fbpx
بانوراما

الجدل الديني كان عنوانا للدولة الإسلامية

الجدال الديني في الإسلام (الأخيرة)
الباحث يونس إمغران أكد ضرورة الحوار بين الثقافات الغالبة لتأسيس حضارة القيم
ألصقت بالمجتمعات الإسلامية مجموعة من الأحكام المسبقة التي تكرس تعصب المسلمين لعقيدتهم ورفضهم للآخر، ويدحض الباحث الأكاديمي يونس إمغران، في كتاب “رسالة راهب فرنسا ورد القاضي الباجي عليها”، كل هذه المزاعم، من خلال تحليل رسالة الراهب الفرنسي الموجهة إلى المقتدر بالله، حاكم سرقسطة، الذي يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وكيف كان رد العالم الإسلامي عليها والمنهجية التي اعتمدها في إدارة الجدال مع راهب فرنسا. نقدم عبر حلقات مقتطفات من الكتاب، الذي صدر أخيرا، وكان موضوع بحث لنيل شهادة الماستر.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي

> ماهي دواعي اختياركم للموضوع؟
> أولا لم أكن قد علمت بوجود رسالة راهب فرنسا ورد أبي الوليد الباجي عليها، إلى أن فوجئت يوما وأنا أزور مكتبة بالرباط معروفة ببيعها للذخائر التراثية، بوجود هذه الرسالة. فاشتريتها بثلاثة دراهم، وكانت من تحقيق الدكتور المصري عبد الله الشرقاوي الباحث والمتخصص في علم مقارنة الأديان، بل يمكن وصفه بأنه من رواد هذا العلم في وقتنا المعاصر. تصفحت وريقات الرسالة بمجرد ما إن وطئت قدماي بيتي، واتخذت قرارا بدراستها وجعلها موضوعا رسالة الماجستير (الماستر)، خاصة أنني بحثت في محرك «غوغل» عن معلومات أخرى عنها قبل أن أرتاد رواق المكتبة الوطنية والشروع في تقليب رفوفها. ووقع اختياري على هذه الرسالة لسببين، أولهما أن موضوعها من صميم تخصصي المتعلق بعلم مقارنة الأديان، وثانيهما أن القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله لا يُعرف عنه كثيراً اهتمامه بهذا العلم، وإنما اشتُهر ببراعته في الفقه المالكي وريادته له بعدوة الأندلس في القرن الخامس الهجري فقهاً وتحريراً وتأصيلاً، كما ذاع صيته بمناظرته لابن حزم الظاهري الذي كان يعتبره البعض نجم العلم الشرعي الأوحد في الغرب الإسلامي آنذاك.

> كيف تحققتم من الوثيقتين موضوع البحث؟
> رسالة الراهب الفرنسي والرد عليها حين اخترت الاشتغال عليها لم تكن مخطوطا بكرا يحتاج إلى تحقيق وتظهير ونشر، وإنما كانت محققة، حيث تصدى لهذه المهمة فارسان من فرسان هذا اللون من العلم وهما عبد المجيد تركي وعبد الله الشرقاوي سنة 1986، ثم حققها الباحث محمود خياري الجزائري مرة ثالثة وذلك سنة 2007. لكن ما شجعني على الاهتمام بهاتين الرسالتين رغم تحقيقهما علميا، هو أنه لم تكن هناك دراسة تحليلية سابقة لمتنهما، وأن أغلب الدراسات التي أنجزت حول هذا الموضوع، رغم قلتها، اهتمت بالجانب التقني، إِنْ صحَّ هذا التعبير، للرسالة والرد، وأعني بذلك الجوانب المطلوبة في تحقيق المخطوطات من قبيل؛ تحقيق عنوان الكتاب، وصحة نسبته إلى صاحبه، والتأريخ للمخطوط ولمختلف نسخه وغير ذلك.
لكن هناك شيئا آخر خالجني واستبدَّ باهتمامي، وهو لا يقل عن التحقيق العلمي، وأعني به مدى أصالة رد أبي الوليد الباجي وهو المعروف بالفقه وأصوله لا بمناظرة أقطاب الديانات الأخرى؟ وهل كان رده من نسيجه الفكري والعلمي الخالص؟ أو أنه اكتفى باستدعاء أطروحات من سبقوه في تحرير نصوص نقدية للدين المسيحي، وخاصة ابن حزم (معاصره) الذي يعد مؤسس علم مقارنة الأديان تاريخيا. وكما نعلم فإن ابن حزم لم يترك شاردة ولا واردة من الديانة المسيحية إلا فندها ودحض أسسها الفكرية والفلسفية والتاريخية في كتابه الفذ: «الفصل في الملل والأهواء والنحل».

حضارة تؤسس للتعايش
> ما هي أهم العبر التي يمكن استخلاصها من منهجية الجدال بين الراهب الفرنسي والقاضي الباجي؟
> أولى هذه العبر والدروس؛ هي: أن الجدل الديني كان عنوانا للحضارة الإنسانية الزاهرة للدولة الإسلامية خلال القرون العشرة الأولى من تأسيسها، حيث كان المناخ الفكري والسياسي آنذاك يسمح بهذا الجدل وبمناظراته، ولا يرى من خلاله المسلمون ما يمكن أن يُكدِّر صفوَ العلاقات بين الأديان الكبرى، أو يحول دون نقدها وإظهار تهافتها أو صحتها. لكني أعتقد أن أبرز عبرة يمكن استخلاصها من حوار الرجلين، هي أن حاجة البشرية اليوم تكمن في اعتماد منهج الحوار والجدل بين الثقافات الغالبة لبناء حضارة إنسانية ترفض الصدام والتوتر والحروب، وتؤسس للتعايش والبقاء وقيم الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى