fbpx
خاص

رسوم التمدرس… هي فوضى!

القانون ينص على تحديدها والوزارة تنصلت من مسؤوليتها ومؤسسات التعليم الخاص تستفرد بالأسر

تحول الدخول المدرسي إلى هاجس يقض مضجع أرباب الأسر، خاصة التي يتابع أبناؤها دراستهم بمؤسسات التعليم الخاص. ويأتي الدخول الحالي في أجواء متشنجة بسبب الخلافات بين أرباب المؤسسات وآباء وأولياء التلاميذ حول واجبات التمدرس، وصلت في بعض الأحيان إلى المحاكم. ولم تتمكن الوزارة من إيجاد حل لهذا الملف، وتبرر تنصلها بأن وصايتها على هذه المؤسسات تقتصر على التأطير التربوي والمراقبة البيداغوجية، وأن مسألة رسوم التمدرس تدخل في إطار العرض والطلب لا يمكن التدخل فيها، علما أن المادة 14 من القانون الإطار 51.17، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، تنص، بما لا يدع مجالا للتأويل، على ضرورة تحديد ومراجعة رسوم التسجيل والدراسة والتأمين والخدمات ذات الصلة بمؤسسات التربية والتعليم والتكوين الخاصة، وفق معايير تحدد بمرسوم، الذي لم يصدر بعد.
وفي غياب أي تأطير قانوني لهذا الجانب، فإن مؤسسات التعليم الخاص تفرض قانونها الخاص وتستنزف جيوب الأسر، في غياب تام لأي تقييم لجودة الخدمات المقدمة.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

شطط في مستحقات التسجيل
«الوزارة لا تتدخل في رسوم التمدرس»، لازمة يرددها وزير التربية والتعليم والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، كلما طرح عليه سؤال تجاوزات مؤسسات التعليم الخاص بهذا الشأن.
لكن بالرجوع إلى المادة 14 من القانون الإطار 51.17، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، نجدها واضحة في هذا الباب، وتعتبر أن من التزامات الحكومة العمل، بمقتضى مرسوم على تحديد ومراجعة رسوم التسجيل والدراسة والتامين والخدمات ذات الصلة، بمؤسسات التربية والتعليم والتكوين الخاصة. 
ولم يتم إصدار هذا المرسوم حتى الآن، رغم أن القانون صدر بالجريدة الرسمية منذ سنة. وشجع تجاهل الوزارة للموضوع وتنصلها من المسؤولية أرباب مؤسسات التعليم على التمادي في استنزاف جيوب أولياء وآباء التلاميذ، بفرض رسوم تسجيل مبالغ فيها، ودون تقديم أي تفاصيل حول المبلغ الذي تطالب به الأسر، وغالبا ما يعادل شهرين من تعريفة التمدرس، ما يعوضها في يوليوز وغشت، اللذين يدخلان ضمن العطلة المدرسية السنوية ولا يؤدى عنهما.

1970 مليارا نفقات الأسر على التعليم
تضاعفت نفقات الأسر على التعليم بأزيد من مرتين في ظرف ثماني سنوات، إذ انتقلت من 8.9 ملايير درهم (890 مليار سنتيم) إلى 19.7 مليار درهم (1970 مليار سنتيم)، مسجلة معدل نمو سنوي في حدود 12.1 في المائة في المتوسط. وأرجعت دراسة نشرتها المندوبية السامية للتخطيط هذا التطور إلى ارتفاع عدد المتمدرسين وزيادة رسوم التمدرس، بمتوسط معدل نمو يصل إلى 3.4 في المائة.
وأصبحت التكاليف المدرسية تلتهم ما بين 20 % و 50 من دخل الأسر، ما يتسبب في عجز دائم في ميزانيتها، ولا تجد مصادر تمويل لتغطية تمدرس أبنائها، خاصة بالنسبة إلى مستويات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، إذ لا توجد عروض تمويلية، من قبل المؤسسات البنكية مخصصة لهذا الغرض، عكس الدراسات الجامعية التي توفر لها البنوك عروضا متنوعة، كما أن الدولة تقدم ضمانات لتمويل الدراسة الجامعية. وهكذا يتدبر أغلب أرباب الأسر المبالغ الضرورية لتمويل التمدرس في مراحل التعليم ما قبل المستوى الجامعي، إما عن طريق قروض من شركات الاستهلاك أو قروض بنكية عادية أو بتخصيص جزء من الدخل للتعليم على حساب نفقات أخرى، مثل الصحة أو الأكل أو الترفيه.

85 % من الأسر غير راضية
أبانت نتائج استطلاع رأي أنجزته جمعية حماية المستهلك “أونيسكو” أن جل آباء وأولياء التلاميذ، من العينة التي شملها الاستطلاع، يشتكون من ارتفاع تكاليف التمدرس في مؤسسات التعليم الخاصة، التي تثقل كاهلهم بأعباء مالية غالبا ما لا تكون مبررة.
وهم الاستطلاع مجموعة من آباء و أولياء التلاميذ للاطلاع على تقييمهم للمبالغ التي يؤدونها مقابل تمدرس أبنائهم في مؤسسات التعليم الخاصة. وأكدت نسبة 85 % من العينة المستجوبة أن تكاليف التمدرس مرتفعة وغير مبررة، في حين أن 15 % يعتبرونها مقبولة.
وأفادت نسبة 60 % من الآباء أن الواجب الشهري للتمدرس يصل إلى ألف درهم عن كل طفل، في حين يتراوح بين 500 درهم و ألفا، بالنسبة إلى 37 % من العينة المستجوبة.
وأشارت الجمعية إلى أن أسعار التمدرس غير مقننة، وأن أصحاب المؤسسات التعليمية هم من يحددون مستواها، وتخضع لقانون العرض والطلب، علما أن العديد من الأسر تضطر إلى تسجيل أطفالها في مؤسسات التعليم الخاصة، بسبب تردي شروط التمدرس في المؤسسات العمومية، رغم أن إمكانياتها المالية محدودة.
واعتبر 42 % من المستجوبين أن تكاليف التمدرس غالية جدا بالمقارنة مع إمكانياتهم، في حين لا تتعدى نسبة الذين يعتبرون أن تكاليف التمدرس مقبولة 15 % من إجمالي عدد المستجوبين.
واستنتج المشرفون على الاستطلاع أن تكاليف التمدرس تعتبر مرتفعة جدا، بالمقارنة مع مستوى دخل الفئات المتوسطة. ومن بين النقط التي كانت موضوع انتقادات كبيرة، من قبل العينة المستجوبة الارتفاع المتكرر لتكاليف التمدرس، إذ تعمد مجموعة من مؤسسات التعليم الخاص إلى الزيادة فيها سنويا، دون أي مبرر مقبول.
وفي السياق ذاته، انتقد المستجوبون الكلفة المبالغ فيها للنقل، إذ أن 68 % منهم يعتبرونها مرتفعة، وأكد 42 % من آباء وأولياء التلاميذ أنهم يؤدون أزيد من 500 درهم للطفل في الشهر. كما انتقد الآباء والأطفال المستجوبون المقابل المالي، الذي تستخلصه المؤسسات، مقابل حصص الدعم المقدمة لفائدة الأطفال، إذ تتراوح بين 300 و 600 درهم. وأكدت نسبة 94 % من العينة المستجوبة أن لديها طفلا أو طفلين في المستوى الابتدائي.

الحق في الخصم
راهنت الدولة منذ سنوات على القطاع الخاص، من أجل مواجهة الخصاص المسجل على مستوى التعليم العمومي، الذي لم يعد قادرا على مواكبة الطلب المتزايد على مؤسسات التعليم العمومية. لكن قطاع التعليم الخاص ظل مهمشا ومغيبا عن اهتمامات الحكومات المتعاقبة، إذ لم يحظ، على غرار قطاعات أخرى، بإستراتيجية خاصة به، مثل الإستراتيجيات التي اعتمدها المغرب في القطاعات الواعدة، مثل السياحة والفلاحة والصناعة… فكل هذه القطاعات تستفيد من ترسانة من الإجراءات والتدابير المحفزة على الاستثمار فيها. لكن السنتين الأخيرتين عرفتا زخما قويا، بالنظر إلى التدابير التي اعتمدت من أجل تحفيز الاستثمارات في القطاع الخاص.
ويعتبر عدد من المتتبعين لشؤون التعليم أن تشجيع قطاع التعليم الخاص يتطلب ترسانة من الإجراءات المتكاملة، وعلى رأسها الجانب الضريبي، على غرار قطاع الإنعاش العقاري، الذي منحت له مجموعة من التحفيزات الضريبية، بل اعتمدت الحكومة، من أجل تسهيل ولوج المواطنين للسكن، مجموعة من الإجراءات لفائدة الراغبين في اقتناء الشقق، من قبيل ضمان معدلات فائدة على قروض السكن منخفضة نسبيا. كما يمنح القانون المتعلق بالضريبة على الدخل لمقتني الشقق خصم تكاليف القرض في حدود 10 في المائة من قيمة الأجر، بالنسبة إلى الشقق التي تدخل في إطار السكن الاقتصادي والاجتماعي والنسبة نفسها على فوائد القروض في ما يتعلق بأنواع السكن الأخرى، الأمر الذي سهل على العديد من المغاربة اقتناء شقق وخفف العبء عن أجور المستفيدين.
لكن، هذه الإمكانية غير متاحة في ما يتعلق بالتكاليف التي يتحملها الآباء لتسجيل أبنائهم في مؤسسات التعليم الخاصة، لذا وفي إطار تشجيع الاستثمار في هذا المجال، فإنه يتعين أيضا تخفيف العبء عن الأسر في ما يتعلق بالتكاليف المرتبطة بالرسوم المدرسية، من خلال ضمان حق خصم هذه التكاليف من أجور آباء وأولياء التلاميذ قبل إخضاعها للاقتطاع الضريبي، ولو من باب أن هؤلاء الآباء يوفرون على الدولة، من خلال تسجيل أبنائهم في مؤسسات التعليم الخاصة، موارد هامة بالنظر إلى ما تتحمله من أعباء مالية على كل تلميذ بالقطاع العام.

تصنيف المؤسسات
يقترح بعض الفاعلين في القطاع أن يتم تصنيف مؤسسات التعليم، إذ لا يعقل أن توضع كل المؤسسات في خانة واحدة، بالنظر إلى اختلاف حجمها واختلاف الرسوم، التي تفرضها على التلاتميذ المترددين عليها، وبالتالي العائدات التي تحصلها.
ويتعين على المسؤولين إجراء افتحاص مستمر على المؤسسات، سواء على مستوى جودة الخدمات المقدمة، أو في ما يتعلق بالرسوم المدرسية التي تفرضها. وهكذا يتم تحديد الرسوم المدرسية للمؤسسات التي ستستفيد من إعفاءات وتحفيزات جبائية، وبذلك ستصبح الأمور أكثر وضوحا، إذ سيكون على الراغب في الاستفادة من التحفيزات الجبائية تحديد الرسوم المدرسية المطلوبة لهذا الغرض، وبذلك ستكون الإعفاءات والتسهيلات الجبائية تصب في مصلحة التلاميذ المسجلين في هذه المؤسسات.
ويتعين أن يحظى قطاع التعليم الخاص، حسب المصادر ذاتها، بالأهمية التي يستحقها في إطار الإصلاحات المعتمدة في هذا المجال، من أجل الوصول إلى تأهيل وتحسين جودة الخدمات المقدمة لضمان تكوين عصري للناشئة، بما يستجيب لمتطلبات سوق الشغل، إضافة إلى تكوين جيل له من المعرفة ما يخول له الاندماج في محيطه بشكل فعال، وبذلك فإن قطاع التعليم الخاص لا يمكن أن يدخل في إطار القطاعات التجارية المحض، التي تخضع لقانون العرض والطلب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى