وطنية

القبلية وعقيدة المصلحة عند “بوليساريو”

كبرى القبائل تستحوذ على المناصب العليا وتترك «الفتات» للأقليات

بقلم: الفاضل الرقيبي

منذ أن دقت جبهة “بوليساريو” أوتاد أولى خيامها على أطراف تندوف، جعلت من القبيلة وسيلتها في حشد الصحراويين لأطروحتها، وحولتها إلى أداة من أدوات الضبط داخل المخيمات، ليصفو لها جو التحكم في سكانها، والاستبداد بإرادتهم، ضدا على كل ما تزعمه من تجريم للقبلية في أدبياتها المؤسسة.
لقد أثبتت قيادة الجبهة، أن كل ما تدعيه من التفاف زائف على ما تسوق له، مشروعا ثوريا، ليس إلا خطابات فضفاضة، تخفي وراءها منطقا عشائريا متجذرا في سلوك “بوليساريو”، حتى أصبح يوجه اختياراتها، ويحدد أولوياتها، ويرسم خارطة هياكلها منذ النشأة.
تُشكل القبيلة إحدى دعائم قيادة الجبهة داخل المخيمات، بعد أن أسست لنهج المحاصصة القبلية، الذي ترسخ منذ أربعة عقود، وبات المحدد الأساس لكل هياكل التنظيم، إذ تضمن به القيادة استمراريتها على كراسيها، وتستمد منه نفوذها بين السكان، ما أنتج معالم قَبَلية ثابتة لا تخرج عن أفق انتظار الناس، مهما طرأ من متغيرات في المخيمات. فالأمين العام لـ “بوليساريو” لا يمكن أن يكون إلا من قبيلة “الركيبات” التي يشكل أعضاؤها، على الأقل، ثلثي تركيبة “الأمانة الوطنية”، بينما يُمنح منصب “الوزير الأول” لأحد المنتمين لقبائل الساحل بالضرورة (أولاد دليم أو العروسيين أو تكنة)، في حين تنفرد “ركيبات الشرق” بمنصب “وزارة الدفاع” دائما، بحكم امتداداتها في تندوف، حيث يحمل أغلب أفرادها الجنسية الجزائرية، ما يضمن للجزائر تحكما سهلا في قرار الجبهة. في حين تكتفي الأقليات بمناصب ثانوية، تنحصر في شكل ترضيات قبلية، تهدف إلى تلميع وجه القيادة أمام السكان، وذلك حتى لا ينفرط عقد الملتفين حولها، أو يتولد لدى هذه الأقليات غُبن عشائري، قد يهدد الوضع الهش في المخيمات.
لقد لعبت “بوليساريو” ورقة القبيلة، خدمة لأهدافها الاستبدادية في المخيمات، فاستعملتها أداة تدبر بها مشاكلها مع السكان، وتضبط بها كل أشكال الاحتجاج، وتردع بها الأصوات الحرة، وتواجه من خلالها كل أشكال التمرد، أو النقد الموجه للقيادة. فكلما فقدت الجبهة السيطرة على السكان، كما حدث قبيل المؤتمر الخامس عشر، لابد أن تهرول لشيوخ القبائل، وتطوف بهم على المخيمات، إحدى وسائل التهدئة الاجتماعية، وذلك لعجز القيادة عن تثبيت مشروعيتها بين السكان، الذين لم يجدوا بدا عن الاصطفافات العشائرية داخل مجتمع يسود فيه القوي قبليا.
غير أن القبيلة التي تسعى “بوليساريو” جاهدة إلى إخضاعها لأجندتها، قد تصبح أداة للحشد من قبل بعض القيادات ضد التنظيم، عبر تأجيج الاحتجاج، لتحقيق مآرب شخصية. وهو ما حدث مرات عديدة داخل المخيمات، حيث حرك بعض أعضاء القيادة بني عمومتهم، لتنظيم مظاهرات، والضغط على “بوليساريو” عبر الاحتجاج، من أجل الاستفادة من امتيازات أو مناصب، بينما يستغل بعض القياديين انتماءاتهم القبلية، للترويج لأنفسهم وسطاء وأصحاب نفوذ، كما حدث مع عثمان لمغيفري، الذي عُين على رأس “المجلس الاستشاري”، مكافأة لخدماته في ثني “أولاد دليم” عن التصعيد من الاحتجاجات التي نظموها مطلع السنة. والأمر نفسه تكرر مع قبيلة “أولاد تيدرارين”، التي استُغلت مظاهراتها خلال مارس الماضي من قبل عمر بولسان وشقيقه محمد سالم ولد السالك، ومعهما قائد الناحية الثانية الطالب عمي ديه، الذين عرضوا خدماتهم على “بوليساريو” من أجل إسكات المتظاهرين، بالترغيب والترهيب. وكان نتيجة ذلك تعيين عمر بولسان في المنصب الذي ظل يحلم به طول حياته سفيرا بكوبا وبات الطالب عمي ديه من أقرب رجال الجيش الجزائري، ويمتلك صلاحيات واسعة للتنسيق مع المصالح الأمنية الجزائرية.
لا تحرك علاقة الجبهة بالقبيلة إلا عقيدة المصلحة، وهو ما يجد تفسيره في مراحل عديدة من تطور ملف الصحراء، لعل أهمها لحظة تحديد الهوية، التي أبانت فيها قيادة الرابوني عن مكيافيلية شرسة في استغلال القبيلة، حتى لا تميل كفة المسار الأممي بما لا يتوافق وأهداف عرابتها الجزائر. فقد كان شيوخ القبائل المناصرون لها يعانقون أبناء عمومتهم بحرارة خارج خيمة تحديد الهوية، وينكرون معرفتهم بهم داخل الخيمة، حيث يجلس أعضاء بعثة “مينورسو”، في تجل صارخ لازدواجية السلوك السياسي لدى “بوليساريو”، التي تشجع القبلية في كل ما يخدم مصالحها، وتنكرها وتتصادم معها كلما أصبحت مصدر إزعاج لمخططها في المنطقة.
وليست الجبهة إلا نتاجا لميكيافيلية أكبر وأشرس، أسس لها نظام العسكر في الجزائر، إذ يلبس رداء ثورة التحرير، ليشرعن نهب الثروات، وإدامة حكم الجنرالات، واجتثاث كل الأصوات الحرة، في بلد لم يتذوق أهله طعم الديمقراطية منذ فجر الاستقلال.

تعليق واحد

  1. Normal ils ont appris tout ça de leurs maîtres professionnels dans la magouille et le monde a compris que c’est une mafia qu’elle n’a rien dans la tête que les méthodes voyous qu’elle à inventé une petite mafia marionnette pour manger à ça faim et pour servir des agendas de leurs maîtres dictateurs

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق