fbpx
منبر

أخلاق الأزمة … سقوط الأقنعة

طغيان الأنانية والفردانية وانحسار في دائرة قيم التضامن والأخوة

بظهور أزمة جديدة، تسقط الأقنعة، وتكشف الوجوه الحقيقية، ويكشر عن الأنياب، وتطفو مظاهر الأنانية والفردانية على السطح، وتفعل خاصية غريزة البقاء لدى الإنسان، والمفاجئ في هذا المشهد، هو اضمحلال الأخلاق والوازع الديني، إذ يصبح الإنسان مجسدا لعبارة “أنا ومن بعيدي الطوفان”.
ولعل ما وقع بالمغرب في الأسبوع الماضي وما يزال مستمرا، من “لهطة” على المواد الغذائية، خير مثال لتراجع الأخلاق أمام الأزمات، فرغم أن المؤمنين بجميع الديانات، يدعون سمو أخلاقهم وقيمهم، إلا أن الأزمات تتغلب عليهم، ويصبحون بدون أخلاق وينحون نحو الأنانية.
ورغم أن جزءا كبيرا من المغاربة انتقدوا هذه السلوكات، معتبرينها دخيلة عليهم، إلا أن البعض ينافق نفسه والمجتمع، إذ يكتبون تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي ينددون من خلالها “باللهطة”، وتجدهم يفرغون رفوف المتاجر من السلع، رغم أنهم يعلمون أن هناك من لا يملك المال لاقتناء ما يكفيه من المواد الغذائية لمدة طويلة.
وكتب الباحث في الشأن الديني، سعيد لكحل، مقالا في هذا الصدد أكد فيه أن هذه الأزمة الأخلاقية التي خلفها انتشار فيروس “كورونا”، ظهرت مجموعة من المؤشرات التي يجب أن تنتبه إليها الدولة، إذ كتب “الواقع الذي أفرزته جائحة كورونا كشف عن حقائق مرة، على الدولة وكل مؤسساتها أن تراجع سياساتها التربوية والإعلامية والدينية والثقافية، مراجعة جذرية تجنبا للأسوأ لا قدر الله”، مضيفا أنه من خلال هوس المواطنين “بالنهب” القانوني للمواد الغذائية بالأسواق الممتازة والمحلات التجارية، يمكن تحذير الدولة من الكثير من الأخطار.
ومن أبرز هذه الأخطار التي أكد عليها الباحث في الشأن الديني، والإسلام السياسي، هي “هستيريا التسوق وجنون التخزين صارا سلوكا شبه عام وميولا جماعيا خرج عن التحكم فيه، من قبل المواطنين أنفسهم الذين اجتاحهم سعار “نهب” محتويات المحلات التجارية، وكأن البلاد في حالة مجاعة أو حرب لم يعد للدولة وجود”، مضيفا أن الوازع الديني والحس الوطني فقدا أي مفعول على سلوك وتفكير فئات واسعة من المواطنين، الذين اختلطت عليهم الأمور، فتوهموا أن قرار إغلاق المدارس يسري على كل المحلات التجارية والإنتاجية.
ونبه لكحل الدولة من استعداد المواطنين لممارسة كل أساليب النهب والتخريب في حال اضمحلت الدولة، أو انهارت لا قدر الله، مفسرا ذلك بأن الهوس الذي استبد بالمواطنين لتخزين المواد الغذائية، قادر على أن يحولهم إلى مخربين وقطاع طرق، ينهبون كل شيء امتدت إليه أيديهم. وأضاف لكحل أن المواطن المغربي مستعد للعودة إلى حالة الطبيعة، وانعدام القيم والأخلاق والقانون، فندرة المواد الغذائية أو افتقادها في السوق أو غلاء أسعارها، ستزيد من ذعر المواطنين وتؤجج سخطهم على الدولة التي لم تعد قادرة على حماية قدرتهم الشرائية وتركتهم فريسة للمحتكرين والمضاربين.
وانتهى الباحث إلى خلاصة مفادها، أن “الدرس الذي على الدولة استخلاصه من جائحة كورونا وانعكاسها على المجتمع وسلوك المواطنين هو مراجعة البرامج التعليمية والإعلامية والدينية، لإشاعة قيم المواطنة وتربية النشء عليها، حتى يستعيد المجتمع تماسكه ويقوي لحمته لمواجهة النزعات الفردانية المدمرة خصوصا في الأزمات والظروف العصيبة.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى