fbpx
بانوراما

اليوسفي… شاهد على العصر 5: الأثر المكتوب يفي بالغرض المطلوب

اختار المؤرخ الطيب بياض، أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بكلية الآداب عين الشق بالبيضاء “الصباح”، للغوص في ثنايا السيرة الذاتية للفقيد عبد الرحمن اليوسفي، من خلال دراسة كتاب “أحاديث في ما جرى… شذرات من سيرتي كما رويتها لمحمد بودرقة”، وللحديث عن علاقة الذاكرة بالتاريخ وبالعلوم السياسية، على لسان “شاهد على العصر”. المؤرخ بياض رافق الراحل في لقاءات نظمت بعدد من المدن إلى جانب عدد من الباحثين والمفكرين ورجال السياسة، لقراءة وتقديم الكتاب/ الشهادة، لشخصية وطنية طبعت بمساراتها المتعددة تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، نقدم شذرات منها في هذه الحلقات.

إعداد: برحو بوزياني

كان يسهر شخصيا على تحرير مداخلاته وخطبه ويحرص على انتقاء دقيق كلماته

يقول كل من شارل فيكتور لونكلوا وشار سينوبوس في كتاب «المدخل إلى الدراسات التاريخية»، وهو الكتاب الموسوم بإنجيل الوضعانيين، وهم سادة الوثيقة، الذين لم يتخيلوا إمكانية كتاب تاريخ بدونها» التاريخ يُصنع من وثائق». والوثائق هي الآثار التي خلفتها أفكار السلف وأفعالهم. والقليل جدا من هذه الأفعال والأفكار هو الذي يترك آثارا محسوسة، إن وجدت فنادرا ما تبقى، لأن عارضا بسيطا قد يكفي لزوالها. وكل فكرة أو فعل لا يخلف أثرا، مباشرا أو غير مباشر، أو طمست معالمه، هو أمر ضاع على التاريخ، كأنه لم يكن البتة.
وبفقدان الوثائق، صار تاريخ عصور طويلة من الماضي مجهولا إلى الأبد، «إذ لا بديل عن الوثائق: وحيث لا وثائق، لا تاريخ». كان هذا الكلام في 1897، وهو ما يزال صالحا في جزء مهم منه، بيد أن مدرسة الحوليات ابتداء من 1929 مع كل من مارك بلوك ولوسيان فيبر، أضافت إلى هذا الطرح تصويبين مهمين، أولا توسيع مفهوم الوثيقة، الذي لم يعد مقتصرا على الوثيقة الرسمية المتأكد من سلامتها، بل أصبح يشمل كل ما له علاقة بالإنسان، ثم ثانيا، فتح مناهج وسبل جديدة، من أجل كتابة تاريخية قد تستعين بالوثيقة دون ارتهان أو تقديس لها. غير أن الذي لا اختلاف حوله بين الوضعانيين ومدرسة الحوليات أو حتى أصحاب التاريخ الجديد، هو أن التاريخ والوثيقة أو التاريخ والأرشيف عموما صنوان، التفاوت فقط في كيفية التعاطي والتوظيف.
يتحدث الأستاذ بودرقة عن دقة التدوين عند الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بالقول» كتب ما يكفي، بل كان يسهر شخصيا على تحرير مداخلاته وخطبه، ويحرص على انتقاء دقيق للكلمات، وصياغة الرسائل التي كان متفوقا في إعدادها وبعثها إلى أطراف الدولة والمجتمع». ويضيف « بادرت إذن إلى تجميع ما في المتناول، وأخذت على عاتقي مهمة إصدار هذه المتون، من التاريخ السياسي والفكري لهذا الوطن، حتى يتمكن المؤرخ والباحث من الرجوع إليها، باعتبارها نتاج أحد الشهود الكبار حول مرحلة طويلة بصمت التاريخ المغربي الراهن».
هي إذن متون غزيرة وكثيفة ومتنوعة جاءت في حوالي 970 صفحة موزعة بين وثائق تهم مواقف وأحداث خاصة، مرتبطة بمناسبات وسياقات مختلفة، أنتجت خطابات عكست تفاعل الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي معها من مواقعه المختلفة. ربما احتاج المرء إلى الاستعانة بالدرس الافتتاحي الذي قدمه ميشال فوكو ب»الكوليج دو فرانس» يوم 2 دجنبر 1970 تحت عنوان « نظام الخطاب»، لفهم بنيتها ودلالتها، لكن الأكيد أن قلم الصحفي ونباهة المحامي وحنكة السياسي تحكمت في انتاجها، وهي ثلاثية بصمت ولا شك الأثر المكتوب للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي.
كان الأستاذ بودرقة دقيقا ومكثفا لقيمة الحصاد، الذي جمعه بعد أن تحقق حلمه في إخراجه إلى الوجود، وهو القائل «شرعت في تجميع واستكمال وتوثيق ما يتصل بإنتاجات السي عبد الرحمان اليوسفي، وهي غزيرة، موصولة بماضيها، بنت زمانها، ومنفتحة على مستقبلها. إنتاجات في الفكر السياسي، صقلها بإبداع، وبعد نظر، متفاعلا مع القضايا الكبرى لبلده، على مستوى حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية والدستورية، وبناء رأي عام وازن بشأنها، وصولا إلى تحمل المسؤوليات الأولى في قيادة حزبه وعلى مستوى رئاسة السلطة التنفيذية».
قد يقبل الدارس لهذا الرصيد الوثائقي الزاخر على تتبع محتوياته بشكل كرونولوجي أو موضوعاتي، وفي كلتا الحالتين، سيكون على موعد مع خيط ناظم شارح لنسق خطابها، مثلما قد تقوده نباهته إلى مقابلة الوثيقة بالشهادة، إن رام الخوض في تمرين إبستمولوجيا المعرفة التاريخية، انطلاقا من ثنائية الشهادة والوثيقة. وهي ثنائية تعانقت في كتاب «أحاديث في ما جرى»، مثلما تعانقت فيه السيرة بالذاكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق