fbpx
خاص

قصار القامة … تهميش وسخرية

يتعرضون لجميع أنواع والإهمال ويعانون نظرات المجتمع القاسية

داخل مجتمع لا يرحم ولا يؤمن بالاختلاف، كيفما كان نوعه، يعيش قصار القامة حياة صعبة وقاسية. يعانون التهميش والإهمال، حتى من أقرب الناس إليهم، الذين يعتبرونهم لعنة، لا يجدون سبيلا للتخلص منها، سوى إبعادها عن أعين الناس، تجنبا ل”الفضيحة”. لم يختر قصار القامة أن يكونوا كذلك، لكن خللا في هرمونات النمو، إلى جانب أسباب أخرى وراثية، تختلف من حالة إلى أخرى، جعلتهم يواجهون قدرهم المحتوم في دنيا لا تحترم إلا “العمالقة” وطوال القامة، وما عداهم، تدوسهم الأقدام. عاشوا طفولة مختلفة، عانوا فيها كثيرا بسبب نظرة الآخر. ولأن السن صغيرة، والعقل يفتقر إلى النضح الكافي، اضطر بعضهم إلى مغادرة مقاعد الدراسة، في حين اختار آخرون مهنا بسيطة يكسبون منها لقمة عيشهم المغمسة في وحل التحقير والسخرية «الصباح»، اقتربت منهم، ونقلت إليكم، في هذه الورقة، جزءا من هواجسهم وحكاياتهم.

إنجاز: نورا الفواري

لم تكن (مريمة ش)، ابنة الخميسات التي تبلغ من العمر 31 سنة اليوم، تفهم، وهي طفلة، لماذا ينظر إليها الناس ويضحكون أو يتغامزون. إذ كيف لطفلة في عمر زهرة، أن يستوعب عقلها الصغير الشر والسوء الكامن في نفوس البشر. حين أصبحت واعية، فهمت، فكرهت شكلها ومنظرها مثلما كرهت جميع قصار القامة أينما وجدوا، وقررت أن تتقوقع على نفسها مخافة نظرة الآخرين لها.

كائنات غريبة
تقول مريمة، في اتصال مع “الصباح”: “قصار القامة في المغرب يعانون جدا بسبب نظرة الآخرين إليهم، والتي أجدها قاصحة شوية. كل الأصابع تشير إليهم وكأنهم كائن غريب نزل من كوكب آخر. صحيح أنهم مختلفون، لكن الناس ليسوا كلهم سواسية والاختلافات بينهم موجودة. إن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه أحد وهو يشاهد قصير قامة، هو عقليته التي قد تكون أرقى وأفضل من عقلية شخص طويل”.
مريمة تزعجها نظرة الآخر إليها. لا تحبها. تقول إنها ليست مسؤولة عن حالتها، التي كانت قضاء وقدرا، لكنها مسؤولة عن أخلاقها، وهي مسألة تملك هي فقط في يديها مفاتيح السيطرة عليها. تقول غاضبة “علاش الناس ما زال ما بغاتش توعى؟ يحز في نفسي أن أجلس في مقهى أو في فضاء عام، وأرى شخصين راشدين يتغامزان علي”. ولولا شخصيتها القوية، حسب ما يظهر عليها وما يحكيه الناس من حولها، لما استطاعت مريمة أن تواجه الناس والمجتمع. تقول “عدد كبير من قصار القامة، لا يخرجون أبدا للشارع ولا يبارحون منازلهم من أجل الذهاب إلى مكان عمومي، لأن النظرة إليهم وكأنهم كائن غريب، تسيء إليهم، علما أن لا دخل لهم في ما هيأه القدر لهم».

يأس ومرارة
مريمة تقطن مع أسرتها. لا تشتغل، لكنها مليئة بالحياة، مثلما تظهر صورها على موقع “فيسبوك”، رغم أنها مرت من مراحل يأس مريرة. سألتها “الصباح” إن كانت خضعت لحصص علاج نفسي لتصبح على ما هي عليه اليوم من ثبات وقوة شخصية، فأجابت بالنفي وقالت “كنت أجلس كثيرا مع نفسي وأحدثها. فكرت جيدا وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنني يجب أن أتقبل نفسي أولا قبل أن أطلب من الآخرين أن يتقبلوني. إنه قدر الله الذي لا راد له وليس بإمكاني أن أغير فيه شيئا. أقنعت نفسي أن كلام الناس وسخريتهم لا يجب أن تتسبب لي في الأذى. لأن المشكل فيهم وليس في”.
سألناها إن كانت مجتهدة في فترة الدراسة، وكيف قضت مسارها الدراسي؟ فأجابت مريمة “في فترة الابتدائي، التحقت بمدرسة خاصة بالأطفال في وضعية إعاقة، وبالتالي لم أكن أشعر بأي فرق. لكن بعد الانتقال إلى مرحلة الإعدادي، كنت الوحيدة في المدرسة التي قامتها قصيرة. لقد كان الانتقال من محيط إلى آخر، صادما بالنسبة إلي”.

مأساة اسمها المدرسة
ستعاني مريمة مأساة حقيقية جعلتها تكره الدراسة كراهية شديدة. اعتقدت في البداية أن مشكلتها مع أقرانها من التلاميذ، الذين كانوا يستهزئون بها، ويسخرون من شكلها، قبل أن تفاجأ بردة فعل المعلم نفسه، الذي حين شاهدها في القسم، علّق قائلا “أنا كا نقري التلاميذ ماشي البورطابلات»، قبل أن ينفجر الجميع بالضحك. وحين اشتكت سلوكه إلى المديرة، ضحكت بدورها وقالت لها «غير تا يضحك معاك». تحكي مريمة بنبرة ألم وتحسر “أصبحت أكره الدراسة بعد هذه الحادثة. ثم بدأت أتغيب بعدها عن الدروس إلى أن تركتها تماما لأن الأجواء داخل القسم لم تكن صحية. قرار اتخذته في سن صغيرة وندمت بعده كثيرا. لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لما استسلمت لسخريتهم، ولكنت أكملت دراستي مهما حصل”.
تكره مريمة قصار القامة، رغم أنها منهم وتشبههم. تحاول ما أمكن أن تكون صداقاتها مع أشخاص “عاديين”. تقول “قصر القامة شكل لي عقدة كبيرة. أكرههم وأحاول أن أبتعد عنهم ما أمكن. لا أحب أن أتواصل معهم بأي شكل من الأشكال”. أما عن الحب والزواج وتكوين أسرة، فتقول “الزواج قسمة ونصيب. لكن نظرة المجتمع قاسية. لا توجد أم ستوافق أن يتزوج ابنها العادي فتاة قصيرة القامة، حتى ولو لم يكن هناك أدنى تحفظ على تربيتها وسلوكها. سيكون كلام الناس أهم بالنسبة إليها من كل الاعتبارات الأخرى”، ثم تضيف بنبرة أسى «شباب اليوم أيضا لا تهمهم العقلية أو الأخلاق. إنهم يهتمون بالمظاهر فقط. فعن أي زواج تتحدثين؟».

تنشيط وتهريج
يتحسر نزار بن قطابة، رئيس الجمعية المغربية لقصار القامة، على أوضاع الأشخاص من أمثاله، الذين لا يجدون أمامهم أي فرصة للتقدم والتطور في المجتمع. يقول، في حديث مع “الصباح”: “نعاني التهميش في كل المجالات التي نشتغل فيها، سواء تعلق الأمر بالرياضة أو الفن أو غيرهما. قصير القامة في مجتمعنا لا قيمة له، والجميع يستهزئ منه”.
بن قطابة هو أيضا عميد المنتخب الوطني لكرة القدم لقصار القامة الذي يخوض مبارياته على صعيد دولي، دون أن يحصل على أي تعويضات من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي يترأسها فوزي لقجع. يقول «ما كا يعطيونا لا فلوس، لا بريمات، لا أجور، كا يخسرو علينا الطائرة اللي كا نمشيو فيها نلعبو ونرجعو». ثم يضيف “هذا ما يقع لقصير القامة في جميع المجالات. لذلك تجد أغلبهم يتوجه إلى مجال التنشيط والتهريج. 90 في المائة يشتغلون في أعياد الميلاد والفنادق والكباريهات والملاهي الليلية لكسب لقمة العيش، و10 في المائة منهم فقط ينتمون إلى عائلات ميسورة. حتى لو كانوا متعلمين وحاصلين على دبلومات، فهي لا تنفعهم في شيء، لأن لا أحد يرضى أن يشغلهم، بسبب شكلهم”.

الحوار والتصالح مع الذات
قبل أن يتعرف نزار على أصدقائه ويؤسسوا جمعية قصار القامة، كان كل واحد منهم يعيش منعزلا بنفسه، تضيق به دنياه وحياته بسبب نظرة الناس والمجتمع إليه. فأن تتعايش مع أشخاص يضحكون لرؤيتك كلما التقوك أو صادفوك في طريقهم، ليس أمرا سهلا. ولولا مساندة ودعم الوالدين وبعض أفراد العائلة، لمات أغلبيتهم كمدا ويأسا.
يحكي بن قطابة “اجتمعنا أول مرة في 2017. أسسنا الجمعية وبدأنا نتحدث عن فكرة منتخب لكرة القدم. أصبحنا بعد ذلك نواجه المجتمع معا. إذا ضحك في وجهنا أحد، نسأله مباشرة: لماذا تضحك؟ إلى أن بدأت نظرة بعض المحيطين بنا تتغير شيئا فشيئا. ولينا كا نبانو ليهم عادي. الناس معقدين وخاص اللي يبقى يشرح ليهم كلشي. ولينا كا نفهموهم باللي حنا بشر بحالنا بحالهم والاختلاف اللي كاين راه غير فالطول”.

أصبح قصار القامة المنضمين إلى الجمعية، يجلسون جماعات في المقهى ويتجولون في الفضاءات العامة. في البداية، كان منظرهم يثير استغراب المارة أو رواد المقهى، إلى درجة أن البعض منهم يطلب أن يلتقط معهم صورة. أما بالنسبة إليهم، فلم يكونوا يشعرون بأي اختلاف. كانوا يمارسون حياتهم مثلما يرغبون، في لا مبالاة تامة. يقول نزار “لم أكن أحب أن أرى شخصا مثلي قصير القامة. كان يذكرني بشكلي لأنني لم أكن متصالحا مع ذاتي. الدور الذي يلعبه المحيط والوالدان مهم جدا في مسألة التصالح هاته. إذا كان أصل العلاقة هو الحوار، فسيكون كل شيء على ما يرام. أسوأ شيء يمكن أن يدمر هذه العلاقة هو القمع”.

رجل كامل
(شفيق. ن)، واحد من قصار القامة، الذي يعيش حياته متصالحا مع نفسه ومع الآخرين. في عمره اليوم 31 سنة، ويدير محلا للألعاب الإلكترونية. كان يحلم منذ صغر سنه أن يتزوج امرأة “عادية”، لا تشبهه. سألته “الصباح” عن السبب. فأجاب بأن نظرة المجتمع تقل قسوتها حينها. يقول “ملي كا تخرج للشارع مع بنت عادية ما كا يشوفوش فيك الناس بنفس الطريقة اللي كا يشوفو فيها فيك ملي كا تكون نتا وياها قصار القامة. مع القصيرة كا يكثرو فيك الشوفة. مع الطويلة كا تدوز عادي”. جواب يكاد يكون خاليا من كل منطق، ولا يتقبله العقل، لكنه الإحساس الذي كان ينتاب صديقنا.
سيقع شفيق، الذي يشتغل أيضا مساعدا لمدرب الحراس بالمنتخب الوطني لكرة القدم لقصار القامة، في حب فتاة “عادية” وسيتحقق حلمه بالزواج منها. يحكي كيف تقبلته هي من جهة، ثم كيف تقبلت عائلتها زواجهما من جهة أخرى، ويقول “تقدمت إلى والدها مثل باقي الخلق والناس. لم يتعامل معي بنقص أو قلل من قيمتي. فأنا رجل كامل، أشتغل وأكسب قوت يومي، ويمكنني أن أكون مسؤولا عن تكوين بيت وأسرة. زوجتي أيضا أحبتني وكانت سعيدة باقتراننا. نحن لا نلقي بالا لكلام الناس».
زوجة شفيق حامل اليوم، لكنها لا تعرف جنس جنينها ولا إن كان سيولد قصير القامة أو عاديا، ولا تريد أن تعرف. إنهما يتركان الأمر بيد الله. سألناه إن كان يرغب في أن يكون طفله شخصا عادي الطول فأجاب “أي واحد ما كرهش ولدو يعيش حسن منو، ولكن اللي جابها الله مرحبا بيها. المهم، أنني سأكون بجانب ابني، دائما وأبدا، أيا كان شكله أو طوله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق