fbpx
منبر

زناز: الدين أثبت عجزه عن التخليق

الباحث الجزائري حميد زناز قال إن الأزمات تكشف معدن الناس وفعالية اعتقاداتهم

قال الباحث الجزائري حميد زناز إن المجتمعات الإسلامية لاتعترف بأزمتها الأخلاقية، وأضاف الكاتب والمترجم إنه لا يمكن للمسلمين أن يكونوا متخلفين في كل القطاعات ويكونون متقدمين في الأخلاق. كما تحدث صاحب “أسفار العقل” عن أزمة الأخلاق التي تستفحل مع ظهور الأزمات والكوارث الطبيعية، معتبرا أن سببها هو التعارض التام بين تعاليم ثابتة وحياة متحولة باستمرار. وفي ما يلي نص الحوار:
< يختلف الناس في استقبال الأزمات حسب المنظومة الأخلاقية السائدة في مجتمعهم، بصرف النظر عن مصدرها، لكن الملاحظ أن الأزمة الأخيرة (انتشار وباء كورونا) أظهرت أن هناك أزمة أخلاق في المجتمعات الإسلامية، في تقديرك إلام يرجع الأمر؟
< في الحقيقة المجتمعات الإسلامية مجتمعات مأزومة على كل الأصعدة. وإن اعترف المسلمون بأزماتهم الاقتصادية والعلمية والبيئية والتربوية والسياسية وغيرها، فهم لا يعترفون بأزمتهم الأخلاقية المستفحلة، و إن اعترفوا جهارا نهارا بتخلفهم في كل شيء إلا أنهم لا يعترفون بتخلفهم الأخلاقي. فهل يمكن أن نكون متخلفين في كل القطاعات ومتقدمين في مجال الأخلاق؟ يعاني المسلمون من ظاهرة خطيرة هي المزج بين السلوك التعبدي المفروض دينيا وهو عبارة عن علاقة بين الله والإنسان والسلوك الأخلاقي النابع من ضمير الفرد وعقله والذي هو أساسا علاقة بين الإنسان وذاته من جهة و بين الإنسان والإنسان من جهة أخرى. في المجتمعات الإسلامية أو ذات الأغلبية الإسلامية هناك تسبيق للدين على العلم وعلى كل شيء وهذا هو السبب الذي يجعل المسلمين يتصرفون ليس حفاظا على قيم أثبتت نجاعتها بل يتصرفون كيلا تصطدم سلوكاتهم مع تعاليم دينهم وإن أثبت الواقع عدم فاعليتها، وأحسن مثال على ذلك دعوة المرشد علي خاميني إلى ردع فيروس كورونا بالدعاء، واعتبار الكثير من المسلمين أن هذا الوباء عقاب من الله ثم حينما وصل إلى البلدان الإسلامية أصبح ابتلاء من الله الأزمة الأخلاقية مردها إلى انعدام ثقافة العلم والتفكير المنطقي و النقدي. كيف يمكن أن يجد شيخ مثل أبي النعيم في المغرب آذانا تصغي إليه، وهو يقول إن المغرب أصبح دار حرب إذا قرر منع الصلوات في المساجد بسبب كورونا؟! وللإجابة مباشرة عن سؤالك تعود أزمة الأخلاق إلى التعارض التام بين تعاليم ثابتة و حياة متحولة باستمرار.

< هل هناك فعلا منظومة أخلاق إسلامية خاصة بتدبير الأزمات؟
< عموما ليست هناك منظومة أخلاقية إسلامية بالمعنى الحقيقي لكلمة أخلاق كما تحدثنا عنها في سؤالك الأول .. هناك مجموعة آيات وأحاديث وقصص لا علاقة لها بعصرنا يعود المسلمون إليها كلما تطلب الأمر ذلك، ولكن لا أثر لها على الواقع . ماذا عساهم أن يجدوا من حلول لأزمة صحية كالتي نعيش في هذه الأيام مثلا أو أزمة 2008 المالية؟

< بماذا يمكن تفسير سيادة قيم الأنانية والجشع واستغلال الفرص خلال فترات الأزمات والكوارث، وكيف لم تفلح قيم الدين في الحيلولة دون استفحالها؟
< طبعا من الأسباب الرئيسة إن لم يكن أهمها المحافظة على البقاء، وهو أمر طبيعي ففي حالات الندرة يجذب كل واحد الغطاء لنفسه وعائلته، وهذا من طبيعة كل المجتمعات البشرية أثناء الأزمات و لو بدرجات متفاوتة. ولكن في مجتمعاتنا الإسلامية أو ذات الأغلبية الإسلامية نجد خطابا مثاليا في المساجد والمدارس و وسائل الإعلام يؤمثل المسلم الذي ينتمي إلى "خير أمة أخرجت للناس" ولكن لا أثر لذلك في الواقع، حيث يسود الاحتيال والغش وحب الذات المرضي، يتلذذ الناس في سماع النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان في المساجد ولا يكترثون بواقع شوارعهم المزري حينما يغادرون المسجد وسط القمامة المتراكمة. و هذا يدل على أن الدين أثبت عجزه عن تخليق الحياة وبات الشرخ واضحا بين القول والفعل. لسبب بسيط هو أن المدرسة والعائلة ومختلف وسائل التنشئة لا تعمل على تكوين ذات أخلاقية مستقلة بصهر ضمير النشء عن طريق المعرفة والتجربة الشخصية واللغة وإنما عن طريق التخويف والترغيب والأوامر والضرب كوسيلة إقناع.. من المحزن أن نجد في القرن الواحد و العشرين من لا يزال يخطب ويدرس في المساجد بجواز ضرب الطفل لإرغامه على الصلاة إن بلغ من العمر عشر سنوات! فهل يمكن تكوين مواطنين أسوياء يتمتعون بعمق أخلاقي عن طريق العنف؟

< لماذا تتغير أخلاق البشر عند المواقف الصعبة و هل هناك خصوصيات تميز مجتمعا عن آخر في هذا السياق؟
< من الطبيعي أن يكون تصرف الإنسان مغايرا أمام الحالات الصعبة من وجوده لأن في حالات الذعر تتغلب غريزة الدفاع عن النفس من أجل البقاء على العقل، تتغلب الطبيعة على الثقافة بعبارة أخرى. كثيرون ذهلوا وهم يشاهدون أستراليين يتنافسون في متجر على مواد غذائية تافهة بسبب الخوف من الندرة بسبب فيروس كورونا، في حين أن الأمر طبيعي جدا. وربما سيضحكون على أنفسهم لو شاهدوا التسجيل. وطبعا هناك خصوصيات تميز كل مجتمع ويعود ذلك لأسباب تاريخية وجغرافية وسياسية. ولكن ما يميز المجتمعات الإسلامية عموما هو أنها ما تزال تستمد أخلاقها من الماضي ويشعر مواطنوها في أغلبيتهم أن كل العالم يتآمر عليهم ويحارب دينهم.

< كيف تساهم فتاوى شيوخ التطرف في تجريد التعاليم الدينية من بعدها الأخلاقي؟
< في الحقيقة و للأمانة لا أرى اختلافا بين الدعاة الذين نصفهم بالتطرف و هم الدعاة الذين نعرفهم عن طريق تدخلاتهم في وسائل الإعلام وبين الأئمة الذين يؤمون الناس في المساجد العادية . ففي كلتا الحالتين هم يغرفون من معين واحد هو التراث الإسلامي ونصوصه. يكمن الفرق في طريقة تناول القضايا وفي انتخاب النصوص تماشيا مع الأوضاع و ميزان القوى على الأرض. أما من حيث الهدف فلا فرق في رأيي بين هؤلاء وأولئك. ما الفرق مثلا بينهم في مسألة دونية المرأة؟ فالثقافة الإسلامية قفص فقهي وليس أخلاقا، وحينما تكون مسجونا فيها لا يمكنك التأقلم الايجابي لا مع الحياة الطبيعية ولا مع الأزمات.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

في سطور:
ـ باحث و مترجم جزائري مقيم بفرنسا.
ـ اهتم بالفلسفة الهامشية وقدم بحثا حول "التفردن" في فلسفة سيوران بجامعة نانسي الفرنسية.
ـ من مؤلفاته في اللغة العربية: "فصل المقال في الرد على أهل الظلام" و"أسفار العقل" و"المعنى والغضب" و"تجارب في الفلسفة والأدب والحياة" و"دفاعا عن العقل.. وقفات في الفكر والسياسة والحياة" و"الفيلسوف إذا سئل: لماذا اختار ألبير كامو أمه؟"
ـ من بين إصداراته باللغة الفرنسية: "الأصولية : كيف حفر الغرب قبره." و"المأزق الإسلامي (مترجم إلى اللغة الإيطالية) و"الأصولية كما فسرتها لابنتي" و"أصواتنا ليست عورات" و"الغزو الإسلامي لأوربا: حضارة تحتضر"
ـ شارك في مؤلفات جماعية كثيرة من بينها: "تابو البكارة" و"المثلية الجنسية/أضواء سيكولوجية و سوسيولوجية و بيولوجية" و"جدل التعليم الديني/التاريخ، النماذج، الإصلاح" و"الإسلام في أوربا /إشكاليات الاندماج و تحديات الإرهاب" و"الإسلاميون ومناهج التعليم".
ـ من ترجماته إلى العربية: "فرنسا جمهورية الدراويش" و"في نشأة الكون و الحياة و الإنسان/ حوارات مع علماء و فلاسفة و أنثروبولوجيين" و"هل العبر- إنسانية مذهب إنساني؟"

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى