ملف الصباح

التعايش مع فيروس كورونا … بنيس: بـؤر مقاومـة

بنيس أستاذ علم الاجتماع شدد على ضرورة فرض تدابير صارمة و״غرامات رمزية״

قال سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع، إن التمظهرات المجتمعية المرتبطة ببعض الفئات العمرية، أو بعض التجمعات السكنية الحضرية منها والقروية، وأيضا مع حلول فصل الصيف وطبيعة الممارسات المجتمعية التي تنشط فيه، يمكن من خلالها استشراف بؤر مقاومة، ستؤدي إلى كسر مقولة التعايش مع فيروس كورونا، ليبدو معها التعايش مع الفيروس، أمرا يستدعي إبداع إستراتيجيات وآليات جديدة للتحسيس والتوعية بالخطر المحدق.  في ما يلي التفاصيل:

< أكدت منظمة الصحة العالمية أن العالم سيضطر للتعايش مع فيروس كورونا لفترة طويلة، فهل ينجح المغاربة في ذلك؟
< أصبحت فرضية التعايش واستمرار الحجر الصحي، واقعا وجب تدبيره على المستوى الداخلي والخارجي. ففي ما يتعلق بالحالة المغربية، يظل السؤال الملح، هو هل سينجح المغاربة في ذلك؟ فمن خلال مرور أكثر من شهرين على حالة الحجر الصحي وحالة الطوارئ، يبدو أن احترام تدابير الحجر الصحي من قبل المغاربة، عرف استقرارا نسبيا في جميع جهات المملكة، مع بعض الاستثناءات، التي تحيل على بعض السلوكات، سواء منها المرتبطة ببعض الفئات العمرية، مثل الشباب الذين لم يتقبلوا فكرة الحجر، كما أن رمضان كان يمثل بالنسبة إليها موعدا سنويا لبعض العادات، مثل السهر والمآنسة الليلية والأنشطة النهارية، مثل الدوريات الشعبية لكرة القدم التي كانت تنظم وسط الأحياء.
كما أن الاستثناء في عدم التعايش مع فيروس كورونا وعدم تحمل تداعيات الحجر الصحي، مرده طبيعة وضيق مساحة المنازل وبعض التجمعات السكنية، في بعض أحياء المدن الكبرى، التي ترتكز في معيشها اليومي على طقس التقارب الاجتماعي "الفيزيائي" المجالي والرمزي المجتمعي، كما أن حلول فصل الصيف والرغبة في الاستفادة من الشاطئ أو المنتزهات القريبة من مقر السكنى، سيشكلان عاملا غير متوقع في ضبط إيقاع تعايش المغاربة مع فيروس كورونا.
إذن، من خلال هذه التمظهرات المجتمعية يمكن استشراف بؤر مقاومة، ستؤدي إلى كسر مقولة التعايش مع فيروس كورونا ليبدو معها التعايش مع الفيروس، أمرا يستدعي إبداع إستراتيجيات وآليات جديدة للتحسيس والتوعية بالخطر المحدق. 

< كيف للمغربي استيعاب فكرة التباعد الاجتماعي للوقاية من نقل العدوى؟ 
< التقارب الاجتماعي في المغرب يعد سلوكا مجتمعيا محمودا وتصرفا فرديا وجماعيا راقيا، لأنه يعبر عن تواضع الشخص ورفعته وحلمه في التعامل مع الآخرين. لهذا، فالمغربي ينحو، في تعاملاته وفي تداولاته ونقاشاته اليومية، منحى الالتحام الجسدي مع محاوريه ومخالطيه، لكن هذا التقارب الاجتماعي أضحى، مع انتشار جائحة كورونا ومع نصائح وإرشادات المنظمة العالمية للصحة، خطرا كارثيا على حياة الإنسان، بل ومصدرا مؤكدا لانتشار العدوى والوباء. لذا وجب على المغاربة استيعاب أن طقس وممارسة التباعد الاجتماعي، هو الحل الوحيد والأوحد، بل الحل الناجع ومدخلا من بين المداخل الناجحة لمحاربة هذه الجائحة والتعايش معها.
كما أن عدم الالتزام واحترام هذه الآلية مع الخروج التدريجي من الحجر الصحي، يستوجب المرور إلى تدابير أكثر صرامة، من قبيل أداء "غرامة رمزية".

< هل تخلي المغاربة عن بعض العادات من أجل التعايش مع الفيروس يؤثر عليهم اجتماعيا؟
< في سياق هذا السؤال يبدو من الضروري للحفاظ على سلامة الفئات، التي ما زالت ملتزمة بالاشتغال والوجود الفعلي في الفضاء العمومي المغربي وفي المرافق الإدارية والصحية، اتخاذ الاحتياطات اللازمة في التعامل مع المواطنين، أو الزبناء، أو المرتفقين والتخلي عن بعض العادات، مثل التقارب الاجتماعي التي يشكل طقسا اعتياديا ولا إراديا، فأغلب الفيديوهات والمتابعات والمشاهد، سيما في ما يخص بعض الفئات التي تتحرك في الفضاء العمومي، ومنها على الخصوص الأطباء والممرضين وأعوان ورجال السلطة، تظهرها فريسة سهلة وعرضة للإصابة بفيروس كورونا، لأنها تتعامل مع الجماعات والأفراد، الذين لا يحترمون الحجر الصحي أو يعمدون إلى خرق حالة الطوارئ بتلقائية تنسجم وتخضع لثقافة التقارب الاجتماعي وتجعل الأجسام في دنو خائن ومحاذاة قاتلة.
يبدو أن آلية التباعد الاجتماعي يمكن أن تشكل جسرا مهما للانتقال من عادات اجتماعية مبينة على التقارب الاجتماعي، إلى عادات اجتماعية تقتصر على "الفعلية" و"الفاعلية". لهذا لكي لا يترك تخلي المغاربة عن بعض العادات، من أجل التعايش مع الفيروس أثرا مجتمعيا عليهم ويقوض أساسيات العيش المشترك والرابط الاجتماعي و"التمغربيت" أصبح من الجدير الانتقال من مجتمع التواصل الواقعي، إلى مجتمع الاتصال الافتراضي.

< هل ستحدث قطيعة في السلوك المجتمعي ما بعد كورونا؟
< الحديث عن القطيعة سابق لأوانه، سيما إذا تمت الإحالة على بعض الوقائع المجتمعية، التي تشير إلى تجذر سلوك التقارب الاجتماعي عند المغاربة. ويمكن سرد، على سبيل المثال لا للحصر، ما حدث عند استلام رخصة التنقل الاستثنائية المسلمة، من قبل السلطات المحلية، أو عند توزيع المساعدات، أو تقديم الخدمات، إذ لا يذعن الأفراد للإجراءات الاحترازية ولا يلتزم السكان بالبيوت للحد من تفشي فيروس "كورونا"، بل يعود الأفراد والمجموعات إلى طقوسيهم التي دأبوا عليها في معيشهم المجتمعي، قبل جائحة كورونا.
ومع تعدد وتنوع حالات التجمع والاكتظاظ والتزاحم، يتوجب الانكباب بطريقة معمقة على رقمنة الإدارة لتتم تفاعلات المواطنين مع المرافق العمومية عن بُعد، خطوة استباقية لاحترام وضبط الشروط الاحترازية للحجر الصحي، وفي الحالات القصوى لتحرك الفرد والمواطن، من أجل حاجياته الضرورية والحيوية.

مواطنة افتراضية

< هل سيرسخ هذا الوباء تعاملا جديدا لمؤسسات الدولة والمجتمع في إطار تواصل جديد؟
< بالفعل، فإذا كان التفكير والتخطيط للخروج من الحجر الصحي سيتم بطريقة تدريجية ومعقلنة، يصبح من الأجدر الانتقال بخصوص التفاعلات الرسمية والمؤسساتية المباشرة بين المواطنين والدولة وكذلك بين المواطنين في ما بينهم، إلى نسق جديد غير مباشر عن بعد، يكرس فاعلية الرقمي والافتراضي على فعلية الواقعي والحضوري. وهذا الانتقال يمكن رصد معناه وجدواه من خلال التجارب الناجحة في دول، مثل كندا وكوريا الجنوبية وألمانيا وعديد من التجارب الأخرى، على أساس أن هذا الانتقال ينبني على سلوك الانضباط المواطناتي، الذي ينصاع لآلية الارتفاق والحصول على الخدمات عن بعد.
فبالتركيز على إحصائيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، حسب البحث السنوي حول مؤشرات تكنولوجيا الإعلام والاتصال لدى الأسر والأفراد، يمكن استنتاج أن هذه الوضعية تمكن، إذا تمت رقمنة الإدارة، أن تفضي إلى مواطنة افتراضية، إذ يمكن للدولة أن تتفاعل مع الحاجيات الإدارية للمواطنين من خلال بوابة الافتراضي، وبالتالي ربح الرهان في التخفيف، بل والقفز على المخاطر المحتملة لفيروس كورونا.

أجرت الحوار: إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق