fbpx
بانوراما

يوميات درب مولاي الشريف 5 … توقيع مقال باسم علال الفاسي

أول ما تبادر إلى ذهني حين ولجت المكان هو الوقت الذي سأبقى فيه صامدا وحيا داخل هذا المسلخ

ذاكرة محمد فكري، أحد قيدومي مناضلي اليسار الجديد، تشبه مجلدا ضخما، بقي على الرفوف. كان قدر هذا المناضل الكتوم، الفاعل خارج منصات التناظر والخطابة، أن يعيش ويرافق، منذ بداية شبابه، جل محطات الانعطاف في تاريخ الحركة الوطنية التقدمية واليسارية.
“الصباح” فتحت سجل ذاكرة هذا المناضل شديد التواضع، والذي عاش على مدى أزيد من نصف قرن، شاهدا صموتا على تحولات كبرى في جسد اليسار التنظيمي، وفي خطه السياسي، وفي تجدد أجيال من مناضليه، من خلال حلقات يستعيد فيها بعض الشذرات المتفرقة من أيام وليالي درب مولاي الشريف، والتي تشكل مقدمة لكتابة مذكرات تعزز خزانة ما يعرف بـأدب السجون، وهي حلقات لا تخلو من حكي يمزج بين السخرية اللاذعة والإيمان القوي بالقضايا التي اعتنقها جيل من الشباب، وأدى في سبيلها ضريبة الاعتقال لسنوات، في مرحلة ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص.
إعداد: برحو بوزياني
إذا كانت إرادة الإنسان قوية وإيمانه بقضيته أصلب، فبإمكانه قهر الظروف القاسية التي يوضع فيها، وهذا ما يغيظ الأعداء، لأن غايتهم دائما هي قهر المناضل، وكسر صلابته وزعزعة ثقته بمبادئه، وقتل بذرة الأمل في المستقبل في نفسه.
قلت في بداية هذه الشذرات أو “الخربشات”، إن أول ما تبادر إلى ذهني، حين ولجت المكان، كم من الوقت سأبقى صامدا وحيا داخل هذا المسلخ؟، ولكن بعد أن تطبعت مع الوضع، لم يعد يهمني خلاصي الشخصي، بل بدأت أفكر في رفاقي وبعض أقاربي، خوفا من أن يمسهم القمع. كنت أعتقد، أن لا أحد يعرف علاقتهم بالتنظيم سواي، وأول هؤلاء رفيقي وأخي وصديق العمر، إبراهيم موطى، كنت أخاف أن يعثروا في كومة الأوراق التي حجزوها من بيت الرفيق الفقيد عبد السلام المودن بكاراج علال، وبالضبط في عمارة رزق، الذي كان مقرا من مقرات 23 مارس، وكان يقيم فيه الرفيقان العزيزان، علال الأزهر وعبد العالي بنشقرون، بعد أن أصبحا متابعين، إلى جانب الفقيد المودن وأنا.
كان هذا الأمر يزعجني ويقض مضجعي، زيادة على العذاب اليومي للمعتقل، إلى أن سمعت في أحد الأيام، أن الرفيق الموطى اعتقل ويوجد معنا في درب مولاي الشريف. كيف اعتقل؟ لا علم لي بالأمر إلى حد الآن. وهناك رفيق آخر عزيز وصديق العمر أيضا، كنت أحرص وأخاف أن يمسه سوء، هو مصطفى فنيتير. كما وضعت بين عيني أحد أقاربي، الذي كان يعمل بمدينة جرادة، لم تكن له علاقة بالتنظيم، ولكن كنت أتراسل معه، وفي إحدى المرات، بعث لي تقريرا مفصلا عن أحد إضرابات عمال جرادة، استعمل كمادة خام لمقال نشر في 23 مارس.
في إحدى الليالي، أخذوني إلى مكتب الجلادين، الذين يسمونهم المحققين، طبعا لا أرى من في المكان، ولكن أسمع أصواتا متعددة، أجلسوني أرضا، وبادروني بالسؤال، هل اسمك البدوي؟ أجبت بالنفي، وللوهلة الأولى، تذكرت رسائل الرفيق مسداد، ألحوا في السؤال، من هو البدوي؟، فكان جوابي ربما سموني بهذا الاسم في التنظيم، دون أن يخبروني به، ثم بادروني بسؤال آخر، هل تعرف محمد الحبيب الطالبي، قلت لهم أسمع به فقط، ولم يسبق لي أن التقيته.
ولحسن حظي، أنهم اكتفوا بهذا القدر من الأسئلة، ربما لاستنتاجهم بعدم أهميتي في التنظيم، وعدم معرفتي بهيكلته، وكنت قد أخبرتهم أنني مجرد عامل مقابل أجر، ولما سألوني عن مقدار الأجر التي أتلقاه مقابل عملي، أجبت مائة درهم، فاستهزأ مني كبيرهم بقوله: “هل مائة درهم ستأكل بها أو تمارس بها الجنس”، وقد قالها باللهجة الدارجة، ربما هذا الذي جعلهم لا يركزون علي كثيرا، قالوا في أنفسهم إن هذا مجرد راقن على الآلة الكاتبة.
ولا تفوتني الفرصة هنا دون التوجه بتحية إكبار وتقدير وإجلال لرفيقي العزيزين، علال الأزهر وإبراهيم الموطى، لأنهما تجنبا ذكر اسمي وعلاقتي التنظيمية القديمة بهما منذ مرحلة التأسيس، وهذا ما جنبني الكثير من العذاب الجسدي الذي لا قوة لدي لتحمله.
أتذكر يوم أخذوني عند كبيرهم، أو صغيرهم، لست أدري، فبادروني بالسؤال “أجي أولد الحرام أولد …، أنت اسمك علال الفاسي”، قلت لا، علال الفاسي، زعيم وطني وأنا مجرد إنسان بسيط، كيف أصل لقامته وأحمل اسمه، وحكايتي مع هذا الاسم، أنني وقعت به شيئا في النشرة الداخلية الخاصة بالتنظيم، والتي يطرح فيها النقاش الداخلي السياسي وآراء الرفاق حول التنظيم، كان عددا خاصا بنقاش مسألة الصحراء نشرت فيه آراء الرفاق حول الموضوع.
ولما أنهيت طبع العدد، ذيلت آخر صفحة فيه برأيي في النقاش الجاري، ولم يكن هذا مقررا ضمن مواد العدد، ولا متفقا عليه من هيأة التحرير، التي كنت عضوا فيها، وقد وقعته باسم علال الفاسي، وأتذكر أن رفيقي الراحل عبد السلام المودن عاتبني بلباقة على هذا التصرف والنشر غير المتفق عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى