fbpx
ملف الصباح

القيم والأخلاق … سنوات الضياع

الطمع والغدر والخيانة أصبحت علامة “قفوزية” و”النية” و”رجولة” المواقف ضعف شخصية

من الطبيعي أن تتطور المجتمعات وتتغير مع مرور الزمن. لكن من غير المقبول أن يوازي هذا التطور تغير في القيم، لأن المفروض فيها أن تكون كونية خالدة راسخة لا تتبدل، ينشأ الفرد على احترامها ويتربى في البيت والمدرسة، وحتى في الشارع، على منحها المكانة اللازمة التي تستحقها في سلوكه اليومي. والمجتمع المغربي، مثله مثل سائر المجتمعات في العالم، قدّر له أن يواكب التغيير الذي يعرفه العالم، في مجالات مثل التكنولوجيا والثورة الرقمية والأنترنت، دون أن يكون مساهما فيه أو مستعدا له، لذلك ربما كان هذا التغيير وبالا عليه. وبدل أن يتقدم إلى الأمام، انتكس وتراجع إلى الوراء، لأسباب عديدة اختلف الباحثون حولها، ما بين موجه أصابع الاتهام لسياسة التفقير والتجويع و»التكليخ» التي تعرض لها المغاربة مدة عقود، وبين متحدث عن غياب دور التربية، سواء في البيت أو المدرسة، التي أنتجت لنا جيلا من الضباع وأدت إلى انهيار منظومة القيم تماما في مجتمعنا.
كان المغربي، أيام زمان، لا يقبل الضيم على جاره. يقتسم معه الحلوة والمرة. أبناء الجار بمرتبة أبنائه وتربيتهم واجب عليه أيضا. كان التضامن والتآزر مع الفقير والمستضعف والمظلوم قيمة لا يعلى عليها. أما الاحترام، فيربى عليه الطفل منذ نعومة أظافره. إلقاء الأزبال في الشارع والتحرش بأنثى مارة من حي أو شارع، مهما ارتدت من ملابس «فاضحة» بالنسبة إلى البعض، كان جريمة لا تغتفر. شعار «ما شغليش» الذي يرفعه العديدون اليوم لم يكن له مكان في الماضي. كان الكل معنيا بما يقع أمامه أو في محيطه. لم يكن مقبولا أن يتعرض أحدهم للسرقة في حين يقف الآخرون متفرجين، لم تكن جرائم القتل بهذه الوتيرة وهذه البشاعة، ومثلها جرائم «زنا المحارم» والسرقة والنهب والاحتيال والنصب. كانت «النية الصافية» سيدة العلاقات، والرجولة في المواقف، سواء تعلق الأمر بأنثى أو ذكر، هي العملة الرائجة بين الناس. كان الطمع والجشع والغدر والخيانة سلوكات ممجوجة، فأصبحت اليوم علامة على «القفوزية» والذكاء والفطنة. كانت الرحمة والإنسانية والعطف شعار أغنياء زمان في التعامل مع الفقير، فأصبحت اليوم، في زمن الأغنياء الجدد، الذين جمعوا أموالهم ب»الشفرة» والتزوير والتهريب والتبييض، علامة ضعف وانعدام شخصية… و»زيد وزيد» من التغييرات التي جعلت مجتمعنا غابة يأكل القوي فيها الضعيف، ويسرق المنتخب الناخب، ويضرب فيها التلميذ المعلم، ويمارس الأخير جميع أنواع السادية على المتمدرسين، ويتعرى السياسيون في البرلمان ويتراشقون بالاتهامات في العرض والشرف ويتنابزون بأبشع الألقاب، وتتسيد كائنات «يوتوبية» بشعة عرش الأنترنت وتنشر الثقافة «الميلودية» على أوسع نطاق، وتتميع الصحافة الجادة وتفقد دورها لصالح مواقع «عاجل» و»مثير» و»شاهد قبل الحذف» وتغيب البرمجة التلفزيونية الراقية لتحل محلها مسلسلات تركية بليدة وسلسلات «سوحليفية» ماسخة. في الملف التالي، محاولة لرصد مظاهر الانهيار الخطير في منظومة القيم والأخلاق، بعيون متخصصين.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق