fbpx
وطنية

تصدعات “بوليساريو” تؤرق مخابرات الجزائر

تداعيات استمرار الصراع والانفلات أثرت على الدكاكين الحقوقية بالعيون

بقلم: الفاضل الرقيبي

يعرف جنرالات الجزائر أن جبهة «بوليساريو» باتت على كف عفريت، بعد أن أنهكتها صراعات المواقع بين «غويلي» وباقي أعضاء القيادة، والتي أثرت تداعياتها على مصالح ساكن ثكنة بن عكنون، الذي يريد للجبهة أن تستمر ورقة يغذي عبرها عوامل التوتر، ويخدم بها أجنداته الهدامة في المنطقة. وهو ما لم تجد المخابرات الجزائرية معه بدا من التدخل بقوة، لتعيد ترتيب بيت جبهة «بوليساريو»، الذي بدأت معالم انهياره تدفع نحو نهاية وشيكة، ولتحيي أدوات الضبط والتحكم في مقاليد أمور الجبهة، حتى لا تعصف الصراعات بمخططاتها.
كانت عودة عبد الله ولد البلال أول خطوة سهر على تنفيذها اللواء سماعلي، ومعه ضابط «الديراس»، عبد الخالق مساعدية، اللذان دفعا برجوع ولد البلال، رجل ثقتهم، وأحد أقوى رجال «رقيبات الشرق»، قصد إبعاد شبح الانفجار الداخلي، وكسر التحالفات التي بدأت ترجح كفة «رقيبات الساحل»، بشكل قد لا يضمن للاستخبارات الجزائرية امتدادها المألوف، الذي تريد به التحكم في سير التنظيم دون كبير عناء. وهي التي تيقنت أن إبراهيم غالي سيعجل بنهاية «بوليساريو»، بعد أن أثبت، منذ المؤتمر الخامس عشر للجبهة، عدم قدرته على تحقيق التفاف حول شخصه، وعجزه عن تدبير أزمات هذا التنظيم المتهالك، خصوصا مع تمرد العديد من القيادات ذات الوزن القبلي، من أمثال عبد الله ولد البلال، «وزير دفاعه» السابق، والبشير مصطفى السيد، مهندس الظلام، ناهيك عن انسحاب سيد أحمد لبطيل، والسالك بابا من المشهد الداخلي، وظهور أجنحة تستمد قوتها من الثكنات العسكرية.
تعتبر المخابرات الجزائرية أن تنظيم الجبهة يجب أن يستمر أداة طيعة تحركها كما تشاء، وتسعى من أجل ذلك إلى أن تُبقي موازين القوى القبلية داخل المخيمات لصالح «رقيبات الشرق»، حتى لا يتأثر نفوذها داخل هياكل التنظيم. فهي تدرك أن أي صدع داخلي في الجبهة يسير ضد مصالحها، في هذا الوقت بالذات، خصوصا مع تزايد حدة التوتر بين «غويلي» ومجموعة من أعضاء القيادة. فقد عمدت سريعا الى إرجاع ولد البلال إلى منصب «مدير مخابرات الجبهة»، الذي ظل يرفضه ثمانية أشهر كاملة، ودفعت بـ «غويلي» إلى أن يقيم، على غير عادته، حفل تنصيب لولد البلال، غاب عنه سالم ولد لبصير و»كريكاو»، الذي يُعتبر «الوزير» الوصي على أمن الجبهة، رسالة من «غويلي» إلى إعلان خضوعه لإملاءات عرابيه بالجزائر. كما أعادت البشير مصطفى السيد، بعد لقاء «الشيظمية»، إلى الواجهة، فظهر، أخيرا، يجلس رفقة خصمه خطري آدوه، أثناء تأسيس لجنة تجديد خطاب «بوليساريو».
وشملت هذه الترضيات عبد القادر الطالب عمر، الذي ضيق عليه إبراهيم غالي كثيرا، في الأشهر الماضية، فقد تم تكليفه، أخيرا، بالإشراف على تنظيم «مؤتمر اتحاد العمال»، خطوة لتهدئة الرجل الغاضب، وإشارة تبعثها ثكنة بن عكنون إلى «غويلي» ورفاقه، بأن الجزائر تتحكم في خيوط المشهد.
كل هاته الخطوات المتسارعة جاءت تفاديا لما تخشاه الجزائر من استمرار للصراع والانفلات، الذي أثرت تداعياته، بشكل مباشر، على الدكاكين الحقوقية بالعيون، فباتت هي الأخرى تعيش على وقع التحلل والتفكك، في انعكاس للتطاحنات التي عرفتها «الرابوني» منذ شهور. فالمخابرات الجزائرية تراهن على هذه الدكاكين التي نشأت في كنفها، وتغدق عليها سنويا أموالا طائلة، لتخوض بها معاركها الخارجية ضد المغرب، وتغذي بها النزاع، وتدفع بها إلى زعزعة الاستقرار بالصحراء. فقد قامت أمينتو حيدر بحل دكانها الحقوقي «كوديسا»، بإيعاز مباشر من ابن عمها، الوالي ولد اعكيك، الذي يبحث هو الآخر عن التموقع في خارطة الطريق الجزائرية الجديدة من خلال الظهور بمظهر المتحكم في المشهد الحقوقي والقادر على تسييره.
لا يُعتبر تحكم المخابرات الجزائرية في تنظيم الجبهة أمرا جديدا، فهي التي صنعتها، وهي التي تمولها وتسعى جاهدة إلى أن تضمن لها شروط الاستمرار. فعودة ولد البلال وترضية «لبيشير»، ومعه الطالب عمر، قد تضمن للجزائر هدوءا مرحليا داخل دائرة قيادة الجبهة، غير أن عوامل الأزمة لا تزال قائمة، كما أن من تظنهم قادرين على بعث الاستقرار داخل المخيم وتجاوز صراعات المواقع، باتوا فاقدين لأي شرعية، وأن امتدادهم داخل سكان المخيم لا يتجاوز المقربين ممن يدورون في فلك هذه القيادة الفاسدة.
مشهد الأفول هذا يجد ما يؤكده في تهافت القيادة وعرابيها على اتخاذ خطوات يطبعها التخبط والعشوائية، عبر إنتاج أكذوبات جديدة، من قبيل إحداث «لجنة تجديد الخطاب»، التي تعتبر إعلانا صريحا بتآكل خطاب «بوليساريو»، وبعمق الأزمة التي تعيشها قيادته منذ سنوات، أو من قبيل إطلاق دعوات لحشد المدنيين من سكان المخيم، قصد إغلاق معبر «الكركرات»، في محاولة لتصدير الجبهة لأزمتها الداخلية إلى المعبر، وتوجيه انتباه الصحراويين، بعيدا عن الأزمات الإنسانية، وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب بالمخيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق