حوار

زنيبر: الحكومة تريد تأزيم الموثقين

الموثق زنيبر قال إن سبقية البت تبعد مجلس المنافسة عن تعريفة المهنيين ولوبيات الفساد هي المستفيد الأكبر

قال محمد أمين زنيبر، الرئيس السابق للمجلس الجهوي للموثقين لجهة الرباط، إن ما تصبو إليه الحكومة في مجال تسقيف أتعاب الموثقين، لايعدو أن يكون مجرد صورة طبق الأصل للوضع الذي يعيشه المهنيون حاليا. واستغرب الرئيس السابق للمجلس الجهوي للموثقين بالرباط، هدر الحكومة للزمن السياسي والمؤسساتي، سيما أنها المرة الثانية التي يستأثر فيها الموضوع برأي مجلس المنافسة، إذ سبق له أن أبدى رأيه في 2012، بطلب من الحكومة السابقة، أعقبه قرار للوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 19 ماي 2014، والذي نص على إخراج أتعاب الموثقين من دائرة السوق والمنافسة الحرة، وأدرجها ضمن قائمة الخدمات المنظمة أسعارها بمقتضى القانون على غرار المنتجات الصيدلية والخدمات الطبية وأتعاب المفوض القضائي…
وفي مايلي نص الحوار:

> ما موقفكم من رأي مجلس المنافسة حول تحديد أتعاب الموثقين؟
>  بداية يجب توضيح أن مجلس المنافسة لا يملك سلطة تحديد أتعاب الموثقين، فهو مخول له إبداء رأيه فقط، طبقا لما ينص عليه قانون حرية الأسعار والمنافسة، وهنا وجب التذكير أنها المرة الثانية التي يستأثر فيها هذا الموضوع برأي مجلس المنافسة، إذ سبق له في حلته القديمة أن أصدر رأيه سنة 2012، بطلب من الحكومة السابقة، وقد أعقب ذلك قرار للوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 19 ماي 2014، والذي نص على إخراج أتعاب الموثقين من دائرة السوق والمنافسة الحرة، وأدرجها ضمن قائمة الخدمات المنظمة أسعارها بمقتضى القانون على غرار المنتجات الصيدلية والخدمات الطبية وأتعاب المفوض القضائي، مما يدفعني إلى الاستغراب والقول إننا أمام هدر للزمن السياسي والمؤسساتي، فمن وجهة نظري ما كان على رئيس الحكومة أن يطلب استطلاع رأي مجلس المنافسة، وما كان على مجلس المنافسة إلا أن يصرح بعدم قبول طلب الاستشارة، من جهة أولى، لسبقية البت في الموضوع، ومن جهة ثانية، لأن هذه الخطوة تخالف مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الأولى للمرسوم المنظم لحرية الأسعار والمنافسة.

> إذا كان القانون لا يسمح فعلا للحكومة باستشارة مجلس المنافسة فما الدافع وراء اتخاذ الحكومة لهاته الخطوة ؟
> في سؤالكم شقان، الأول قانوني والثاني ذو طابع سياسي، فبالنسبة إلى الشق الأول، ودون حاجة للخوض في التفاصيل، يمكن القول إن المشرع ألزم الحكومة باستشارة مجلس المنافسة في كل مسألة متعلقة بالمنافسة، باستثناء الحالة التي تحدد فيها الحكومة أسعار السلع والمنتوجات والخدمات التي تقوم بحصر قائمتها، وبما أن أتعاب الموثقين ضمنت في هذه القائمة منذ 2014، فلا مجال لطلب استشارة مجلس المنافسة،  كما أنه ليس من اختصاص مجلس المنافسة النظر في طلب الحكومة المتعلق بتحديد أتعاب الموثقين، لأنها ليست مسألة متعلقة بالمنافسة وبالتالي فلا مجال أيضا لتطبيق المادتين 5 و 7 من القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، اللتين استندت عليهما الحكومة لإحالة طلبها.
أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم وهو الشق ذو الطابع السياسي فأنا غير مؤهل للجواب عنه.

> لكن مجلس المنافسة يعتبر مهنتكم حرة، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تخضع أتعابكم لقانون المنافسة، فما قولكم في هذا الخصوص؟
> مجلس المنافسة هيأة دستورية مستقلة، تؤمن بمبدأ السوق الحرة وتحرص على تنظيم التنافس بين الفاعلين الاقتصاديين وبالتالي لا يمكن لعاقل أن يتصور لوهلة أنه بإمكانه إبداء رأي مخالف لما ذكرتم، لكن القول إن مهنة التوثيق مهنة حرة، فهذا توجه لا يمكن قبوله أو الاعتداد به.

>  كيف ذلك ؟
> مهنة التوثيق تتمتع بتفويض من الدولة لتسيير خدمة عمومية في إطار حر وليست مهنة حرة كما يردد البعض، وهنا يجب الاعتراف أن هذه المغالطة مردها القانون المنظم لمهنة التوثيق والذي لم نستطع التصدي له خلال مناقشة مشروع القانون رغم محاولاتنا الدؤوبة.
وعلى العموم، فإن كل من اطلع على تاريخ مهنة التوثيق، سيتبين له أن هذه المهنة نشأت في بداية القرن الثامن عشر لإضفاء الصبغة الرسمية على الاتفاقات التي يبرمها المتعاقدون. والرسمية عمل من أعمال السلطة العمومية تتوخى منه الدولة زرع الثقة بين الناس كي تستقر وتتطور المعاملات المدنية والتجارية بينهم. ولأن هذا النوع من المعاملات يتطلب السرعة والدقة والليونة في آن واحد، فقد عملت الدولة على تفويض جزء من صلاحياتها فيه إلى الموثق الذي يمارسها، تحت مسؤوليته، في إطار حر، تحت الرقابة المباشرة والفعلية للسلطتين القضائية والإدارية.

> إذن أنتم ضد تحرير أتعاب الموثق ؟
> إن مجال تدخل الموثق هو امتداد لصلاحيات الدولة، وعليه فإن أي محاولة لجره إلى منطق السوق والعرض والطلب، سيؤدي لا محالة إلى زعزعة إحدى الدعامات الأساسية التي تعتمدها الدولة لتثبيت المعاملات واستقرارها، سيما ونحن بصدد البحث عن نظام تنموي جديد يكرس مفهوم الثقة بين مختلف الفاعلين.

> لكن ألا تعتقدون أن تسقيف الأتعاب كما اقترح ذلك مجلس المنافسة سينعكس إيجابا على المستهلك ؟
> ما أوصى به مجلس المنافسة، أو بالأحرى ما تصبو إليه الحكومة الحالية، لا يعدو أن يكون مجرد صورة طبق الأصل للوضع الذي نعيشه حاليا، وهنا اسمحوا لي أن أطرح بدوري بعض التساؤلات، هل المواطن فعلا “راض” عن مبلغ أتعاب الموثق وطريقة احتسابها كما هي عليه حاليا؟ أم أنه يفضل التعامل مع الموثق بناء على نموذج يعتمد تعريفة حصرية ومحددة يسهل عليه مراقبتها ؟ من جهة أخرى، هل تعتقدون أن نظام تسقيف الأتعاب سينعكس إيجابا على جميع المستهلكين ؟

> من هم أكثر المستفيدين في نظركم من نظام تسقيف الأتعاب ؟
 > أعتقد جازما أن المواطن البسيط سيكون أكبر خاسر لأنه سيكون مضطرا لأداء الأتعاب وفق السقف الأعلى للتعريفة، بينما سيستفيد الفاعلون الاقتصاديون الكبار وأصحاب اللوبيات الفاسدة من أدنى المستويات، لأن الشريحة لها من الإمكانات ووسائل الضغط ما لا يتوفر لدى المواطن البسيط.

تضييق الخناق على السماسرة
 
إن تحديد تعريفة موحدة وحصرية لأتعاب الموثق ضمان لمزيد من الشفافية في علاقة المواطن بالموثق، إذ أنه سيكون على علم مسبق بمبلغ الأتعاب الواجب أداؤها، كما أن المواطن سيتخلص من الضغوط التي يمارسها عليه عدد من السماسرة وبعض المنعشين العقاريين لاستمالته نحو فئة قليلة من الموثقين المعينين سلفا للأسباب التي نعلمها، وهذا الوضع غالبا ما يتسبب في تشويه مبادئ الحياد والتجرد والاستقامة، وينسف القيم التي ينبني عليها التوثيق، ويولد في النهاية تغليب الطرف القوي على الطرف الضعيف والتحايل على القانون.
أما بالنسبة إلى الموثق، يمكن القول إن تحديد الأتعاب يعد مدخلا أساسيا لتخليق المهنة وهو حق من الحقوق القليلة التي سنها القانون لفائدة الموثق للتخفيف من عبء المسؤوليات العديدة التي يتحملها، كما أن تحديد الأتعاب بالشكل الذي تطالب به هيأة الموثقين ينسجم كليا مع ما هو متعارف عليه دوليا في مجال التوثيق، فالموثق أو الموثقة، مثله مثل باقي أفراد المجتمع، من حقهما ضمان العيش الكريم، وإذا ما انتفت شروط العيش الكريم فلا مجال لمطالبتهما بالاجتهاد والابتكار والإبداع…

الموثق لا يستفيد من الريع

يمكن التأكيد أن أتعاب الموثق عرفت خلال العشرية الأخيرة وضعية مقلقة لا تتناسب وحجم المسؤوليات المتزايدة بفعل الزخم التشريعي الذي تعرفه بلادنا، وبسبب تطور مظاهر الجريمة. كما أن المهنة أضحت تتأثر بمظاهر اللاعدالة الاجتماعية مما ينذر بحدوث وقائع مأساوية في المستقبل القريب، ما لم تتدخل الدولة بشكل استباقي لترسيم حدود التوازنات التي يقتضيها الوضع الحالي. من جهة أخرى، كيف لنا الحديث عن ريع اقتصادي في الوقت الذي لا يكلف الموثق أي عبء على ميزانية الخزينة العامة، إذ يدبر تسيير خدمة عمومية بإمكانياته ووسائله الخاصة، ويستخلص الضرائب والرسوم على العمليات التي يباشرها تحت طائلة مسؤوليته التضامنية، ولا يستفيد من أي إعفاء ضريبي، كما هو الشأن بالنسبة إلى قطاعات مختلفة، ويسهل الولوج إلى القانون عبر تقديم النصح والاستشارة لتجنب حدوث النزاعات، بالإضافة إلى أنه يتحمل مسؤولية شخصية عن أخطائه وأخطاء الأجراء العاملين لديه.

انخرطنا في محاربة السطو على أملاك الغير

أطلقت مهنة التوثيق ورش الإصلاح منذ 2010، و امتثلت للسياسات التي أملتها الحكومات المتعاقبة، إذ أنها انخرطت في أوراش التأهيل والتخليق والتحديث، وقد تحقق منها الكثير في ظرف وجيز، أذكر منها، انفتاح المهنة على جيل جديد من الموثقين، والاستثمار في وسائل التكنولوجيا الحديثة، وإحداث هياكل مهنية منتظمة، وإعلاء راية المغرب في المنتديات الدولية، وإرساء اللغة الرسمية في تحرير العقود، ووضع ترسانة جديدة ومبتكرة لتحصين الودائع، وتفعيل صندوق ضمان الموثقين، وإحداث تأمين عن الأخطاء المهنية، وتأسيس نظام خاص للتغطية الصحية للموثقين، والمساهمة الفعلية في برامج اللجنة الوطنية لتحسين مناخ الأعمال، والانخراط في القضاء على ظاهرة السطو على أملاك الغير، واقتراح تعريفة موحدة للأتعاب تأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية للفئات الهشة والفقيرة، وغيرها من الأوراش التي لا يسع المجال هنا لذكرها كاملة.
للأسف الشديد، في مقابل كل هذه الجهود فإننا نلاحظ تعنت بعض الجهات وتكثيف المحاولات لتحطيم كل المبادرات الهادفة إلى تنظيم المهنة والرقي بها، عبر نصب العقبات وتجريد الموثقين من أبسط الحقوق. كل ذلك بلا شك من أجل تحقيق هدف واحد هو الإبقاء على الظواهر المسيئة والمضرة بالمهنة التي تعمق أزمة الثقة.
إنني لا أؤمن شخصيا بنظريات المؤامرة، لكن يجب الاعتراف، في الوقت ذاته أن مهنة التوثيق أبانت عن حسن نيتها و قدمت الشيء الكثير خلال السنين الأخيرة لمسايرة التطورات التي تعرفها بلادنا، والرفع من جودة خدماتها، غير أن هذه الجهود لم تلق في المقابل الدعم الكافي من قبل الدولة لتثمينها. والدليل على ذلك ما نعيشه اليوم من معارك طاحنة ضد بعض التوجهات التي لا فائدة منها سوى تعطيل مسيرة النمو، لمهنة يجمع الكل على أهمية دورها في تحقيق الأمن القانوني والسلم الاجتماعي.

في سطور:

– من مواليد 1972
– متزوج وأب لطفلة
– عين موثقا بسلا في 2000
– تقلد مهام رئاسة المجلس الجهوي للموثقين لجهة الرباط لولايتين متتاليتين ما بين 2013 و 2019
– شارك في أشغال اللجنة المكلفة بإعداد ومناقشة مشروع القانون رقم 32.09 المنظم لمهنة التوثيق
– تولى عدة مهام على الصعيد الوطني داخل المؤسسة التمثيلية للموثقين ما بيـن 2010 و 2016، أهمها إدارة لجنة التواصل والإشراف على إحداث النظام الالكتروني المسمى توثيق  

أجرى الحوار: المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق