fbpx
منبر

الكوارث … أوهام العقاب الإلهي

مسلمون مؤدلجون يعتبرونها لعنة ربانية على المخالفين وابتلاء للمؤمنين

من المؤكد أن الديانات والشعائر لا يمكن إخضاعها للمنطق العلمي، وأنساق التفكير المنهجي المحض، إلا أن بعض الفقهاء الإسلاميين، وأتباعهم من المسلمين المؤدلجين، يقلبون جميع القواعد، ويحللون الأحداث حسب هواهم، دون إعمال عقولهم ولو للحظة، ويسيئون للدين ويشوهون صورته، دون أن يتصدى لهم أحد، أو تتدخل الدول والحكومات المشرفة على المساجد، قصد تصويب سلوكاتهم الشاذة، وخطاباتهم المفعمة بالكراهية والجهل، خاصة حينما يتعلق الأمر، بالتشفي في الشعوب ضحايا الكوارث الطبيعية والأوبئة والأزمات الاقتصادية والبيئية، وآخر مثال على هذا الأمر، فيروس «كورونا» المستجد، الذي أطلق فيه الشيوخ والفقهاء العنان لخطبهم العنيفة.
وأعاد فيروس «كورونا» المستجد، نقاش العقاب الإلهي بالأوبئة والكوارث الطبيعية إلى الواجهة، خاصة بعدما شن شيوخ وفقهاء هجوما على الصينيين والدول الأوربية، معتبرين أن ما أصابهم عقاب من الله، بسبب معاصيهم وكفرهم، وبعدهم عن الدين، وأنهم أعداء الله. والخطير في الأمر أن هذه الأفكار لا تقف عند الفقهاء والشيوخ المتشددين، بل تمتد إلى العامة من المسلمين، ويتبنون هذا الخطاب المتطرف والعنصري تجاه المخالفين في الدين والاعتقاد، وهو ما يشجع على الكراهية وعدم تقبل الاختلاف، ونسف التسامح والتعايش بين الشعوب والحضارات. وما زاد الطين بلة أن لا أحد يتدخل لتغيير هذه الأفكار، التي تعمق الهوة بين الثقافات.
ومن عجائب هؤلاء المتشددين، أنهم مستعدون للإفتاء والتحليل، في كل وقت وحين، دون تفكير أو إعمال للعقل والمنطق، فإذا كان موطن الكارثة والوباء بلاد المختلفين، يعتبرون الأمر بشكل أوتوماتيكي عقابا ولعنة إلهية، لكن بمجرد أن تصيب الكارثة أو الأزمة الأمة الإسلامية، تتغير الفتاوى والتحليلات الفقهية، ويصبح الأمر ابتلاء إلهيا مستحبا، وجب على المسلمين الصبر عليه وتقبله دون السعي إلى تغييره، بل يذهب البعض أبعد من ذلك، ويعتبر الأمر اختبارا إلهيا للمؤمن، وامتحانا لأصحاب العقيدة الصحيحة والقوية، المسلمة بالقضاء والقدر، وأن الجائحة التي أصابت القوم ربما فيها خير لهم، أو أن من ورائها خيرا للعباد، مستدلين بـ “عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”.
ويقدم أصحاب العقاب الإلهي، فهما قاصرا للإله، ويجعلون منه، ذاتا تتفاعل مع الواقع الإنساني وتتأثر به، وتغضب على أحوال الناس والعباد، ومستعدة في أي لحظة لعقابهم نتيجة تقصيرهم في الواجب الديني، أو بسبب الانحراف عن العقيدة. ومن الصعب أن تجد خيطا ناظما لأفكار مروجي هذه الأفكار، فإذا كان الإله خالق الكون عالما بما ستؤول إليه أحوال الأمة، ومتحكما في مصير أفرادها، فكيف له أن يعاقبهم عن محدودية علمهم وحيلتهم، كما أنه إذا كانت قاعدة الجزاء والعقاب مؤجلة إلى ما بعد الموت، فما حاجة العقاب الدنيوي؟
وفي جميع الأحوال، فإن هذه الأفكار ليست جديدة أو مفاجئة، خاصة أن المسلم، الذي لا يمتلك ملكات التفكير السليم والمنطقي، يسهل الإيقاع به في فخ إسقاط القصص الميتافيزيقية الواردة في النص الديني، على الواقع اليومي، خاصة أن المدارس ومؤسسات التنشئة، لم تفصل يوما بين المجال الديني والدنيوي، وتعتبر أحدهما مؤثرا في الآخر، لذلك يسقط هؤلاء قصصا من قبيل قوم لوط أو عاد وثمود أو قريش، على واقعنا اليومي، فعلى من يقع اللوم في هذه المعادلة؟.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى