fbpx
اذاعة وتلفزيون

التلباني … “سوق البشرية” يعاني الكساد

مبدع «الله حي» الذي عانقت أشعاره العالمية يعيش وضعا مزريا

يعيش الشاعر الغنائي عمر التلباني، منذ سنوات، وضعيا صحيا واجتماعيا صعبا، لم تشفع له النجاحات التي عرفتها أغانيه بأصوات نجوم الطرب المغربي، في أن تضمن له وضعا مريحا يليق بعطاءاته في مسار الأغنية المغربية. في هذا الخاص تقربكم “الصباح” من العالم الخاص لمبدع رائعتي “سوق البشرية” و”الله حي”.

وسط صخب الحي المحمدي بالبيضاء، وبالقرب من نهاية خط الحافلة رقم 2، الشهيرة لدى أبناء الحي ب”النمرة جوج”، وعلى بعد أمتار قليلة منها من المدارة التي تتوسط الساحة يقبع بيت الشاعر الغنائي عمر التلباني.
من قال إن صخب الأحياء الشعبية لا يفرز شاعريته الخاصة، أو يلهم شعراء غازلوا ربة الشعر وسط الدروب والأزقة وتحرشوا بها وهي تتهادى أمامهم بمشيتها الميادة، فليسأل التلباني يأتيه الجواب اليقين. عمر التلباني ارتبط اسمه بالحي المحمدي الذي نشأ وترعرع فيه، قادما إليه من درب غلف الذي ولد به سنة 1951، وتفتح وعيه وسط مناخه المشبع بقيم الشهامة والنبل الذي يميز المواطنين البسطاء الذين يشكلون نسيج “الحي” بكل امتداداته، وبمختلف مكوناته العرقية التي انصهرت في بوتقة مغرب مصغر أعلن عن نفسه عبر مختلف التعابير الفنية والثقافية.
بمحياه الهادئ ونظراته المتعبة من أثر حصص تصفية الكلي، استقبل عمر التلباني “الصباح”، بصدر رحب في شقته بالطابق الأرضي للمنزل الذي لا يبرحه منذ عقود. كان قد عاد لتوه من حصة تصفية، ومع ذلك لم يمانع في إجراء حوار صحافي، ويستعيد معنا جوانب من ذكرياته مع الكتابة والشعر والغناء ورموز الفن الذين عايشهم وساهم في صناعة نجوميتهم.

في البدء كان نزار

أول ما يثير الانتباه عدد كبير من الكتب كانت مركونة على طاولة قريبة من سريره، الذي يرقد فيه ويقاوم فيه ألم المرض، وفي مقدمة هذه الكتب كان يظهر كتاب عليه عبارة “الأعمال الكاملة للشاعر نزار قباني” يبدو أن التلباني حرص على أن يظل قريبا منه.
كانت نقطة الحديث ابتداء من “نزار قباني”، بمجرد ما لفظ هذا الاسم أمام التلباني الذي كان غارقا في صمته، مستكينا لوهنه، حتى انطلق بالحديث منشرحا “نزار هو الكل ف الكل عندي”، بعد فترة صمت قصيرة، أردف قائلا “عن طريق هذا الرجل عشقت الشعر وتراكيبه وصوره”.
وغرق التلباني في صمته مجددا وكأنه يستعيد مشاهد مضت، قبل أن يتابع مشيرا بأصبعه تجاه باب الشقة المفتوح على الجهة الشرقية، قائلا “أول ديوان حصلت عليه كان لدى صاحب مكتبة في هذه الناحية، وكان يعرف شغفي بالشعر العربي والأدب، منذ مرحلة الدراسة الثانوية، لينصحني بقراءة دواوين نزار التي بدأت في الوصول إلى المغرب نهاية الخمسينات وبداية الستينات، فكانت البداية مع مجاميعه الشعرية الأولى مثل “قالت لي السمراء” و”طفولة نهد” و”سامبا” و”أنت لي” وغيرها من الأعمال التي جعلتني أكتشف وجها آخر للشعر غير الذي درجت على التعامل معه وحفظه”.
ويتابع التلباني “بدأت فعلا بكتابة الشعر الفصيح، وكان طموحي أن أصيرا شاعرا فصيحا على منوال الشعراء الذين كنت أقرأ لهم، قبل أن أحول وجهتي نحو الزجل، الذي شعرت آنذاك أنه في حاجة إلى نقلة نوعية لأن يكون في مستوى التطور الذي عرفته القصيدة الفصيحة التي اغتنت بصور وتعابير وأشكال جعلتها ترتدي حلة جديدة على يد الشعراء المعاصرين”.

لهجة جديدة

خلال مرحلة الستينات كانت الأغنية المغربية في أوج ازدهارها بعد أن تعزز المشهد الغنائي بالعديد من الأسماء في مجال التلحين والغناء، وأيضا في التأليف الغنائي الذي لمع فيها شعراء غنائيون حاولوا إعطاء الزجل الغنائي روحا أخرى، بتخليصها من تقليد الأغاني الشرقية، في المعنى والمبنى، وإيجاد لهجة جديدة تصلح للغناء وتواكب التحولات التي عرفتها الأغنية المغربية خلال تلك المرحلة.
في خضم هذه التحولات والحركية التي عرفها المشهد الغنائي المغربي برزت أسماء وجهت دفة التأليف الغنائي نحو آفاق وأبعاد متجددة، مثل حسن المفتي وعلي الحداني وقبلهما فتح الله المغاري وأحمد الطيب لعلج.
وكان ظهور عمر التلباني سنة 1967 من خلال برنامج “مواهب” الذي كان يعده الموسيقار الراحل عبد النبي الجيراري الذي كان أول من اقتنع بموهبة التلباني، وتنبأ له بأن يكون له شأن كبير في مجال الكتابة الزجلية الغنائية. وفي هذا السياق يقول الفنان والإذاعي أنور حكيم إن التلباني كان صوتا شعريا وزجليا متفردا خلال الفترة التي ظهر فيها، إذ اختار منذ البداية أن يكون متميزا عن بقية التجارب باختياره أسلوبا خاصا في التعبير عن المواضيع الإنسانية والعاطفية والوطنية. وأضاف حكيم أن العديد من نصوص التلباني تشكل امتدادا لشخصه المرهف، وقراءاته المتنوعة لمختلف الشعراء الرومانسيين وتأثره بهم، قبل أن يطور نزوعه الرومانسي إلى توجه إنساني وكوني خلال فترة التسعينات عبر النصوص التي لحنها للموسيقار عبد الوهاب الدكالي.
وتحدث الإذاعي والفنان عن عمل مشترك بينه وبين عمر التلباني بعنوان “دابا تدور ليام” لحنه محمد بلبشير وسجل على أسطوانة سنة 1975.
أما صديقه أحمد واحمان الشهير ب”بلحاج” فتحدث عن علاقة التلباني الوطيدة بالحي المحمدي والتصاقه ببيئته الشعبية التي ظلت تلهمه، كما تحدث عن عفة الرجل وكبريائه الذي جعله يترفع عن استغلال الفرص التي كانت تتاح له، مكتفيا بعالمه الخاص الذي كان يعيش فيه ولا يبارحه.
من جانبه استحضر صديقه الصحافي بوشعيب الضبار جانبا من علاقتهما خلال فترة السبعينات حين كان يتردد عليه بالرباط، وكيف أنه كانت له علاقة خاصة مع القنطرة التي كانت تربط العدوتين الرباط وسلا على نهر أبي رقراق التي ألهمته العديد من النصوص.
وتحدث الضبار عن شخصية التلباني وخجله الشديدالذي دفعه إلى التخلي عن الاستفادة من حقه المشروع، إذ رغم الشهرة والنجاح اللذين حققتهما أغانيه بأصوات رموز الطرب المغربي أمثال عبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح وسميرة بنسعيد وماجدة عبد الوهاب ورجاء بلمليح وغيرهم، إلا أن الجميع فوجئوا بأن الرجل لم يكن مسجلا ضمن لوائح المكتب المغربي لحقوق المؤلفين وهو الأمر الذي فوت عليه الاستفادة من عائدات أعماله الناجحة، قبل أن يتحرك بعض أصدقائه لتصحيح الوضع قبل أسابيع، من أجل تمكينه من حقوقه الضائعة لتغطية مصاريف علاجه من الأمراض وتبعات العمليات الجراحية التي جعلته مقعدا وطريح الفراش منذ سنوات.

الدكالي: توافق روحي

أما الموسيقار عبد الوهاب الدكالي فاعتبر فترة تعامله مع الشاعر عمر التلباني لحظة فارقة في مساره الفني، الذي حرص فيه على التجديد والتنويع في تعامله الشعري والزجلي مع أسماء تمثل توجهات مختلفة في الأغنية المغربية.
وأضاف الدكالي، في حديث مع “الصباح”، أن علاقته بالتلباني اتسمت بنوع من التوافق الروحي، والتفاهم على مجموعة من المواضيع التي أخذت منحى إنسانيا وكونيا، وهو الأمر الذي أفرز مجموعة من الأعمال الفنية المهمة مثل “مونبارناص” و”سوق البشرية” و”الله حي” وأغاني ألبوم “ثقب في الفضاء” وغيرها من القطع التي دفعت بمسار الاسمين معا نحو المحافل الدولية والاعتراف العالمي بقيمة الفن المغربي.
إنجاز: عزيز المجدوب

فقار يحتفي بالتجربة الشعرية للتلباني

أصدر عمر التلباني قبل سنوات ديوانا شعريا اختار له عنوان “في محراب العيون الزرق”، حرر تقديمه صديقه بوشعيب فقار الذي كتب “إن قدر أبناء الحي المحمدي من مبدعين وشعراء وكتاب وفنانين، من مختلف الأجناس الفنية، أن يسخروا كل ما يملكون من جهد، وكل ما يستطيعون حمله من معاناة ومكابدة من أجل إسعاد الآخرين، دون أن ينتظروا يدا تمتد إليهم،أو اعترافاً بجميل لهم إلا القليل منهم”. و جاءت هذه التلميحات من طرف “فقار” في سياق الحديث عن وضع الشاعر”التلباني”، الذي نالت قصائده الغنائية شهرةً كبيرة على المستوى الوطني والعربي. وفاز بعض المطربين المغاربة الذين غنوها بجوائز متميزة، مثل أغنية “سوق البشرية” لعبد الوهاب الدكالي في المهرجان الدولي للأغنية بالقاهرة، بفضل كلماته الرقيقة المجنحة في عوالم الخيال.
وأضاف كاتب مقدمة الديوان أن ما يحز في النفوس، وتشقى به الضمائر، هو تغييب هذا الشاعر من مختلف المحافل، “واغتنام طيبوبته اللامتناهية دون الاعتراف بما أسداه”، مذكرا بأنه طرح هذا الموضوع مع أحد المطربين الذين تغنوا بكلماته، معاتبا له، ومن خلاله لغيره من الفنانين، مذكرا إياه “بأن لاقيمة للإبداع إن لم تصاحبه قيم مثلى، وأخلاق عالية، أقلها الوفاء للذين ساعدوه على بناء شهرته”.
وفضل فقار أن يضع للديوان عنوان “في المحراب”، إيماناً منه بأن المبدع التلباني، رغم أنه مارس وظيفةً إدارية إلى أن أُحيل على التقاعد، ظل خلال أوقات تأملاته يعيش في محراب الإبداع الشعري، بمختلف ألوانه الجمالية، التي عبّر عنها بديوان “العيون الزرق” الذي يتضمن أنماطا متعددة من الحب الصادق للناس، وللطبيعة، للوطن وللأمة، للقضايا العادلة ولكل القيم الجميلة التي يعيش الإنسان الحق من أجلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق