fbpx
خاص

الجواهري يعري اختلالات الحكومة

75.9 في المائة من السكان النشيطين لا يستفيدون من التغطية الصحية وتراجع نمو الدخل الفردي
كشف عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، خلال كلمته لمناسبة تقديم التقرير السنوي حول الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية للملك، مجموعة من مكامن الخلل التي تعتري تدبير الشأن العام، والتي تحد من فعالية البرامج والسياسات المعتمدة. وجاءت كلمة الجواهري، مثل المعتاد، خالية من لغة الخشب، إذ أشار إلى بعض الجوانب الإيجابية التي سجلها المغرب، خلال السنة الماضية، وركز، أيضا، على العوائق التي تحد من فعالية الأداء بالاستناد إلى تحليل المعطيات المتوفرة حول التطورات التي يعرفها عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ليخلص إلى مجموعة من التوصيات التي تتعين الاستجابة لها لتحسين الأداء
وتحقيق الأهداف المحددة داخل أجل مضبوط.
عبد الواحد كنفاوي

الدخل الفردي… نتائج دون المطلوب

اعتبر عبد اللطيف الجواهري أنه رغم الإنجازات التي تم تحقيقها في عدد من المجالات، مثل محاربة الفقر وتعميم التمدرس، فإن الأداء ما يزال غير كاف عموما لتحسين مستوى العيش بشكل ملموس وشامل. وأوضح والي بنك المغرب أن متوسط الارتفاع السنوي للناتج الداخلي الإجمالي الفردي ظل في حدود 2.3 في المائة، خلال العقد الحالي، مقابل 3.4 في المائة في العقد الذي سبق، ما جعل المغرب مصنفا ضمن الشريحة الدنيا لفئة البلدان ذات الدخل المتوسط، في حين استطاعت بلدان أخرى كانت تنتمي للشريحة ذاتها أن ترتقي إلى فئات عليا في السنوات العشرين الأخيرة.ويعد نصيب الفرد من الدخل الوطني الإجمالي أحد المؤشرات الأكثر استخداما لتقييم الأداء الاقتصادي ومستوى معيشة سكان بلد ما، ويصنف البنك الدولي، بوجه خاص، الاقتصادات وفقا لهذا المعيار إلى أربع فئات، الفئة الأولى ذات الدخل المرتفع، والثانية ذات الدخل المتوسط الشريحة العليا، والثالثة ذات الدخل المتوسط الشريحة الدنيا، والرابعة ذات الدخل المنخفض. ويتم تعديل عتبات هذه الفئات المختلفة سنويا بشكل يأخذ بعين الاعتبار تطور التضخم وأسعار الصرف.
وهكذا ارتفعت هذه العتبات من 755 دولارا للفرد، خلال 2000، إلى 955 دولارا مع متم 2018، بالنسبة إلى الشريحة الدنيا من فئة الدخل المتوسط، ومن 2995 دولارا إلى 3895 للفرد في ما يتعلق بالشريحة العليا من الفئة ذاتها، ومن 9265 دولارا إلى 12055 دولارا للفرد، بخصوص فئة الدخل المرتفع. وانتقل الدخل الفردي بالمغرب من 1390 دولارا، خلال 2000، إلى 3090 دولارا في متم 2018، ما جعل المغرب يصنف ضمن الشريحة الدنيا من فئة الدخل المتوسط. وأشار تقرير بنك المغرب إلى أن تحليل خصائص الشريحة الدنيا من فئة الدخل المتوسط، خلال 2000، أبان أنه، إضافة إلى النمو السريع في الدخل الوطني الإجمالي للفرد، حققت الدول التي تمكنت من تحسين تصنيفها أداء جيدا في ما يتعلق بجودة الحكامة والتنمية البشرية، خاصة في مجالي التعليم والصحة.

معدل النمو… الأضعف منذ 20 سنة
تأثر أداء الاقتصاد الوطني، خلال 2019، حسب ما جاء في كلمة والي بنك المغرب، بالظرفية الخارجية غير الملائمة والظروف المناخية السيئة، التي كان لها انعكاس سلبي على الإنتاج الفلاحي، ما أدى إلى تسجيل مستوى نمو ضعيف، إذ انتقل من 3.1 في المائة إلى 2.5، ما اعتبره والي بنك المغرب من أدنى النسب المسجلة في السنوات العشرين الأخيرة. بالمقابل تعززت الأنشطة غير الفلاحية، بفعل تنامي القيمة المضافة لفرع الإدارة العمومية والضمان الاجتماعي، إثر إعادة تقييم الأجور، وارتفاع إنتاج الكهرباء، في حين شهدت الصناعات التحويلية تباطؤا قويا، بينما ظل نشاط البناء والأشغال العمومية في حالة ركود، بعد تسجيله تحسنا من سنة لأخرى. وعرف الطلب الداخلي، الذي يعتبر المحرك التقليدي للنمو، تباطؤا نسبيا، إذ تراجعت وتيرة استهلاك الأسر من 3.3 في المائة إلى 2.8. وتراجعت مساهمته في النمو من 4.4 نقط إلى نقطتين مائويتين. ووصل الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى 1151 مليارا و 200 مليون درهم. وأخذا بعين الاعتبار ارتفاع التدفقات الصافية والتحويلات الجارية الصافية المتأتية من الخارج، بلغ الدخل الوطني الإجمالي المتاح 1203 ملايير و 400 مليون درهم، مسجلا زيادة بنسبة 3.6 في المائة.

نصف المغاربة بالقطاع غير المهيكل
كشف والي بنك المغرب أن ما يفوق نصف سكان المغرب يعيشون من أنشطة غير مهيكلة وأن جزءا كبيرا منهم يفتقر إلى الحماية الاجتماعية، مشيرا إلى أن ندرة فرص العمل الكبير تدفع آلاف السكان النشيطين، خاصة الشباب، إلى التوجه نحو وظائف غير مهيكلة وهشة. وأوضح أن أكثر من خمسة ملايين أسرة تقدمت بطلبات من أجل الحصول على المساعدات المالية التي تقدمها الدولة عن طريق صندوق “كوفيد 19” للتخفيف من تداعيات الجائحة على دخل الأسر.
وأكد تقرير بنك المغرب أن ظروف العمل تظل هشة بالنسبة إلى فئات عريضة من السكان، إذ أن 75.9 في المائة من السكان النشيطين لا يستفيدون من التغطية الصحية في إطار عملهم، وتصل هذه النسبة إلى 92.2 في المائة في المناطق القروية، مقابل 63.6 في المائة بالمدن. وتصل هذه النسبة في صفوف الأجراء إلى 54.7 في المائة، وتتراوح بين 27.9 في المائة بالنسبة إلى حاملي الشهادات العليا و 89.2 في المائة لدى غير الحاصلين على شهادات. وأشار التقرير إلى أن 22.4 من المشتغلين منخرطون في أحد أنظمة التقاعد، وتتحسن هذه النسبة، حسب مستوى التأهيل العلمي، إذ تبلغ 8.9 في المائة لدى غير الحاصلين على شهادات و 70.7 في المائة في صفوف حاملي الشهادات العليا.
ويهم العمل غير المهيكل الرجال أكثر من النساء، وينتشر بالخصوص في القطاع الفلاحي، إذ يمثل 90.9 في المائة، مقابل 80.3 في المائة في الخدمات و 72.5 في الصناعة، بما في ذلك الصناعة التقليدية. وخلص التقرير، بهذا الخصوص، إلى ضرورة اتخاذ إجراءات هامة لدمج القطاع غير المهيكل ضمن الأنشطة الإنتاجية المهيكلة لضمان العمل اللائق للجميع وتسريع التنمية الشمولية.

تـوصـيـات والي بنك المغرب
اعتبر الجواهري، والي بنك المغرب، أنه إذا كان من اللازم أن تشكل تدابير حماية الاقتصاد وإنعاشه، في القريب العاجل، أولوية السلطات العمومية، فإنه ينبغي على المديين المتوسط والطويل، إرساء سياسة فعلية للاستثمار في الصمود الاجتماعي والاقتصادي، أخذا بعين الاعتبار كل التحولات المرتقبة بفعل الجائحة على الصعيدين الخارجي والداخلي.

الاستثمار في الصحة
وشدد على أن تحقيق هذا الصمود يستند بالأساس إلى الحماية الاجتماعية وتثمين الرأسمال البشري، التي تعتبر من أبرز التحديات التي يواجهها المغرب، مشيرا إلى أن الوضعية الحالية أبانت أهمية توفير عروض كافية في مجال خدمات الصحة، وإتاحتها للمواطنين، خاصة المهمشين منهم. واعتبر أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارا كبيرا في البنيات التحتية وموارد النظام الصحي، إضافة إلى تسريع إصلاح السياسة الاجتماعية.

السجل الاجتماعي الموحد
أكد أن تحقيق هذا الإصلاح يظل رهينا بإرساء السجل الاجتماعي الموحد، الذي أصبحت السلطات، أكثر من أي وقت مضى، مطالبة بإنجازه في أقرب الآجال بغية تحسين استهداف المستفيدين واستدراك التفاوت الناجم عن تعدد البرامج الاجتماعية، ومن شأن هذه التدابير إفراز هوامش كبرى من الاعتمادات المالية التي تتعين تعبئتها لفائدة الاستثمار الاقتصادي والاجتماعي.

التربية والتعليم
اعتبر والي البنك المركزي أن المغرب قطع أشواطا كبرى في الجانب المتعلق بالتربية والتعليم، باعتماده القانون الإطار للرؤية الإستراتيجية 2015-2030، إلا أن تحقيق الأهداف الطموحة التي سطرها هذا القانون داخل الآجال المحددة، يعتبر تحديا كبيرا يتطلب توفيرموارد بشرية ومالية مهمة، كما يستدعي بذل جهود كثيفة لتوحيد وتعبئة كافة الأطراف المعنية وتحفيزها على الوفاء بالتزاماتها.
وأكد أنه رغم إحداث لجنة رفيعة المستوى لتتبع تنفيذ هذا القانون، فإنه ينبغي تكثيف الوعي بأهمية الرهان الذي يمثله هذا الإصلاح بالنسبة إلى مستقبل البلاد، للتمكن من إنجاح هذا الورش الهام.

رفع تنافسية الاقتصاد
طالب الجواهري بضرورة رفع تنافسية الاقتصاد وتسريع نموه مع تعزيز جانبه الشمولي، لتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي للمغرب في مواجهة التحديات، مضيفا أن المغرب استطاع، خلال العشر السنوات الأخيرة، تطوير عرض قابل للتصدير يتمحور حول المهن العالمية، إلا أنه يظل محدودا من ناحية المحتوى ورهينا بالواردات، ما يقلص من تأثيره على الاقتصاد وإحداث مناصب الشغل، ما جعل العجز التجاري يتفاقم باستمرار، لتتزايد حدة هشاشة التوازن الخارجي للمغرب.
واعتبر أن الجدال الذي أثاره، أخيرا، تنفيذ بعض اتنفاقيات التبادل الحر ومحاولات إرساء تدابير حمائية، من شأنهما أن يمسا بصورة وجاذبية المغرب في محيط تهيمن عليه التنافسية القوية، من أجل الاستمرار في جذب الاستثمارات، مشيرا، في الوقت ذاته، أن هذا الجدال يطرح السؤال حول عملية اتخاذ القرار لتوقيع اتفاقيات من هذا النوع، لأنها تتطلب المزيد من الترقب وتحليل الميزات والتكاليف على المدى الطويل.
ويتطلب تحسين التنافسية وتسريع النمو مواصلة مجموعة من الإصلاحات ذات الطابع الشامل، إذ سجل تأخر في عدد من الأوراش الإصلاحية، سيما الورش المتعلق بالميثاق الجديد للاستثمار، الذي كان من المنتظر أن يبث نفسا جديدا في قطاع الاستثمار.

تغليب المصلحة العامة
اعتبر الجواهري أن الوضع الحالي يستدعي أكثر من أي وقت مضى، وضع المصلحة العامة للبلد فوق كل مزايدات سياسية أو حزبية، مع اقتراب انتخابات 2021، إذ أصبحت كل القوى الحية مدعوة للتجند وراء الملك، للحفاظ على المكتسبات وتعزيزها حتى يخرج المغرب من هذه الأزمة أكثر متانة وأشد إصرارا على إتمام كفاحه الطويل الأمد لتحقيق نمو متسارع ومستدام وشمولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق