خاص

مدن بدون صفيح … تلاعبات ومضاربات

تقرير جطو كشف مكامن الخلل في البرنامج ودعا إلى التعامل بصرامة مع انتشار أحياء السكن غير اللائق

استغرب إدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، لتصرف الوزراء والبرلمانيين لأنهم لا يهتمون بالتقارير التي تنجزها مؤسسته بقرابة 50 تقريرا سنويا، و250 مهمة تغطي مجالات حيوية تساعد على تطوير الحكامة لتدبير أمثل لقطاعات اقتصادية، وخدماتية وإدارية. وامتعض جطو، متحدثا إلى أعضاء لجنة المراقبة المالية بمجلس النواب، من سلوك الحكومة والبرلمانيين، مؤكدا أن 90 في المائة من تقاريره لا تجد الاهتمام اللازم، إذ دعا في مناقشته إلى تغيير أهداف برنامج “السكن بدون صفيح” وتوفير السكن اللائق بكثافة بإحداث مراكز حضرية جديدة وتوطين المواطنين بها، عوض اتباع سياسة فاشلة.

إعداد : أحمد الأرقام

برامج لا تقدم أجوبة

لا تقدم البرامج المحلية أجوبة عن العجز الاجتماعي، الذي يعانيه سكان أحياء الصفيح المهمشة، والذين يفتقدون بشكل كبير إلى الخدمات العمومية مثل التعليم، والصحة، والإدماج المهني لقاطني هذه الأحياء في النسيج الاقتصادي. ويرتكز نظام المساعدات العمومية حصرا على اقتناء سكن جديد، إضافة إلى وضع قطاع الإسكان مسؤولا وحيدا عن المشكلة مع ضعف مشاركة المؤسسات العمومية ذات الصبغة الاجتماعية، في إنجاز المرافق الاجتماعية والاقتصادية على مستوى الأحياء المعنية.
وتتم معالجة هذا العجز الاجتماعي، بتطبيق منطق إعادة الإيواء بترحيل السكان إلى مواقع استقبال جديدة غالبا ما تفتقر إلى المرافق العمومية الأساسية، على الرغم من أن البقع المخصصة لها تم وضعها تحت تصرف الإدارات المعنية، وهذا ما يعيق الحياة المعيشية في هذه الأحياء، إذ تبرمج كل وزارة خارطة لها حسب السنوات ومع تأخر الانجاز وتكاثر السكان تتفاقم المشاكل، خاصة حينما يتم تغييب إنشاء المنطقة الصناعية، التي توفر فرص الشغل.

استمرار أحياء الصفيح

أدى نزوح سكان البوادي نحو المدن إلى تطور ظاهرة أحياء الصفيح والسكن غير اللائق بشكل عام، على مستوى التجمعات الكبرى والمدن المتوسطة والمراكز الحضرية الناشئة. وزاد الأمر استفحالا لغياب إستراتيجية لإعداد التراب الوطني تسمح باستقرار السكان، وتخطط للتوزيع العادل للأنشطة وتضع تخطيطا حضريا مناسبا يأخذ بعين الاعتبار مختلف الطبقات الاجتماعية.
وعلى الرغم من قيام الدولة بعدة عمليات لمحاربة السكن غير اللائق منذ الثمانينات، استمر ظهور هذا الشكل من السكن في أهم المدن مسجلا معدل نمو يقدر ب5.6 في المائة سنويا بين 1992 و2001، إذ شكل السكن غير اللائق حسب احصائيات 2001 حوالي 18 في المائة من السكان الحضريين بالمغرب ب880 ألف أسرة، منها 30 في المائة منها تعيش في أحياء الصفيح.
وفي هذا السياق، تم إطلاق برنامج ” مدن بدون صفيح” في 2004، في إطار سياسة الدولة في مجال السكن، تبعا لتوجيهات ملكية ولإعلانات حكومية وتماشيا مع أهداف التنمية المستدامة، إذ حدد هدف رئيسي هو القضاء على جميع أشكال الصفيح في كل المدن في أفق 2010، أو على الأقل جعلها هامشية كما كان يتوخى على المدى الطويل، من خلال تحسين الظروف المعيشية للسكان.
حصل اتفاق على معالجة ملف 270 ألف أسرة في البرنامج الذي انطلق في 2004، في 70 مدينة ومركز حضري إلا أنه في نهاية 2018، لم ينته برنامج بدون صفيح وانتقل عدد المستفيدين إلى 472 ألفا و723 أسرة في 85 مدينة بتوقيع اتفاقيات بين الدولة، والسلطات المحلية تحت إشراف الحكومة، عبر وضع ثلاثة اختيارات، أولا إعادة الهيكلة والغرض منها هو تزويد أحياء الصفيح الكبيرة والمتوسطة الحجم بالمرافق والبنيات التحتية اللازمة، وتسوية وضعيتها العمرانية والعقارية، وثانيا إعادة الإسكان عبر تخصيص مساكن اجتماعية للأسر في التجمعات الكبيرة والمتوسطة الحجم، ثم أخيرا إعادة الإيواء عبر تخصيص بقع مجهزة للأسرة المعنية من أجل البناء الذاتي المؤطر.

472 ألف قاطن بـ”البراريك”

يبدو أن القضاء على الصفيح بعيد المنال، بالنظر إلى تعقيد الظاهرة، لأن أحياء القصدير ظاهرة راسخة يصعب استئصالها، واستقرت بشكل مستدام بفعل ظاهرة الهجرة القروية، ولاعتماد سياسة الدولة على توفير السكن اللائق، بربطه بضرورة التوفرعلى ” البراكة”، وهي سياسة فاشلة.
لذلك سجل ارتفاع في عدد الأسر القاطنة بالصفيح من 270 ألفا كما تم إحصاؤها في 2004 إلى 472 ألفا في 2018 بزيادة 75 في المائة، مقارنة مع الهدف الأولي، وبمتوسط زيادة سنوي ب 10 آلاف و669 أسرة.
وساهمت الهجرة الجماعية من البادية، والبحث عن موارد مالية، والإقامة في الأحياء العشوائية في انتشار دور الصفيح، لأن الكل يريد الاستفادة من عمليات إعادة الإيواء، أو الإسكان، إذ أن الصفيح يعد أحد تمظهرات الإقصاء الاجتماعي المرتبط بظاهرة الفقر والهشاشة، إذ ساد الاعتقاد أن السكن في ” البراكة” في ضواحي المدن أو وسط الأحياء، يتيح الاستفادة من المرافق العمومية.
وبخصوص العمليات المنجزة في برنامج “مدن بدون صفيح”، تم تسجيل بطء كبير في تجهيز وبناء بعض الشقق، وتحويل بعض عمليات إعادة الإيواء إلى أحياء صفيح جديدة، إذ أن التدابير والإجراءات المتخذة في إطار هذا البرنامج غير كافية للسيطرة على انتشار أحياء الصفيح، لغياب إطار قانوني مناسب لمكافحة انتشارها، وعدم فعالية أجهزة الوقاية، والرقابة، والردع.
وبرزت محدودية آليات إنتاج السكن الاجتماعي الموجه للأسر الفقيرة، وكذا ضعف الانسجام بين أدوات التدبير الحضري وسياسات الإسكان، وعدم ملاءمة المساعدات العمومية وأدوات التمويل، وعدم رسم حدود للبرنامج وضعف في ضبط مدخلاته، وغياب تعريف موحد لأحياء الصفيح، وعدم تحديد معايير الأهلية ومساطر تخصيص المنتجات للأسر المستفيدة، واعتماد طرق تدخل تقليدية تفتقد إلى الابتكار.

التلاعب في توزيع البقع

أبرزت دراسة أنجزتها وزارة الإسكان ومجموعة العمران، أن برنامج ” مدن بدون صفيح” واجه صعوبات عدة في الوصول إلى المستهدفين، ويتجلى ذلك من خلال تطور ما يسمى ظاهرة الانزلاق في عمليات محاربة الصفيح، التي قامت بها الوزارة في 2013، إذ تحققت من حصول عملية ” لهريف” على البقع الأرضية لغير المستفيدين بنسبة 19.3، كما أظهرت الدراسة أن النسبة تصل إلى 22.1 في عمليات إعادة الإيواء، وبنسبة 20.3 في المائة في عملية إعادة الهيكلة، و6.2 في المائة في إعادة الإسكان، إذ استفاد أشخاص لم يسبق لهم أن كانوا ضمن الذين تم إحصاؤهم بأنهم من سكان مدن الصفيح.

إعادة بيع البقع

إن الظروف المعيشية لسكان ” القصدير” والعيش في ظل الهشاشة والفقر، دفع العديد من المستفيدين إلى إعادة بيع البقع التي حصلوا عليها، والعودة مجددا لاقتناء ” براكة ” أخرى، أو نقل الطريقة العشوائية في البناء بالبقعة نفسها، إذ لا يشعر المستفيد بأنه غير من نمط حياته.
وارتفعت نسبة إعادة بيع البقع بشكل لافت، لأن المعنيين بالأمر أرادوا تحقيق استفادة مضاعفة للقيمة السوقية للأرض بستة أضعاف عن المبلغ الأصلي، وتتنوع أسباب التفويت الكلي أو الجزئي للأرض، إذ أن 62.4 في المائة من الحالات، يكون السبب فيها ناتج عن الحاجة إلى مبالغ مالية، يليه عدم القدرة على دفع الأقساط الشهرية للبنوك بنسبة 10.8 في المائة، وتقاسم الميراث بنسبة 7 في المائة، ونقص المرافق الاجتماعية الأساسية بنسبة 5.4 في المائة ثم النزاعات العائلية بنسبة 4.8 في المائة.

فشل المخطط الأولي لتمويل البرنامج

أما في ما يخص نجاعة البرنامج، فقد سجل التقرير فشل المخطط الأولي لتمويل البرنامج المعتمد أساسا على مساهمات المستفيدين، إضافة إلى وجود تركيبة مالية عشوائية للعمليات، وسوء في ضبط الدعم المقدم من قبل صندوق التضامن للسكن والاندماج الحضري، وتضارب بين تكلفة البقع الأرضية المخصصة لإعادة الإيواء وثمن بيعها، وتدهور مؤشرات صيغة الموازنة ركيزة للتمويل، وصعوبة في تحصيل مساهمات المستفيدين، وانخفاض الموارد الرئيسية لصندوق التضامن للسكن والاندماج الحضري، مع تراجع الحصة المخصصة لبرنامج مدن بدون صفيح.
وبخصوص تدبير الوعاء العقاري، فقد أكد التقرير أنه تم بذل مجهودات عقارية كبيرة لتحقيق أهداف هذا البرنامج، إما من خلال تعبئة الوعاء العقاري العمومي القابل للتوسع الحضري، لصالح البرامج الوطنية للإسكان بين 2003 و2010، أو من خلال اقتناء أراضي الدولة، أو الأراضي الجماعية، أو الخاصة.
وتم تسجيل عدم كفاية تعبئة الوعاء العقاري أمام حجم الاحتياجات، إضافة إلى غياب دراسات عقارية استقصائية، وتعقيد إجراءات اقتناء الأراضي، واستخدام غير متوازن للوعاء العقاري وعائد اقتصادي ضعيف.

ضبط عدد المستفيدين

أوصى المجلس الأعلى للحسابات على ضوء نتائج المهمة الرقابية، التي شملت الفترة مابين 2004 و 2018، بمعالجة بعض النقائص من خلال ضمان ضبط عدد المستفيدين، مع تحديد معايير أهلية موحدة، وقاعدة بيانات موثوقة، ووضع مخطط تمويل واقعي والحرص على احترامه، وتصفية الوعاء العقاري، وعقلنة استغلاله، واحترام آجال تنفيذ العمليات، مع تنسيق أفضل وأشمل لها، وضمان تنسيق أفضل للبرامج في شموليتها، مع تحديد واضح لمسؤوليات مختلف المتدخلين.
ودعا إلى اعتماد مقاربة متكاملة للتنمية البشرية تتجاوز هدف الإسكان لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، في مواقع الاستقبال الجديدة من خلال توفير أنشطة مدرة للدخل مثل التجارة، ومناطق النشاط الصناعي، وتوفير الخدمات العامة الأساسية في الأحياء الجديدة، سيما التعليم والصحة والنقل والأمن.
ودعا إلى التعامل بقدر أكبر من الصرامة مع مكافحة ظاهرة انتشار أحياء السكن غير اللائق، عن طريق تعزيز آليات المراقبة والردع، سيما على المستوى القانوني والتكنولوجي، و التواصل المناسب لترويج مختلف عروض الدعم العمومي لمحاربة السكن العشوائي، وبالتالي وضع حد للانطباع السائد، والذي يوحي بأن الاستفادة من المساعدة العمومية حق مضمون لكل قاطن بالسكن غير اللائق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق