fbpx
ملف الصباح

رهـاب الخـروج بعـد الحجـر

قلق بعد ارتفاع حالات الإصابة بـ״كورونا״ وخوف من استهتار مواطنين بالإجراءات الاحترازية

لم تتمكن عبلة من الخروج والعودة إلى حياتها الطبيعية، رغم أنها قضت شهورا في منزلها، تتذمر بسبب حالة الطوارئ التي فرضت على البلاد، وقلبت العالم والدنيا رأسا على عقب. واليوم، بعد أن خففت الحكومة من الحجر الصحي، رفضت الخروج، إلا للضرورة القصوى، وفضلت أن تبقى مرابطة في بيتها، خوفا من أن تصاب بعدوى الفيروس، بعد أن سمح للمواطنين بالخروج والتجول بكامل حريتهم.
تقول عبلة، البالغة من العمر 30 سنة، والتي تشتغل في أحد مراكز النداء بالبيضاء، في لقاء مع “الصباح”، إنها أصيبت بحالة من الهلع والقلق، بعد أن اطلعت من خلال وسائل الإعلام، على أخبار عودة الفيروس، في عدد من البلدان التي رفعت الحجر الصحي، لذلك انتابها خوف شديد وهي ترى المواطنين يخرجون جماعات إلى الشوارع، ويزدحمون أمام محلات الأكل والملابس، وينتشرون مثل “النمل” في الشواطئ والحدائق، خاصة أن عددا كبيرا منهم لا يحترم الإجراءات الاحترازية، ويتعامل كما لو أن الفيروس ذهب فعلا ولن يعود.

صالون البيت هو الحل

ربيع أيضا، من الأشخاص الذين فضلوا عدم الخروج، والانزواء في ركنه المعتاد في صالون المنزل، بعد أن انتابته هواجس القلق من الإصابة بالفيروس. يقول الإطار البنكي الشاب، في اتصال مع “الصباح”: “لولا ظروف العمل، ولولا أنني كنت مضطرا إلى العودة لاستئناف نشاطي المهني، لما غادرت بيتي نهائيا. حين أرى جحافل الناس التي تتجول في الشوارع، دون ارتداء كمامات أحيانا، أو دون احترام مسافة الأمان في المقاهي والمطاعم والشواطئ والدكاكين، أشعر بالخوف. ويزداد لدي هذا الشعور، حين أسمع عن ارتفاع أرقام الإصابات بعد التخفيف من إجراءات الحجر الصحي. وأتساءل مع نفسي أين سنصل في حال رفع حالة الطوارئ نهائيا؟”.

هاجس العدوى

وإذا كانت السعادة غمرت قلوب عدد كبير من المغاربة بفضل التخفيف من إجراءات الحجر الصحي، فإن الوضعية مختلفة تماما بالنسبة إلى عائشة، ربة بيت، والتي ما زالت تحافظ على برنامجها اليومي المعتاد لما قبل مرحلة التخفيف، بعد أن أصبح هاجس الخروج يؤرقها، خاصة أنها امرأة متقدمة في العمر وتعاني السكري. تحكي، في اتصال مع “الصباح”، عن تجربتها مع الحجر المنزلي، هي التي كانت تحب التسوق من “المارشي” الكبير والتجوال في “القيساريات”، لتصبح بعد انتشار الوباء، “بيتوتية” بامتياز، وتقول “جربت الخروج في اليوم الأول. لكن حالة الهستيريا التي انتابت بعض المواطنين بعد التخفيف من الحجر، أصابتني بالذهول، ففضلت العودة إلى بيتي والمكوث فيه، لا يخرجني منه إلا موعد الطبيبة أو التسوق بالمتجر المجاور. في ما عدا ذلك، لا أقوم بأي نشاط آخر. وحتى حصة المشي التي اعتدت القيام بها سابقا بشكل يومي، عدلت عنها حين رأيت جحافل المواطنين تتمشى، دون أن يحترم بعضها مسافة الأمان وإجراءات الوقاية والسلامة. زد على ذلك أن أعداد الإصابات بدأت ترتفع في الوقت الذي بدأت بلدان أخرى تتحدث عن الموجة الثانية من الفيروس”.

“من الخدمة للدار”

الخوف نفسه من ارتفاع أعداد المصابين وعودة الفيروس، انتاب أحمد، الذي أصبح يفضل استقبال أصدقائه في المنزل، بدل المقهى أو الحانة أو المطعم، ولولا اضطراره إلى الخروج للعمل، لما غادر بيته نهائيا. يقول “أتخذ جميع الإجراءات اللازمة من أجل حماية نفسي من العدوى، كما أتخذ الكثير من الحيطة والحذر وأتجنب التنقل إلى أماكن مختلفة. أصبحت من الخدمة للدار، مثلما يقولون، في انتظار زوال الخطر واندحار هذا الوباء بشكل نهائي من العالم”. ويضيف “أكتفي بلقاء عدد قليل من الأصدقاء فقط، حريصون مثلي على التباعد الاجتماعي واحترام مسافة الأمان وارتداء الكمامات”.

بنزاكور: المغاربة تكيفوا مع الحجر

لفهم “الظاهرة”، بشكل أعمق من الناحية النفسية، اتصلت “الصباح” بمحسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، الذي تحدث عن ما يعرف في علم النفس ب”قانون العادة”، والصعوبة التي يجدها البعض في قبول التغيير بعد التغيير، فالمغاربة تكيفوا خلال فترة الحجر الصحي مع عادات معينة، وتولدت لديهم عدم الرغبة في الخروج حتى بعد تخفيف الإجراءات، لكنهم سيعتادون على الأمر بعد مدة ويعودون إلى حياتهم الطبيعية، في حين هناك فئات اتخذت قرار عدم الخروج “عن سبق إصرار وترصد”، بعد أن شعروا بخوف بسبب الأخبار المتداولة عن ظهور فيروس جديد في الصين وعن موجة ثانية من الوباء وعن عودة الحجر الصحي في عدد من الدول، وهي معطيات شوشت عليهم لأن لديهم قابلية للتأثر بالمعلومة. ويقول بنزاكور موضحا “هؤلاء الأشخاص لا ينتبهون إلى واقعهم بقدر ما ينتبهون إلى أفكارهم ومخاوفهم وهواجسهم. إنهم يثقون في المعلومة ولا يثقون في الواقع. وهي وضعية عامة لديهم ولا تتعلق فقط بأزمة كورونا”.
وتحدث بنزاكور، في الاتصال نفسه، عن فئة أخرى تخوفت من الخروج، بعد أن لمست استهتار المواطنين بإجراءات الوقاية، مثل ارتداء الكمامة وعدم احترام التباعد الاجتماعي، وهي ظاهرة ليست محصورة على المغرب فقط، بل وقعت في دول “متحضرة” أيضا مثل فرنسا، حيث لهفة الخروج دفعت مواطنيها إلى الاستهتار بجميع الإجراءات الاحترازية. وأضاف “هناك أيضا فئات تعودت على البقاء في المنزل، لأنه ليس لديها التزامات خارجية. أما الذي تضطره الظروف إلى الخروج من أجل العمل وكسب القوت، فيجد حيلا للحفاظ على نفسه. الإنسان بطبعه لديه القدرة على الابتكار وحماية نفسه والتأقلم مع ظروفه”.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق