fbpx
بانوراما

“مول الصبيان” … من “كَراب”  إلى حكيم

أولياء البيضاء (الأخيرة)

 “إذا كان المشرق بلاد الأنبياء، فإن المغرب أرض الأولياء”، هي مقولة تجسد غنى المملكة بالأضرحة والسادات، وتحمل في طياتها حكايات أشخاص تركوا بصمتهم في تاريخها، قبل أن تتحول قبورهم إلى قبلة للباحثين عن التبرك، أو المؤمنين بقدرتهم على شفاء العليل وتحقيق المستحيل. في هذه السلسلة، ستنفض «الصباح» الغبار عن ذاكرة أشهر أولياء العاصمة الاقتصادية، على لسان المؤرخ مصطفى واعراب.
يسرى عويفي

 يقع ضريح “سيدي محمد مول الصبيان” بزنقة الفراشات في حي الوازيس بالبيضاء، ويعرف قديما بـ”قدرته السحرية” على علاج الأطفال مما يصطلح عليه  في الأوساط الشعبية بداء “أم الصبيان” (تابعة الجن)، لكن مزاره التاريخي أضحى اليوم في طي النسيان، وتحول إلى ركن تقصده بعض الباحثات عن “السبوب»، لاغير.
وتعود قصة هذا الولي، الذي يزعم البعض أن اسمه مومن وليس محمد، إلى بداية القرن الماضي، إذ تشير بعض الروايات الشفهية إلى أنه كان “كَرابا”(ساقي الماء) يرفض تلقي أجرته مالا ويقبلها كسرة خبز وحفنة من الزيتون، وأنه كلما خلص من عمله، ذهب ليستريح قرب قربته المصنوعة من جلد الماعز، فتحلق حوله الأطفال وأخذ في ملاعبتهم والتعبير عن حبه الشديد لهم، لدرجة أنه أصبح، من كثرة معاشرتهم، مطلعا على كل ما يمت بصلة إلى أحوالهم الصحية، ومهتما بإعداد أدوية من خليط الأعشاب للأمراض التي تصيبهم، فيستردون عافيتهم فورا.
وبمرور الوقت، تناقلت الألسنة قدرة»مول الصبيان” على علاج  الأطفال من أي علة أصابتهم، وتحول إلى ولي تقصده البيضاويات ملتمسات بركته لشفاء فلذات أكبادهن، فكان يعالجهم بما ترسخ لديه من تجارب بالتداوي بالأعشاب والعقاقير الطبيعية، ويرفض تلقي أي أجر لقاء عمله الإنساني ، ما دفع الناس إلى تقديره ورفعه إلى مقام أولياء الله والصلاح.
وتفيد إحدى الروايات الشعبية النادرة، بأن سيدي محمد كان يسافر إلى مراكش بين وقت وآخر، مشيا من أجل اكتساب خبرة واسعة في الطب الشعبي لعلاج الأطفال، فيجلب معه في كل مرة معارف جديدة وأنواعا مختلفة من الأعشاب والعقاقير، حتى تحول من ساق يوزع الماء، إلى حكيم تقصده الأمهات والآباء من كل ربوع المملكة، كي يعرضوا عليه أطفالهم المرضى أو الممسوسين بالجن.
 وتشير الرواية ذاتها، إلى أن سكان المدينة خصصوا للولي الراحل عند وفاته جنازة كبرى، كما رفعوا فوق قبره قبة صاروا يدفنون موتاهم من حولها، وتحول ضريحه بذلك إلى قبلة مقدسة تقصدها النساء أملا في علاج أطفالهن، وتتردد عليها العاقرات طلبا لبركته في الإنجاب.
يشار إلى أن طقوس العلاج بضريح “سيدي مول الصبيان”، كانت تشمل التوضؤ بماء البئر المقدسة المجاورة، للضريح، وتمرير سلسلة حديدية على أرجل الزوار المرضى لطرد الشر، ثم حك المناطق المريضة من جسم الصغار بحجر مستدير أملس. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى