fbpx
حوادث

دراسة في القانون: النيابة العامة سلطة خاضعة بطبيعتها (2/2)

إخضاعها لواجب طاعة التعليمات لا يعني عدم المسؤولية في الخطأ المهني الجسيم

إن دستور 2011 حينما أسس لاستقلال السلطة القضائية، فإنما قصد بهذا الاستقلال قضاء الحكم ولم يقصد قضاء النيابة العامة، وأي محاولة لإسقاط النيابة على قضاء الحكم وإعطائهما نفس الأحكام هي محاولة غير موفقة، لأن تمييز الدستور بين قضاء النيابة العامة وقضاء الحكم هو كالنهار الذي لا يحتاج إلى دليل. إن النيابة العامة حاليا عاجزة، وليس لها الإمكانيات الفعلية والمادية والبشرية لجعل الشرطة القضائية رهن إشارتها الحصرية، كما أنها لا تملك القدرة على تسيير الأبحاث والتحريات بشكل مباشر في كل القضايا. وأمام هذا العجز لا يمكن الحديث عن استقلال، لأن العاجز لا استقلال له.
فأمام هذا الواقع، وأمام  أن عناصر وضباط الشرطة القضائية ينتمون إلى الأمن الوطني والدرك الملكي ومخابرات مراقبة التراب الوطني، وهي كلها فئات وعناصر تنتمي فعليا إلى السلطة التنفيذية وإلى وزارة الداخلية ، التي تباشر فعليا الأبحاث والتحريات، وأن السلطة التنفيذية من الأعلى (وزارة العدل ) لا توجه قرارات النيابة العامة في مئات الآلاف من الشكايات، وإنما السلطة التنفيذية من الأسفل (محاضر الضابطة القضائية )، البوصلة التي ترسم وجهة هذه القرارات في أغلب القضايا والشكايات، وإذا أضفنا إلى ذلك أن مخافر الشرطة والدرك  ومقرات المخابرات التي تجري فيها الأبحاث هي في ملكية السلطة التنفيذية وتحت تصرفها، فعن أي قطيعة يتحدث أنصار استقلال النيابة العامة؟
طبعا قد يسارع البعض إلى القول إن هناك مطالب بإنهاء وضعية الازدواجية التي تعيشها الشرطة القضائية، من خلال إنشاء شرطة قضائية تابعة فقط للسلطة القضائية دون غيرها، ونحن نرد أن هذا الحلم لا علاقة له بالواقع أولا، لأن تجاربه في العالم بأسره نادرة وغير فعالة، ومن جهة أخرى فإن هذا المطلب يتعذر تحقيقه سواء على المدى القريب أو المتوسط بالنظر إلى الميزانيات والاعتمادات المالية والبشرية الضخمة التي يتطلبها خاصة، إذا علمنا أن عمل النيابة العامة يمتد إلى مجموع التراب الوطني بمدنه وقراه ودواويره المترامية الأطراف.
كما أن القراءة المفتوحة للدستور تؤكد استنادا إلى الفصل 93، أن الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية، كل في القطاع المكلف به وفي إطار التضامن الحكومي، وهو ما يفيد أن وزارة العدل هي المكلفة بوضع السياسة الجنائية، ولكن مبدأ التشاركية والتعاون بين السلطات الوارد في الفصل الأول من الدستور، يفرض ألا تستفرد السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل بوضع هذه السياسة وأن تستشير وتشرك ممثلي السلطة القضائية في ذلك.
علما أن النيابة العامة لا تمثل سيادة الأمة، لأن أعضاءها غير منتخبين من الشعب، وفكرة إحلال الوكيل العام لمحكمة النقض أو مجمع وكلاء، يقتضي اعتماد طريقة الانتخاب والمساءلة أمام ممثلي الشعب .   
تقليص مجال ملاءمة متابعات النيابة العامة وتقنين شرعيتها
إن الدستور الحالي اتجه في فصله 110 إلى التقليص من السلطة التقديرية الممنوحة لقضاة النيابة العامة فيما يتعلق بالمتابعات إذ نص على أنه: «يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون»، والقراءة المفتوحة لهذا الفصل، تحيلنا على الفصل السادس من الدستور، الذي ينص على « أن جميع الأشخاص ذاتيين أو اعتباريين بمن فيهم السلطات العمومية متساوون أمام القانون وملزمون بالامتثال له». وهو ما يفرض أن تكون تطبيقات القانون موحدة ومتساوية، وهو ما يحتم إعادة النظر في السلطات التقديرية الواسعة وغير المضبوطة الممنوحة للنيابة العامة، في إطار ما يعرف بملاءمة المتابعات والتي تعطي للنيابة العامة خيارات واسعة في المتابعة أو الحفظ  أو المتابعة في حالة اعتقال أو سراح، ما يجعل قانون البلد الواحد يخضع لتطبيقات متعددة ومختلفة وغير متساوية بين المواطنين .
وهذا يقتضي في إطار التنزيل الديموقراطي للدستور، الاتجاه في القوانين التنظيمية وباقي التشريعات الأخرى إلى تقليص مجال ملاءمة المتابعات وحصره في أضيق الحدود والاتجاه بالمقابل إلى تقنين مبدأ شرعية المتابعات ولكن بضوابط تراعي عدم إغراق المحاكم بالملفات.
وإذا كنا لا نعارض أن تبقى لوزارة العدل صلاحية التدخل الايجابي لإعطاء  تعليمات للنيابة العامة من أجل تحريك المتابعات، فإننا بالمقابل وفي إطار سيادة القانون على الجميع، ندعو إلى أن تنص القوانين التنظيمية والتشريعية على  منع وزير العدل من التدخل السلبي لتوجيه تعليمات بعدم تحريك المتابعات أو الحفظ،  لأن ذلك لا يشكل مسا باستقلال النيابة العامة كما يعتقد البعض، إنما لأن ذلك يشكل مسا بسيادة القانون أصلا.
 ما يجعلنا ندعو أيضا إلى عدم ترك يد النيابة العامة مبسوطة كل البسط في حفظ الشكايات وعدم تحريك المتابعات بناء على اعتبارات ذاتية أو تقديرات شخصية بدعوى سلطة الملاءمة، لأن الانتقاد نفسه الذي يمكن أن يوجه إلى السلطة التنفيذية بخصوص تدخلها السلبي من أجل تجميد تطبيق القانون يمكن أيضا وبالمثل أن يوجه للنيابة العامة.
محافظة القوانين التنظيمية على تماسك جهاز النيابة العامة
إن النيابة العامة تستمد قوتها كجهاز من وحدتها وتماسكها كجسد واحد لا تنافر ولا تنازع بين أعضائه، ما يفرض أن تكون قيم الانضباط هي السائدة داخل هذا الجهاز، وقد حافظ الدستور على نفس الروح الوحدوية والانضباطية من خلال إلقاء واجب طاعة المرؤوسين للتعليمات الكتابية الصادرة عن رؤسائهم .  
لكن، ظهور بعض الدعوات والآراء من داخل هذا الجهاز، التي تريد أن تفرغ نظام  التبعية والسلطة الرئاسية من مضمونه، بالادعاء أن الدستور لا يفرض الخضوع إلا للتعليمات القانونية وأن عضو النيابة العامة يمكنه أن يرفض تنفيذ التعليمات إذا ارتأى أنها غير قانونية. واعتماد هذا التفسير سيفتح الباب نحو شلال دافق وغير متوقف من التقديرات الشخصية حول ما هو قانوني وما هو غير قانوني، ويمكن لأي مرؤوس أن يتملص من التعليمات رئيسه بالادعاء بأنها غير قانونية، وهو ما سيجعل النيابة العامة تعيش على وقع التمرد الدائم الذي يشكل خطرا داهما على وحدة الجهاز وتماسكه.
 ما يعطي فكرة واضحة حول ضرورة أن يتضمن أي قانون تنظيمي مرتقب تقنينا واضحا للسلطة الرئاسية التي تعني انضباط قضاة النيابة العامة وامتثالهم للتعليمات خاصة الكتابية في حال الخلاف حول تنفيذ التعليمات الشفوية، وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات التأديبية. وأي توجه غير هذا، سيفتح الطريق نحو تفكك جهاز النيابة العامة وفقدانه للتحكم في أعضائه تحت عناوين الاستقلال وعدم قانونية التعليمات، ما سيؤدي إلى نسف السلطة الرئاسية وانهيارها، ولكن إخضاع أعضاء النيابة العامة لواجب طاعة التعليمات لا يعني عدم تحديد المسؤوليات في حالة الخطأ المهني الجسيم، إذ يجب تحميل المسؤولية للرئيس وإعفاء المرؤوس منها في حالة تحفظه عليها، مع ايجاد صياغة معينة لتقنين شكل هذا التحفظ.

بقلم: يوسف وهابي, محام بهيأة المحامين بالجديدة
 مدير مجلة الملف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى