fbpx
بلاغات

اليوسفي… شاهد على العصر: الجديد في كتاب “أحاديث في ما جرى”

اليوسفي… شاهد على العصر (الحلقة الأخيرة)

اختار المؤرخ الطيب بياض، أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بكلية الآداب عين الشق بالبيضاء “الصباح”، للغوص في ثنايا السيرة الذاتية للفقيد عبد الرحمن اليوسفي، من خلال دراسة كتاب “أحاديث في ما جرى… شذرات من سيرتي كما رويتها لمحمد بودرقة”، وللحديث عن علاقة الذاكرة بالتاريخ وبالعلوم السياسية، على لسان “شاهد على العصر”. المؤرخ بياض رافق الراحل في لقاءات نظمت بعدد من المدن إلى جانب عدد من الباحثين والمفكرين ورجال السياسة، لقراءة وتقديم الكتاب/ الشهادة، لشخصية وطنية طبعت بمساراتها المتعددة تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، نقدم شذرات منها في هذه الحلقات.
إعداد: برحو بوزياني

معطيات عن ترشيح بوعبيد لبنجلون والتغطية الصحية وقضية النجاة

تتسم الذاكرة عموما بطابعها الانتقائي، تقبل على أمور وتعرض عن أخرى، تختزن معطيات تعتبرها مهمة أو لمجرد أنها تجد ذاتها فيها، وتلفظ أخرى قد تبدو لها تافهة، أو ببساطة لطابعها النشاز الباعث على النفور، وعند عملية التذكر تستحضر أمورا ولا تلتفت لغيرها، لنفس الأسباب التي يتقاطع فيها الموضوعي بالذاتي، أو المادي بالسيكولوجي.
ولأنها كذلك، ونظرا لطبيعة نظامها وآليات اشتغالها، لا يُفترض في الدارس لها والقارئ لما جادت به، أن يطبق عليها معيار الإنتاج الأكاديمي؛ فهي ليست أطروحة جامعية تبحث عن شرعية علمية، انطلاقا من استحضار السابق المنجز، والبحث عن التميز عنه بالجديد في الموضوع.
إن صاحب المذكرات عندما يكتب يكون متحررا من كل سلطة علمية، إذ هو يكتب لذاته أولا، ثم لجمهور بصيغة الجمع وليس المفرد. فهو، في الغالب الأعم، لا يستحضر فلانا أو علانا، ليطيب خاطره بكلمة أو شهادة، بل يكتب للجمهور الواسع، الذي ولا شك يقبل على هذه المذكرات بانتظارات متباعدة.
بيد أن ذلك لا ينفي السعي إلى تحقيق التراكم في مجال المذكرات دائما، في علاقتها ببعضها أولا، قبل تجميع معطيتها في مختبر التاريخ لاستخراج المادة العلمية منها. لذلك من الطبيعي أن يترقب قراء المذكرات جديدا في البوح، وإزاحة لمزيد من الستائر، على أركان بيت ذاكرة فاعلين يعلمون أن كشف أسرارهم قد يفيد في تسليط الضوء على أماكن عتمة كثيفة في الماضي البعيد لبلدهم.
جاء الحيز المخصص للبوح في «كتاب أحديث في ما جرى» صغيرا، مقارنة مع المساحة التي شغلتها الوثائق، غير أن الصفحات الـ215 المخصصة لما باحت به ذاكرة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي جادت مع ذلك بالجديد، بل قدمت معطيات تسمح بإعادة فهم محطات مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، وبالقيام بمقارنات بين تجارب في تاريخنا الراهن. سأركزها في أربعة معطيات أعتبرها حاملة لجديد منتج يستحق الانتباه والاستحضار في إعادة قراءة تاريخ مغرب القرن العشرين:
يقول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في الصفحة 51 من الجزء الأول من مذكراته: «بدأ زرع البذور الأولى لتأطير البروليتارية المغربية سنة 1944، كانت البداية مع شِغِيلة معمل السكر «كوزيمار» تحت غطاء محاربة الأمية وإعطاء دروس إضافية لأبنائهم، وامتد هذا النشاط، ليشمل العديد من المعامل، منها معمل الصابون وشركة السكة الحديدية وشركة الإسمنت وغيرها».
ثم يروي تفاصيل تجربته من داخل حزب الاستقلال، في تأطير الطبقة العاملة في الدار البيضاء، وينبه إلى أن «هذا التحول في البناء القاعدي للحزب لم يكن يحظى بعين الرضى من قبل العديد من القياديين في حزب الاستقلال(…) وقد استحسن الزعيم علال الفاسي هذا التغيير، عكس بعض القيادات الأخرى…».
تسعف الذاكرة هنا، من خلال هذه المعلومة، في تصحيح نسبي لطرح سائد عند بعض الباحثين في تاريخ المغرب المعاصر، ينتصر للقول إن حزب الاستقلال ظل يعتبر العمل النقابي من بنات أفكار الشيوعيين، ولم يحدث الاختراق لهذا الفهم إلا بعد صدمة ضربة ساليكان يوم 7 أبريل 1947.
يكشف الجزء الأول من المذكرات في الصفحة 128 عن معلومة جديدة تتعلق بالتحضير للمؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975، وتهم ترشيح عبد الرحيم بوعبيد لعمر بنجلون ليتولى قيادة الحزب، وهي المعلومة التي كشف خلفيتها امبارك بودرقة في مذكراته الصادرة هذه السنة تحت عنوان «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة».
المعلومات الجديدة المرتبطة بالتغطية الصحية الأساسية في الصفحتين 216 -217 تستحق الانتباه، من قبل المشتغلين بالأداء الحكومي خلال الفترة الراهنة.
المعطيات الجديدة التي كشف عنها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في قضية فضيحة النجاة في الصفحتين 218-219، جديرة بالدراسة على ضوء ما جاء بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق