fbpx
بانوراما

عائد من جحيم صدام … الهروب الشجاع

عائد من جحيم صدام (الحلقة الأخيرة)
بدأت الحكاية في اليوم الأول من مارس 1991، كان الأفق معتكرا بلون الغروب، ودخان حرائق آبار النفط العراقية، ما أضاف كآبة إلى كآبة الشارع البصري، الذي كان متوترا وينذر بعاصفة قوية، زادته حالة الجنود المأساوية، عنفا ولهيبا وحماسا. هكذا وجد نفسه قاسم البريسم، الدكتور والأستاذ الجامعي، الذي ترك خلفه مسارا أكاديميا مميزا بجامعة “إكستر” البريطانية، ليقرر في لحظة ضعف عاطفية العودة إلى بلده العراق، منتصف الثمانينات، ويعايش فظاعات ما تبقى من سنوات الحرب مع إيران، قبل أن يقرر صدام حسين الزج بالشعب العراقي في مواجهة أخرى بعد غزوه الكويت مطلع التسعينات. عبر هذه الحلقات نسافر بكم عبر تجربة من داخل سجون الرضوانية، حيث كان محكوما عليه بالإعدام، قبل أن ينجو من الموت بأعجوبة، وتكتب له حياة جديدة استجمع فيها تفاصيل ما جرى، لنستعيدها معكم على لسانه.
إعداد: عزيز المجدوب

خمسون كيلومترا قطعناها ركضا وزحفا في اتجاه الأردن

الخامس من يناير 1998، بداية فجر الحرية. برد يناير قارس، الصحراء أكثر برودة في الليل، الدليل يضع أذنه على تراب الصحراء، يتحسس حركة دوريات الشرطة على الأرض. إنه يعرف دروبها وشعابها، نركض ونركض، نتعرق، نختفي من أعين سيارات الشرطة المتجولة في الصحراء، بين الكثبان والشجيرات.
الذئاب تطاردنا، ترافقنا، نلمح عيونها البراقة المتعطشة لدمائنا، نقدح نيران ولاعاتنا، نرميها بالحجارة والصخر، ترتد، تعود، تشم رائحة اللحم الطري ، تتابعنا، نقاومها بشراسة، تقاومنا.
خيوط الفجر الفضية تلوح في الأفق، تختلط بشفق الشمس، تضيء ظلام الصحراء. خمسون كيلومترا قطعناها، ركضا وزحفا، لم تبق إلا كيلومترات قليلة تبعدنا عن الطريق المؤدي إلى الأردن، عمان، ويصبح حلمي حقيقة. يا له من حلم جميل، أن لا يخاف فيه الإنسان، وأن ينعم بحرية الكلمة، أن لا يحمر جلده بسياط الجلادين لرأيه وفكره السياسي. يا ليت قول فولتير يصبح حقيقة بيننا نحن البشر: “قد أختلف معك في الرأي ولكن أقاتل من أجلك حتى الموت كي تقول رأيك “. نحن نحقق بالحرية إنسانيتنا، نحررها من الخوف، ويتنفس العقل فيها الإبداع، لذا يمكن أن أتصرف بقول ديكارت، وأقول : “أنا حر فأنا موجود”.
الشاحنات الذاهبة إلى العراق والعائدة منه إلى الأردن، تتزاحم في الساحة القريبة من الشارع العام. بدا علينا نحن الخمسة مع الدليل، التعب والإنهاك، كنت أكبرهم في السن، لكن أكثرهم نشاطا بدافع الخلاص والبحث عن الحرية، تشبث كل واحد منا بسائق يوصله إلى عمان.
سلمت على سائق شاحنة نفط. كانت ملابسي ملطخة بالوحل، تأملني، رفض حجتي، توسلت له، قال: سأخذك إلى ما قبل نقطة التفتيش، لا أتحمل مسؤوليتك. نزلت قبل نقطة التفتيش الرئيسية، تسللت مع المسافرين إلى عمان بالحافلة. ليس عندي سوى هوية الأدباء والكتاب العرب. جلست في المقاعد الأخيرة في الحافلة. لم يدقق الشرطي معي كثيرا، الحمد لله عبرت حاجز الخطر، أصبحت في أمان الآن.
الساحة الهاشمية في عمان مكتظة بالناس، رغم الثلوج التي غطت الشوارع، ارتميت في مقهى، مقابل المسرح الروماني، أسمع أصوات العراقيين في المقهى، كانت الأردن بوابتهم إلى العالم الخارجي.أربعون دولارا كل ما أملكه، أحتاج إلى سكن لليلة، وفي الصباح أذهب إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. مررت بالجامع الكبير، باتجاه مقهى السنترال الذي يرتاده الأدباء والمثقفون، عندما صاح عليّ شخص باسمي. حياني مصطفى بحرارة. يا لها من مصادفة جميلة، قال لي: هل هربت؟ قلت: نعم عبر الصحراء، الليلة الماضية. مصطفى مهندس يعمل في بلدية عمان، منذ أن غادر العراق بسبب الحصار، أخذني إلى شقته في جبل عمان، نمت هناك، وفي الصباح ذهبت الى مكتب الأمم المتحدة مبكرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى