fbpx
بانوراما

الأوبئة والمجاعات في المغرب 1 … “بوكليب لكحل”

يحفل تاريخ المغرب بكثرة الأوبئة التي فتكت بآلاف المغاربة، وأثرت، خلال تلك الحقبة، بشكل كبير على البنية الديمغرافية للسكان، وشكلت رواسب نفسية في الذهنية الجماعية، مازالت حاضرة داخل المجتمع.
في مقال صدر في 1974، من الباحثين برنار روزنبرجي وحميد التريكي، معنون بـ”المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17″، تتم الإشارة إلى أن وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، إضافة إلى حمى التيفوئيد والجدري والسل والحصبة، فكيف واجه المغاربة هذه الجوائح؟

خالد العطاوي

مازالت الجدات يرددن اسم “عام بوكليب” إلى حد الآن، وتحفل الكتب والمراجع التاريخية بتفاصيل كثيرة عن فترة سوداء عصفت بآلاف المغاربة، من أشهرها كتاب “تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب” للباحث محمد الأمين البزاز.
بدأ “عام بوكليب” في 1834، ويقصد به جائحة “الكوليرا”، وتشير جل المصادر التاريخية إلى أن هذا الوباء انطلق من الجزائر قبل أن ينتقل إلى فاس ومدن الشمال، ورغم بطء انتشاره، إلا أنه كان يحصد ضحاياه في صمت، إذ أتى في ظرف ثلاثة أسابيع على حوالي 580 ضحية في اليوم، بمدن الشمال وحدها.
مرت عاصفة “بوكليب” قاسية على المغرب، فقد فتك بالآلاف منه، وحين بدأ يتنفس الصعداء، عادت الكوليرا ثانية في 1854، وانطلقت من فاس مرة أخرى، غير أنها لم تفرق بين المغاربة والأجانب هذه المرة، إذ أودت بحياة 10 في المائة من الجالية الأوربية بالمغرب، وطالت الجائحة كثيرا، وظلت تفتك بالمغاربة على رأس كل عشر سنوات، في 1858 و1868 و1878.
وتشير المراجع التاريخية إلى تعدد أسباب الكوليرا، بين الحملات العسكرية الإسبانية والفرنسية التي كانت تجلب الوباء إلى المغرب، ووفود الحجاج الذين ينقلونه من مصر وتونس والجزائر. أما تبعات المرض فكانت واحدة، خراب ودمار وموت وبوار، إذ فتحت “الكوليرا” باب المجاعة والغلاء وأسقاما أخرى فتاكة، مثل “التيفوئيد”، وهو ما يلخصه الناصري في كتاب “الاستقصاء”، حين قال “تعددت فيها المصائب والكروب وتكونت فيها النوائب والحضوب لا أعادها الله عليهم فكان فيها غلاء الأسعار… ثم عقب ذلك انحباس المطر لم ينزل منه قطرة من السماء. وهلكت منه الدواب والأنعام وعقب ذلك الجوع، ثم الوباء على ثلاثة أصناف، كانت أولا بالإسهال والقيء في أوساط الناس بادية وحاضرة، ثم كان الموت بالجوع في أهل البادية خاصة، فهلك منه الجم الغفير، وبعد هذا كله حدث الوباء بالحمى “التيفوئيد” في أعيان الناس، فهلك عدد كثير”.
آخر اجتياح للكوليرا سيكون في غشت 1895 عندما وصل وفد جديد من الحجاج، إذ رست سفينتهم بميناء طنجة، فخلف “بوكليب”في هذه السنة وحدها أزيد من 700 ضحية في اليوم.
ويصنف وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، الذي ظهر في سنوات 1521-1523، وكذلك بين 1557-1558، ومن 1596 إلى 1610، ثم خلال فترة 1626-1631 بداية من فاس ومكناس وزرهون، قادما من الجزائر، قبل أن ينتقل إلى باقي المناطق، ويتسبب في قتل الآلاف وإبادة قرى بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى