fbpx
حوادث

القضاء ينتصر لحماية الحياة الخاصة

حكم يلغي محضرا للشرطة تضمن تفتيشا لهاتف المتهم دون إذن قضائي

انتصر عبد الرزاق الجباري، القاضي بابتدائية القنيطرة، لدور القضاء في حماية الحقوق والحريات، بعدما أصدر، أخيرا، حكما قضائيا في إحدى قضايا الاتجار غير المشروع في المخدرات، إذ قضى في الشكل باستبعاد محضر للشرطة، بسبب عدم شرعية الدليل الجنائي بعد قيام ضابط أمن بتفتيش هاتف أحد المشتبه فيهم وقراءة الرسائل النصية دون أمر قضائي، ومنح للمتهم البراءة من تهمة الاتجار في المخدرات التي تابعته النيابة العامة بها، بناء على ما تضمنه محضر الشرطة القضائية.
واعتبر محمد الهيني، المحامي بهيأة تطوان، أن هذا الحكم يشكل اجتهادا مبدئيا للقضاء المغربي لأنه كرس حماية الحياة الخاصة، التي تدخل ضمنها سرية الاتصالات الشخصية، التي لا يجوز، طبقا للفصل 24 من الدستور، الاطلاع عليها من قبل أي جهة، دون إذن قضائي، وهو اجتهاد يتماشى مع الأصول الدولية للفصل 24، وهي المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية اللتان تنصان على أنه لا يجوز تعريض أي أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة، أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته. وكل شخص له الحق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات.
وأشار الهيني، في تصريح لـ “الصباح”، إلى أهمية هذا الاجتهاد في تطبيق الدستور بشكل مباشر، بالنظر إلى تراتبيته العلوية في سلم التشريع بالمغرب، وفق المادة السادسة التي تنص على إلزامية احترام كل التشريعات للدستور، مضيفا أن هذا الحكم في حقيقة الأمر، دعوة للمشرع بأن يعدل قانون المسطرة الجنائية، في اتجاه تفعيل النص الدستوري وأجرأته، لأن الواقع أفرز فراغا مهولا بهذا الخصوص، لأن المشرع لا ينظم سوى التقاط المكالمات وتسجيلها إبان صدورها وليس بعد ذلك، ما جعل الاجتهادات تختلف وأصبح الاطلاع على الاتصالات الشخصية أمرا واقعا لاندراجه ضمن عموم إجراءات البحث التمهيدي، أو التلبسي، كما أن هذا الاجتهاد نبه إلى عدم دستورية الإجراء وأقر ببطلانه عن علم وبصيرة واحترافية ومهنية قضائية رفيعة، وبالتالي فلا يمكن الاطلاع من قبل ضابط الشرطة القضائية في الأحوال العادية أو التلبسية، على أي من الاتصالات الشخصية، كيفما كانت الوسيلة المثبتة فيها إلا بأمر قضائي، من قبل النيابة العامة، أو قضاء التحقيق، أو قضاء الحكم تحت طائلة البطلان الدستوري، مع ما يليه من آثار قانونية.
وتعود تفاصيل هذه القضية إلى 29 أبريل من العام الجاري، حينما توصلت عناصر الشرطة القضائية بمنطقة المهدية بإخبارية، مفادها أن شخصين يقومان بترويج المخدرات بالقرب من السوق النموذجي بالمدينة. وبعد إيقافهما وإخضاعهما لتفتيش جسدي، عثر بحوزتهما على قطعتين صغيرتين من مخدر الشيرا، ومبالغ مالية هزيلة. وفي هذه الأثناء رن هاتف أحدهما، فأجاب ضابط شرطة محرر المحضر، فطالبه المُخاطِبُ بما يلي: “أنا أنتظرك أحضر معك أي شيء”، وبعد فحص هاتفه، عثِر على رسالة نصية مع صديقه يطلب منه تزويده بقطع من الشيرا، وقد تم اعتقال هذا الأخير أيضا.
واعتبرت المحكمة تبعا لذلك أنه “من غير المستساغ، عقلا وقانونا وواقعا، أن يعبر المتهم عن موافقته الكلية على ما نسب إليه في هذا المحضر من تصريحات، وإصراره عليها دون إبداء أي ملاحظة بخصوصها، ثم يعترض، في الآن نفسه، على نسبتها إليه بعلة أنها ستورطه أكثر، إذ لو كان المتهم متخوفا من توريط نفسه، لأحجم عن الإدلاء بها لدى الاستماع إليه في بادئ الأمر، مما تكون معه ضمانة الإشارة إلى “رفض التوقيع” وعلته المبينة بذيل المحضر المذكور لم تنجز على الوجه القانوني السليم”. وأكدت أنه أمام خلو الملف من أي أمر قضائي يخول لضابط الشرطة القضائية الاطلاع على الاتصالات الشخصية للمتهم، فإن مشروعية مضمونها دليلا جنائيا، أضحت منتفية، ويتعين على المحكمة عدم الاعتداد بها عند تكوين قناعتها، واستبعادها عن ذلك، حماية وصونا للحق الدستوري في ضمان سرية الاتصالات الشخصية.
كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى