ملف الصباح

الجائحة … دروس في التحضر

الجائحة علمتنا احترام الأسبقية والانتظام في طوابير والتقيد بشروط النظافة

أثر “كورونا” على العديد من جوانب الحياة في مختلف بلدان العالم، حتى أصبح الجميع مقتنعا أن ما بعد الجائحة لن يكون مثل ماقبلها، وان هناك العديد من الأشياء ستتغير بعد الخروج من الأزمة. وتسببت الجائحة في إعادة النظر في عدد من المسلمات، على مستوى العلاقات الدولية، إذ أصبح كل بلد منغلقا على ذاته ويركز مجهوداته على مواجهة الفيروس وصده خارج حدوده، واختفت كل مظاهر التعاون الدولي.
ولم تقتصر تداعيات الجائحة على العلاقات الدولية فقط، بل أحدثت الإجراءات الوقائية، التي اعتمدتها مختلف البلدان تغيرات داخل كل بلد وغيرت عددا من العادات والسلوكات داخل المجتمعات.
ولم يكن المغرب بمعزل عن هذه التحولات، إذ كانت السلطات المغربية سباقة إلى اتخاذ إجراءات وقائية، بدءا بإغلاق الحدود البرية والجوية أمام حركة المسافرين، وتم إقرار حجر الصحي وإغلاق عدد من الأنشطة الاقتصادية وإغلاق المدارس، وإلزام المواطنين بالتباعد الاجتماعي واعتماد الوسائل الوقائية، مثل الكمامات والسوائل المطهرة. ونتجت عن هذه التدابير تغيرات في السلوك المجتمعي، إذ فرض الخوف من العدوى على المواطنين اتخاذ مزيد من الحيطة والحذر، وأصبح كل مواطن يحمل معه قنينة سائل مطهر يستعملها لتنظيف يديه كلما لمس أسطحا، أو اضطر إلى استعمال وسائل النقل العمومية، أو خالط أناسا بالشارع العام، أو استعمل الشبابيك الأوتوماتيكية للبنوك.
واختفت مجموعة من العادات السيئة، مثل الاكتظاظ أمام المحلات التجارية وعدم احترام الأسبقية، فأرغم الخوف من انتقال العدوى المواطنين إلى احترام شروط التباعد، من خلال الاصطفاف أمام المحلات التجارية مع احترام مسافات الأمان، والانتظار إلى حين وصول دوره لقضاء ما يحتاجه.
وتعكس كميات الكمامات ومواد التطهير حرص المغاربة على التقيد بشروط النظافة والتقيد بالتوصيات الصادرة عن السلطات الصحية والأمنية، ما يعكس الثقة التي يوليها المغاربة للخطاب الرسمي، الذي كان في السابق محط شك وريبة، ويعكس هذا الأمر، أيضا، تحولا كبيرا في سلوكات المغاربة، الذين أصبحوا أكثر ثقة في مؤسساتهم.
وينتظر أن يطرأ تغير عميق داخل المجتمع المغربي، إذ أن النجاح المسجل في مواجهة الجائحة سينمي الاعتزاز بالانتماء للوطن، خاصة أن المغرب تحول إلى نموذج يضرب به المثل في البلدان المتقدمة.
وينتظر أن تتواصل التعبئة ما بعد الجائحة، وأن تصبح بعض العادات الصحية سلوكا دائما للمغاربة، مثل التباعد الاجتماعي واعتماد التدابير الوقائية. لكن بعض المتشائمين يعتبرون أن كل هذه التطورات الإيجابية ستختفي مباشرة بعد اختفاء الفيروس وستعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الجائحة، لكن متخصصين يؤكدون أن مغرب ما بعد كورونا لن يكون كسابقه وأن تحولات عميقة ستطرأ على المجتمع المغربي، ويتعين على السلطات العمومية استغلال هذه التحولات الإيجابية من أجل تحقيق نقلة مجتمعية ووضع المغرب على سكة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يظل المستقبل الكفيل بالفصل بين وجهتي النظر.
عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق