fbpx
بانوراما

الجدال الديني في الإسلام 3 … انفتاح وتسامح المجتمعات الإسلامية

تنصيص القرآن الكريم على حرية الاعتقاد شجع مخالفين من الأديان الأخرى على التعبير عن أفكارهم

ألصقت بالمجتمعات الإسلامية مجموعة من الأحكام المسبقة التي تكرس تعصب المسلمين لعقيدتهم ورفضهم للآخر، ويدحض الباحث الأكاديمي يونس إمغران، في كتاب «رسالة راهب فرنسا ورد القاضي الباجي عليها»، كل هذه المزاعم، من خلال تحليل رسالة الراهب الفرنسي الموجهة إلى المقتدر بالله، حاكم سرقسطة، الذي يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وكيف كان رد العالم الإسلامي عليها والمنهجية التي اعتمدها في إدارة الجدال مع راهب فرنسا. نقدم عبر حلقات مقتطفات من الكتاب، الذي صدر أخيرا، وكان موضوع بحث لنيل شهادة الماستر.
عبد الواحد كنفاوي
طبع تنصيص القرآن الكريم على حرية الاعتقاد في كثير من سوره وآياته الكريمات، المجتمعات الإسلامية بروح الانفتاح والتسامح، وشجع عددا من المخالفين من الأديان الأخرى على التعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم في المحافل والأمسيات التي كان الأمراء وملوك المسلمين يعقدونها في قصورهم، بل إن بعض الأحبار والرهبان لم يتورعوا عن تصنيف مؤلفات في الرد على ما جاءت به رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة من أحكام عقدية وتشريعية، ومن أخبار غيبية وتاريخية. ومنهم من لم يتردد في الطعن والإساءة إلى القرآن الكريم، دون أن يحس بضغط نفسي، أو يُواجَه بتضييق ومتابعة قضائية، مادامت كتاباته تندرج ضمن البحث العلمي وشروطه التي حُددت وعُرفت خلال القرون التي ساد فيها الحكم الإسلامي الزاهر سياسيا وثقافيا.
ومن ثمَّ، فإن مبدأ حرية الاعتقاد، وما ترتب عنه من تسامح في الدولة الإسلامية القوية، أدى دورا بارزا في إنتاج حوارات علمية بالغة الأهمية بين الديانات السماوية الثلاث، الإسلامية واليهودية واالنصرانية، وفي هذا السياق، تأثر الحوار الديني في الأندلس بين الإسلام والمسيحية، على وجه الخصوص، بالمناخ الحضاري الراقي والمزدهر، فكتب ابن حزم والخزرجي والقرطبي وابن النغريلة وأسقف طليطلة وموسى بن ميمون (593هـ/1204م) وغيرهم كثير في الجدل الديني، بما أكد على سمو الحضارة الإسلامية الأندلسية علميا ودينيا، وبُعدها عن أي انغلاق أو تعصب أو إكراه أدبي أو مادي. ولعل رسالة راهب ينتمي لدير كلوني بفرنسا، إلى أمير سرقسطة المقتدر بالله، وما تضمنته من تسفيه للدين الإسلامي، ودعوة الأمير المسلم إلى اعتناق النصرانية، ورد القاضي أبي الوليد الباجي عليها تحليلا ومناقشة ونقدا، ودعوة الراهب إلى اعتناق الإسلام، تبقى من الدلائل الظاهرة على روح التسامح والنزعة العلمية التي كانت سائدة ومهيمنة على فضاء التعايش بالأندلس.
وقد حفظ لنا التاريخ هاتين الرسالتين بمضامينهما المتميزة التي تعكس حقيقة تاريخية ثابتة، مفادها أن الحوار الإسلامي المسيحي لم ينقطع قط، وأن محاولات عديدة ُبذلت بين علماء الطرفين للتقارب والتعايش والتفاعل الحضاري، أكثر منها للتنافس أو التطاول أو الصراع الحضاري.

أبعاده الثقافية والإنسانية

رغم خضوع الرسالتين للبحث والتحقيق من طرف مفكرين ومحققين عربا وعجما، إلا أنهما لم تعرفا دراسة عميقة، تفكيكية وبنيوية لمضامينهما، بقدر ما انصب اهتمام محققيها، فقط، على تحقيق متنهما لغة، ومدى نسبتهما إلى صاحبيهما الراهب والقاضي الباجي صحة وتاريخا، في حين ظلت أفكار الرسالتين والآراء الثاوية فيها بعيدة عن آليات النبش والقراءة المنهجية من جهة، والتحليل الوصفي والديني والفلسفي من جهة ثانية. علما أن نص الرسالتين، وطرافة موضوعه العلمية، وأصالته الحوارية، يغري باستنطاق سواكنه، واستخراج بواطنه، واكتشاف أبعاده الثقافية والإنسانية والحضارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى