fbpx
ملف الصباح

ناشيد: أخـلاق العبـادات لا تنتـج الإنسـان

ناشيد: العامل السياسي لعب دورا كبيرا في إحداث شرخ بين الأسرة والمدرسة

يرى المفكر سعيد ناشيد، أن موضوع القيم ومدى تأصيلها من عدمه في المجتمع، يحتاج إلى دراسة علمية أولا، لمعرفة الأسباب والمحددات والقضايا التي أدت إلى الخلخلة في هذه القيم، التي تنعكس على مستوى سلوك الأفراد والجماعات. وأضاف أنه إذا عدنا إلى المدرسة بالخصوص والمجتمع المغربي، إلى ما قبل الثمانينات، نجد أن عوامل التنشئة على القيم، كانت محددة في عاملين أساسيين، الأسرة والمدرسة، الأسرة باعتبارها أول مؤسسة للتنشئة حين يبدأ الطفل يتلقى من الأبوين كل الرموز الأخلاقية الموجودة في المجتمع، تأتي بعدها المدرسة، حيث حينما ينتقل الطفل من البيت إلى المدرسة يكون هناك أيضا نوع من التكامل والتوازن بين المؤسستين.
وأشار المفكر المغربي، إلى أنه كانت علاقة تكاملية بين المؤسستين، بشكل واضح ومتميز، ولم يكن التلميذ بوسعه أن يسمع نقدا أو أي كلام لا يصلح بالنسبة للمدرسة ولا المعلم، بالتالي كانت صورة المدرسة لدى الطفل آنذاك لها ميزتها وتقديرها واحترامها، بكل ما تحمله المدرسة من أبعاد ومعان، وكانت لدى المجتمع ككل هذه الصورة، التي كانت تنعكس أيضا على الأطفال في تعاملهم مع المدرسين والمدرسة والمواد بشكل عام.
وأردف ناشيد، أن القيم الأخلاقية كانت واضحة وبارزة، وتسري على المجتمع، لذلك كان البيت الشعري “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، للشاعر المصري أحمد شوقي، يحفظ في الأقسام والمدارس بشكل كبير، وهذا هو النموذج الذي كان يحتذى به حينها.
وتساءل المتحدث ذاته، عن العوامل التي أجهزت على هذه البنية القيمية، التي هي أساس بناء المجتمع وتطوره وتماسكه وتقدمه، قائلا “إن العامل السياسي لعب دورا كبيرا في إحداث شرخ بين الأسرة والمدرسة من جهة، وأيضا داخل مكون المنهاج التعليمي ككل، بما يجعله منهاجا يمكن استعماله سياسيا بالشكل الذي كانت ترغب فيه السلطات الحاكمة آنذاك، لأن المدرسة عبرت عن قدرتها في إنتاج جيل ذي أخلاق ورؤية للحياة جد متقدمة ومتحررة، وقد ظهر ذلك في أحداث 1965 بالبيضاء (الاحتجاجات الطلابية الدموية)، وفي مجموعة من المكونات التي بدأت تبرز في شباب ذلك الوقت، من خلال نوع التكوين المدرسي الذي كان قويا وجديا ومتماسكا، فأدى إلى إبراز تصورات الحرية بشكل جديد على المستوى السياسي”.
وأكد ناشيد أنه، ينبغي إعادة النظر في المنهاج التعليمي، الذي يعني باختصار، الصورة التي يود النظام السياسي أو المجتمع بشكل عام أن ينتج عليه الأجيال القادمة، كي تكون بالشكل الذي ترغب فيه الفئة الحاكمة أو السياسة العامة، وهذا الجيل أصبح الآن غير مقبول بهذا الشكل، فضلا عن إعادة النظر في الصورة النمطية للمدرسة، التي كانت نموذجية وتم تخريبها في 1979، مع الإضرابات العامة لرجال التعليم، من قبل الإعلام.
وأوضح الباحث ذاته، أن الجانب الثاني من الأزمة، يتمثل في المنهاج التعليمي ومكوناته، إذ بدأ التفكير في زرع منافذ جديدة فيه من أجل تفكيك الفكر البناء الذي ينظر إلى المستقبل نظرة تحررية تقدمية فلسفية بنمط جديد، والتفكير في إيجاد برنامج جديد يسمي التربية الإسلامية ضدا على الفلسفة التي كان النظام يرغب في إزالتها لكنه عجز عن ذلك وأعاد النظر في مكوناتها، وأصبحت هناك مادة جديدة لتفكيك المنظومة الأخلاقية التي كان يبنيها المنهاج السابق، إذ أصبح المنهاج التعليمي يبني أخلاق العبادات عوض أخلاق المعاملات.
وأبرز ناشيد، أن المجتمع في حاجة إلى أخلاق المعاملات، لأنها هي التي تبني أسسه وتزكي القيم وتكون العلاقات بين الناس، على شكل إنساني تفاعلي تكاملي في إطار جماعي، لكن هذه المادة الجديدة أجهزت على هذا الجانب وأصبحت تبني سلوكا جديدا، من خلال منهاج تعليمي فيه نموذج لقيم دينية لها ارتباط بالعبادات، لذا أخلطت الأمر بين ما هو تعبدي وما هو سلوكي، وربطت ما هو مقدس بما هو مدنس (سلوك إنساني)، فأصبحنا أمام نوع آخر من الأخلاق وهي أخلاق العبادات، التي لا تنتج الإنسان المتكامل، الذي ينظر إلى الحياة، بل الذي ينظر إليها من زاوية محددة وهي زاوية دينية مبنية على خلفيات أخرى.
وفسر هذه الخلفيات، بالقول إنها “أولا التعبدية (التعبد لله وحده) بالتالي لا يمكنه أن يناقش الآيات ولا الأحاديث ولا الأساليب الدينية، إنما ينبغي أن يؤمن بها كما هي، إذن هو لا يمتلك الحرية الفكرية في مناقشة ما يأخذه، وأصبحت هذه المادة تتسم بالقوة لأن غلافها الزمني أقوى من ذلك المخصص لسائر المواد، وأصبحت تسري في سلوك أجيال من بداية الثمانينات إلى اليوم.

يجب إعادة النظر في المنهاج التعليمي
أدى هذا الواقع حسب ناشيد، إلى ضبابية في الصورة الدينية، ولم تعد مبنية على قناعة شخصية واعتقاد ملزم للشخص، قد يقسم الشخص بشيء ويفعل نقيضه، لأن العقيدة هنا مبنية على الخوف الذي يدمر القيم والشخصية، وليس على الإيمان الصادق والمحبة الثابتة، كما كان الأمر بالنسبة للمنهاج السابق، الذي كان يبني العلاقة بين الفرد وربه على المحبة، التي تنعكس على القيم المجتمعية، فالذي يحب الله يحب البشر، ولكن الذي يخافه يخاف البشر، ومن يخاف فقيمته الأخلاقية ضعيفة ولا تصلح لأن تبني جيلا قادرا على قيادة مجتمع أو تصحيح أعطابه.
وخلص ناشيد إلى أنه يجب إعادة النظر في المنهاج التعليمي، مبرزا أنه سبق للملك في 2016 أن نادى بإعادة النظر في منهاج التربية الإسلامية لأنها لا تناسب العصر، دون جدوى، لأنه من أهم الأمور اللازمة لمعالجة القيم الأخلاقية التي تعد أساس تماسك المجتمع وتقدمه وارتقائه.

يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق