.
طوى عبد العاطي الظرف الأصفر ووضعه في جيب سرواله الخلفي، ثم غادر إلى المقهى المجاور لمنزله مشيا.
المقهى نفسه الذي مازال عبد العاطي يلقي جسده المنهك على أحد مقاعده، كلما تعب من البحث عن عمل، دون جدوى، وكلما تذكر أن ثلاثة أفواه تنتظر في المنزل، وكلما تذكر أيضا أن البقال شهر به وسط الحي، أما صاحب المكتبة، فرفض رفضا باتا مده بقلم حبر جاف، متعللا هو الآخر بالأزمة.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق